الكاتب: فادية ربيع

غالبًا ما حُدّدت قيمة الأمم الثقافية بقيمة علمائها ومفكريها وأدبائها وشعرائها وفنانيها، والذين يسهمون بدورهم في زيادة قيمتها الحضارية وتطوّرها. لتكون هذه الفئة كالنجوم المضيئة في السماوات أو كالجواهر البراقة المتلألئة على الأُدم. ومثلما تزيد شدة احتراق النجوم من شدة لمعانها وشدة الصقل من شدة بريق الجواهر، كذلك هي الشدائد والمحن التي تكشف غالبًا عن كنوز الأمم الدفينة من مثقفيها وتزيدهم تألقًا وجودًا. لنصل إلى أهمية المثقف في نهضة أُمّته وريادتها. ماهية المثقف وتعريفه الدقيق كان دائمًا محل اختلاف. فأدونيس مثلا ربط المثقف بالإبداع والابتكار، وعرّفه على أنه الخلّاق الذي لديه شيء جديد يقوله مضيفًا إيّاه إلى الخلّاقين الذين سبقوه.…

المزيد

من المواضيع التي يُفضّل الواحد مِنّا عدم الخوض فيها هي السياسة وطبائع مُنتسبيها. ليس لِطبيعتها الأساسية والتي يمكن رؤيتها ببساطة، لا تبسيطًا لها، على أنها المجال الذي يتمّ من خلاله رعاية ومعالجة شؤون الشعوب استنادًا إلى الحكمة والمصلحة وفقًا للأعراف الإنسانية. إنّما سلوك منتسبيها هو الذي أساء إليها، لأنّـهم لكثرة تلوّنهم وتقلّباتهم المريبة جعلوا منها لا لون ولا طعم لها، ولكن بالطبع ليس كالماء الذي لا رائحة له كذلك وهو نبع الحياة الطاهر المُطهّر، فرائحتها أضحت كريهة عفنة نفّرت المتفرّجين على مسرحها قبل اللاعبين فوق منصتها، وهنالك من ترجلوا صهوتها بعد أن أعيتهم متاهاتها، على غرار بديع زمانه الذي هجرها…

المزيد

عطفًا على المقال الذي تمّ نشره يوم 18 ماي الفارط على نفس المنصّة من طرف السيد الفاضل محمد مصطفى حابس، بشأن تفنيد ما ورد في حقّ جمعية العلماء المسلين من أنّها تخلّفت عن ركب الثورة في بدايتها. والذي ذكر فيه أنّ جهود رجالات الجمعية كانت منصبّة من أجل الدفاع عن الشخصية الجزائرية وتثبيتها، وإصلاح ما أفسده المحتل من مقوّماتها، ونشر الوعي وبثّ الفكر التحرري بين أفرادها. وذكّرنا الكاتب بأحد أفذاذها من فرسان القلم والفكر معا ممّن نفخر بهم ونتشرّف بذكر أسمائهم الشيخ والعلّامة محمود بوزوزو وجهوده من أجل توحيد الجزائريين والعمل على تجاوز الخلافات بينهم لتحقيق الهدف الأسمى وهو التحرّر…

المزيد

سنة 1983، تمّ انعقاد مؤتمر للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر حضرته حينها أهم فصائل العمل السياسي والنضالي من أجل القضيّة الفلسطينية. كان من بين الحاضرين في هذه الدورة شاعر المقاومة محمود درويش، الذي ألقى مقاطع من قصيدة “مديح الظل العالي” التي كانت لوحدها ديوانًا وذلك لطولها. أثناء تناوله الكلمة، في مقدّمته، ومباشرة قبل أن يبدأ الإلقاء لشِعره، قاطعه رئيس منظّمة التحرير ياسر عرفات وأوْرد عبارة جميلة وجامعة، لها أن تنطبق على ماهية كل ثورة مهما كان نوعها، قال فيها: «عظمة هذه الثورة أنها ليست ثورة بندقية.. فلو كانت بندقية فقط لكانت قاطعة طريق، ولكنها لفظ شاعر وريشة فنّان وقلم كاتب…

المزيد

المجد هو مقام نُبل وشرف يُحرزه كلّ صاحب مروءة وعزّة وشهامة. إذ لا يتمّ تحصيله إلّا بالبذل للمال كرمًا أو للعلم نفعًا أو للنفس نُصرة للحق ودرءًا للظلم. أمّا التمجُّد فهو على وزن التفعُّل، بمعنى التكلّف في اصطناع الشيء. والتكلّف في اصطناع الشيء بذاته لا يعني بالضرورة أنّه مذموم. ففي العلم مثلًا لطالما كان التعلُّم محمودًا بل ومطلوبًا، وكذلك الحِلم إذ يقول الحديث الشريف: إنّما العِلم بالتعلُّم و إنّما الحِلم بالتحلُّم. أمّا في باب المجد فالأمر غير ذلك تمامًا، إذ ليس المجد بالتمجُّد، لأنّ التمجّد مُحاولة لنيل مقام النُّبل والشرف مع افتقار النفس للمروءة والعزّة والشهامة. لذلك في كتابه طبائع…

المزيد

هل يمكن للإنسان الإقدام على ارتكاب أفعال شرّيرة من دون دوافع شرّيرة؟ هو سؤال حاولت الإجابة عليه المفكرة والمنظّرة السياسية Hannah Arendt، المعروف انتماؤها إلى حلقة الفلاسفة والتي تنفي هذا التصنيف. وإنما ترى أعمالها مقتصرة على النظرية السياسية، وحجّـتُها في ذلك أنّ الفلسفة تؤثّر غالبًا على الموضوعية في السياسة. طرحت المفكرة هذا السؤال في تقرير مُطوّل كتبته إثر تغطيتها لوقائع مُحاكمةٍ شهيرة في القدس لأحد كِبار الموظفين في النظام النازي سابقًا، والذي اقتصر عