الثورة التونسية بعد سبع سنوات

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

في مثل شهر نوفمبر هذا وقبل ثلاثين عاما، استولى زين العابدين بن علي السلطة في تونس، منهيًا بذلك سيطرة الرئيس المتهالك الحبيب بورقيبة الذي حكم البلاد منذ استقلالها عام 1956. وعد بن علي بتطبيق إصلاحات سياسية تجاوبت معها أطياف عريضة من الطبقة السياسية التونسية بما في ذلك الإسلاميون. غير أنّ تلك الآمال سرعان ما خابت وتلاشت عقب حملة القمع التي تلت الانتخابات العامة لعام 1989 حيث شاركت فيها حركة النهضة بقوائم مستقلة واحتلت فيها المركز الثاني بعد الحزب الديموقراطي الدستوري لبن علي ، ولم يُستثن من القمع اليساريون أيضا. ومع مطلع العام 2011 كان بن علي قد نجح في توحيد أغلب التونسيين ضدّ حكمه المتسلّط، ممّا أفضى إلى شروع التونسيين في عملية تحوّل سياسي لا تزال سارية منذ سبع سنوات.

يُحتفى بالعملية السياسية في تونس على أنها الاستثناء الوحيد لانتفاضات الربيع العربي نظرًا للنجاح النسبي الذي حققته، ويعلّل مختلف المحللين ذلك بعدد من الأسباب والتفسيرات، منها الدور الحيوي للمجتمع المدني، والمستوى التعليمي العالي، والبنية المتجانسة لنسيج المجتمع التونسي وكذا محدودية المصالح الجيوإستراتيجية للبلد. غير أنّ العامل الأكثر أهمية هو تراكم خبرات الحوار وبناء التحالفات بين السياسيين وممثلي المجتمع المدني على اختلاف مشاربهم، خصوصا بين العلمانيين اليساريين من جهة، والإسلاميين من جهة أخرى. ولذلك يحاجج الذين شاركوا في مبادرة حوار 18 أكتوبر 2005 أنّه من الصواب القول أنّ ثمرة تلك الخبرة سهّلت الوصول إلى الاتفاق الذي تشكّلت به حكومة الترويكا في 2012.

إن التحوّلات السياسية التي تعقب انتفاضات شعبية هي عمليات يصعب مجاراتها لأنّها تُخرج إلى السطح كل التناقضات المكبوتة في ظل النظام المتسلّط. وكان من غير الممكن أن تتجنّب حكومة الترويكا عقبات عويصة هدّدت مشروع التغيير الديموقراطي برمّته. وزيادة على المعارك الإيديولوجية بين الإسلاميين والعلمانيين، سمحت انتفاضة 2011 ببروز الصوت السلفي كفاعل سياسي جذب إليه أعدادًا غفيرة من الشباب التونسي. ونجح الحوار الوطني خلال 2013-2014 في تأمين إجماع توافقي حول قضايا حالت دون كتابة مسودة دستور جديد في المجلس التأسيسي لعام 2011 أين تمّ تفادي قضايا رئيسية أو صياغتها بضبابية، بالإضافة إلى أنّ الصوت السلفي السياسي لم يكن ممثّلا رسميًا على طاولة المفاوضات بين حركة النهضة وأندادها السياسيين بقيادة نداء تونس. ولعلّ تلك المعطيات تفسّر إلى حدّ ما العنف السياسي الدموي الذي رافق الشهور الأولى لفترة ما بعد الترويكا في ظل حكومة حبيب الصيد عام 2015. وبارك المجتمع الدولي دستور 2014 معتبرًا إيّاه فريدًا من نوعه في العالم العربي، ونالت الهيئة الرباعية التي نظمت الحوار جائزة نوبل للسلام.

مع مباشرة التونسيين للانطلاقة جديدة تحت قيادة نداء تونس هذه المرة، تجدّدت آمال كبيرة لدى عموم التونسيين غذّتها حملات إعلامية دعمت النداء ووعوده الانتخابية. بيد أنّ الواقع كان أكثر تعقيدًا من مجرّد الفوز على النهضة في الانتخابات، كما استنتج ذلك نداء تونس عندما شرع في تشكيل الحكومة. وعايش الرئيس باجي قايد السبسي بروز تصدّعات مزّقت تحالف العلمانيين ضد النهضة، واستخلص من ذلك حاجته إلى وجود النهضة في الحكومة حتى لا تلعب دور حكومة الظل في البرلمان. وأدّى ذلك القرار إلى انفراط عقد تحالف 2014 للعلمانيين مما دفع بالجبهة الشعبية إلى المعارضة. وبعد فترة وجيزة بدأت هزات داخلية تقوّض نداء تونس نفسه بسبب الصراع على القيادة تمّ تسويقها على كونها اختلافات في التوجهات السياسية. يتباين الخلاف بين أعضاء حاليين وسابقين من نداء تونس في تقييم تلك الوقائع، ويثير بعضهم التوافق بين السبسي وراشد الغنوشي في باريس 2013، كما يُفسّر ذلك آخرون بالالتزام الجاد للرئيس السبسي بالنأي بنفسه عن السياسات الحزبية الضيقة والحرص على المصلحة العليا للوطن، مثلما يتعيّن فعله على أي رجل دولة، خصوصًا خلال المراحل المفصلية في تاريخ البلاد.

تمكّن تحالف النداء والنهضة من الصمود لثلاث سنوات لحدّ الآن، وأصبحت النهضة بذلك القوة السياسية الأولى في البرلمان عقب سلسلة من الانقسامات في حزب النداء وكتلته البرلمانية. أدّى هذا الواقع، الذي كان لحدّ الآن غير متوقّع، إلى خلخلة المجتمع المدني التونسي والمشهد السياسي مما دفع إلى إعادة تموقع لتحالفاته. وفي حين تبحث قيادة الحزبين السياسيَين رؤى وتصورات لمأسسة التحالف ضمانا لاستمراريته للعقد القادم، تكرّر مجموعات سياسية علمانية أخرى المحاولات لتشكيل جبهات جديدة لإنهاء ذلك التحالف. في المقابل لا تقف جماهير النداء والنهضة على نفس المسافة التي تقف عليها قياداتها من التحالف، ولم تستسغ بعض الأطياف من شباب النهضة، في الجنوب التونسي خصوصًا، هذا التحوًل في ولاء حركتهم من الرئيس السابق المنصف المرزوقي إلى القايد السبسي، البورقيبي المناوئ للنهضة. وينطبق نفس الشيء على شباب النداء الذين تمّ تجنيدهم وتعبئتهم من منطلقات مناهضة للإسلاموية، لكنهم يجدون أنفسهم اليوم مضطرين للتعايش مع النهضة. ويعتبر عدد من المعارضين أنّ هذا التحالف بين الحزبين الكبيرين يقتل روح التعددية والتنافس السياسي السليم، بل ويعتقد بعضهم أنّ هذا التحالف سيؤدي إلى إعادة انتاج نفس البيئة التي أجّجت انتفاضة 2011.

يطرح خبراء الشأن التونسي ووجوه سياسية تونسية تقييمات متباينة لاستراتيجية الانتقال السياسي المتّبعة. ويحاجج البعض بأنّ إجراء انتخابات محلّية مسبقة كان من شأنه أن يجنّب تونس كلّ العنف السياسي والأزمة الاقتصادية التي واجهتها خلال السنوات السبعة الأخيرة؛ ذلك أنّ الأسباب الجذرية التي أوقدت جذوة الانتفاضة في المناطق الداخلية المهمّشة لم تتم معالجتها بعدُ، مما يُفسر تكرار الاضطرابات في تلك المناطق. وفي مقابل ذلك دفع النقاش المطروح حول مشروع قانون المصالحة الاقتصادية الذي يُراهن عليه كل من النهضة والنداء إلى تغيّر في خطوط التماس الإيديولوجية التقليدية نحو مقاربة جديدة بين بعض شباب الإسلاميين واليساريين الذين يرفضون القانون باعتباره رخصة لتكريس سياسة اللاعقاب.

بعد مرور سبع سنوات يمكن للملاحظ معاينة أربع قضايا خلافية تعيشها تونس اليوم. أولًا، قضية التحالف بين نداء تونس والنهضة. ثانيًا، طبيعة النظام السياسي. ثالثا، الدور السياسي للاتحاد العام التونسي للشغل. رابعًا وأخيرًا، استعجالية إجراء انتخابات من عدمها. وتشكّل هذه القضايا أهم العقبات في طريق التحوّل الديموقراطي في تونس. لكن هناك أيضًا مظاهر أخرى للتحوّل تساهم بدورها في الاضطراب الاجتماعي زيادة على الأزمة الاقتصادية. هناك الكثير الذي يمكن فعله للتعامل مع إرث الماضي. فقد مرّت هيئة الحقيقة والكرامة بتجربة واعدة لكن لا يوجد إجماع على تفويضها والدور المنوط بها لدى الطبقة السياسية التونسية، ولايزال الانقسام الإيديولوجي الإسلامي-العلماني يؤزّم النقاش السياسي في البلاد مثلما أثارته دعوة الرئيس السبسي إلى إصلاح قانون المواريث لتعزيز التوزيع المتساوي بين جميع المواطنين في الدولة المدنية كما ينصّ عليه دستور البلاد.

تحالف الحزبين الكبيرين: يتّفق نداء تونس مع النهضة على كون تحالفهما المبني على توافق باريس هو تحالف حيوي لنجاح العملية الانتقالية، بل وترى النهضة وجوب تطوير التحالف ومأسسته من أجل إيجاد استراتيجية مدعومة من الحزبين في البرلمان والحكومة خلال السنوات الخمسة – وحتى السنوات العشرة – القادمة لتكريس الانتقال. وفي المقابل تتخوّف أحزاب أخرى من كون تحالف الحزبين الكبيرين يمهّد الطريق لعودة الحكم السلطوي، ويفضلون حكمًا توافقيًا يشارك فيه جميع الفاعلين السياسيين (الأحزاب الصغيرة أو الكبيرة من داخل أو من خارج البرلمان). هذه الديناميكية انعكست في مناورتين سياسيتين مؤخرًا عندما توافق كل من نداء تونس والنهضة وحزب الاتحاد الوطني الحرّ لسليم الرياحي على دعم مترشح واحد لترأس الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات، وقد صوّتوا بالفعل لصالح محمد تليلي منصري منتصف نوفمبر. وردًّا على ذلك تأسّست كتلة برلمانية جديدة تحت مسمّى الجبهة التقدمية البرلمانية شكّلتها كتلة الحرة لمحسن المرزوقي مع كتلة الديموقراطيين، وأعلنت هذه الجبهة عن هدفها المتمثل في”استعادة توازن القوى في الشؤون البرلمانية وضمان الاستقرار السياسي“، لكن لم يمض على ولادتها بضعة أسابيع حتى بدأت تطالب بمواجهة تحالف النداء والنهضة بشكل عام.

طبيعة النظام السياسي: هناك دعوات متزايدة لمراجعة وتعديل النظام السياسي الهجين حاليا، وهو نظام نصف برلماني نصف رئاسي. يرى البعض في نداء تونس أن هذا يضمن أفضل الشروط الممكنة لنجاح الفترة الانتقالية (إعادة بعث الاقتصاد، التصويت على التشريعات والسياسات العمومية الضرورية). كما يحاججون بأن ما تحتاجه تونس هو قانون انتخابي يؤسس لحكم حزب الأغلبية. تلك الدعوات لا تدعو بالضرورة إلى تعديل دستور 2014 لكنها تصرّ على ضرورة القيام بإصلاحات. وتثير هذه الدعوات حفيظة الأحزاب السياسية الصغيرة في تونس وتعتبر مثل هذه الخطوة من شأنها أن تشكّل تمهيدًا لعودة الحكم السلطوي، حجّتهم في ذلك أنّ المؤسسات التي جاء بها دستور 2014 لم يتم تفعيلها بعدُ، ممّا يحول دون إصدار أيّ حكم على استدامة الدستور الجديد من عدمها.

وفي حوار بثّه تلفزيون القناة الوطنية الأولى في برنامج “نأتيك بالأخبار”، بتاريخ 18 سبتمبر2017، قال السبسي أنّه يتفهّم لماذا يدعو البعض لإجراء إصلاحات للنظام الهجين، ورغم أنّ الدستور الحالي يخوّله القيام بمثل هذه الإصلاحات، إلّا أنّه في كل الأحوال لن يفعل. في نفس الوقت أضاف بأنّ البرلمان حرّ في إطلاق المبادرة؛ بعبارة أخرى هو يترك الباب مفتوحًا لذلك. سياسيًا، يعتبر مناوئو النهضة أنّ النظام الرئاسي سيضمن لمناوئيها السيطرة على الرئاسة (وهي آخر حصون العلمانيين في تونس). وسبب ذلك هو قناعتهم أنّ النهضة ستسيطر على المجالس المحلية والجهوية، كما لديها الأغلبية البرلمانية الآن. ومن جهتها لا تبدي النهضة موقفًا واضحًا من هذه القضية، فخلال سنوات حكومة الترويكا طالبت النهضة أوّلًا بنظام برلماني (مقتنعين بشعبيتهم)، لكن بعد أزمة 2013 وافقت على النظام الحالي الهجين، ومنذ بداية التحالف بين النداء والنهضة حرص عدد من مستشاري الغنوشي، على غرار لطفي زيتون، على الدفع من أجل مصالحة شاملة ونظام رئاسي. من جهته يشهد مجلس شورى النهضة انقسامًا حول الموضوع، ويعتقد البعض أنّه إذا كان لابد من الإصلاحات فإنّ خيار النهضة لابد أن يكون النظام البرلماني، ليس من أجل الحسابات الحزبية الضيقة، بل لمنع عودة الممارسات الاستبدادية للحكم الرئاسي الذي قاسى تحته الإسلاميون كثيرًا.

الدور السياسي للاتحاد العام التونسي للشغل: عبّر عناصر من نداء تونس وحتى بعض اليساريين عن رفضهم الشديد للدور السياسي للاتحاد التونسي للشغل، فهم يرون أنّ اتحاد الشغل يجب أن يتوقف عن ممارسة الضغط السياسي على الحكومة والنظام السياسي (من خلال الجبهة الشعبية). وبطبيعة الحال فإنّ هذه القضية تُعدّ شائكة في تونس بالنظر إلى الدور الذي لعبه الاتحاد العمالي في نضال الاستقلال وبناء الدولة منذ ذلك الحين. بالإضافة إلى ذلك لعب الاتّحاد العمالي دورًا فاعلًا في سقوط نظام بن علي وحكومة الترويكا، وكان طرفًا أساسيًا في الحوار الوطني لـ 2013-2014. ومنذ انهيار التحالف الموقّت بين نداء تونس والجبهة الشعبية بسبب إدماج النهضة في حكومة 2015 فقد تصاعد التوتّر إلى مستويات غير مسبوقة خصوصا بعد تصويت الجبهة الشعبية واتحاد الشغل ضد قانون المصالحة الإدارية. ففي الحوار التلفزيوني آنف الذكر هاجم الرئيس السبسي علنًا وبشدّة حمة الهمامي، زعيم الجبهة الشعبية، بعبارات ذات مضامين سلبية؛ كان بإمكان الرئيس استعمال مفردات أخرى إلاّ أنّه اختار كلمة مثقلة في الاصطلاح الديني (فاسق)، وقد أسال اللقاء الكثير من الحبر وأثار لغطًا في وسائل الإعلام الثقيلة وعلى منصات التواصل الاجتماعي.

غياب الإجماع حول الضرورة الملحّة لإجراء انتخابات محلية: الخلاف حول ضرورة إجراء انتخابات محلية أدّى إلى تأجيلها إلى ربيع 2018. يرى مناوئو النهضة أنّ إجراء انتخابات محلّية في الوقت الراهن غير ممكن تقنيًا نظرًا لعدم جاهزية قانون الإدارة المحلية للنقاش والتصويت، إضافة إلى أن الهيئة الانتخابية المكلّفة بتنظيم الانتخابات قد تمّ بالكاد ترميمها مؤخرًا. زيادة على هذه الأسباب التقنية، يرون بأنه من الأفضل، لتعبئة المصوّتين وتوفير الميزانية وتفادي الإرهاق الانتخابي، المزاوجة بين الانتخابات المحلّية والانتخابات الجهوية القادمة منتصف 2018. وتعتبر النهضة تلك الحجج واهية وغير مؤسّسة، وأنّ السبب الحقيقي الذي جعل الأحزاب الأخرى تسير بخطى متثاقلة في هذا الموضوع هو الخوف، حيث أن النهضة في تقديرهم، وعكس بقية الأحزاب، جاهزة للانتخابات التي ستمنحها تقدمًا في الانتخابات التشريعية والرئاسية نهاية 2019.

ينعكس ذلك الخلاف في البرلمان، فقد قضت الكتل البرلمانية شهورًا من الجدل قبل أن تتّفق في النهاية على انتخاب رئيس للهيئة المستقلة لمراقبة الانتخابات في شهر نوفمبر 2017. وتتخوّف النهضة من أنه حتى شهر أبريل الذي تطرحه المعارضة كتاريخ للانتخابات ليس مؤكدًا بسبب تصاعد أصوات للمزاوجة وتأجيل الانتخابات. يشكّل هذا ملفًا إضافيًا في الاجندة السياسية مطلع العام القادم. وفي انتظار ذلك يتصاعد التذمر على المستوى المحلي فيما تفضّل الأحزاب الصغيرة التي ليس لها ما تخسره على ضرورة تنظيم الانتخابات في آجالها بغض النظر عن الرابح من الحزبين لأهمية ذلك بحسبهم في ترسيخ الثقافة الديمقراطية في هذه المرحلة التأسيسية للجمهورية الثانية. وبالمقابل يعتقد خصومهم السياسيين بأن الذهاب إلى الانتخابات دون إحراز توافق واسع يهدّد الانتقال السياسي أكثر من تأجيل الانتخابات.

الأخضر غطاس

  • كتب المقال في نوفمبر 2017 بالانجليزية ونشره موقع Open Democracy في 14 جانفي 2018
  • ترجم المقال الى العربية وحيد الجزائري.
Share.

Comments are closed.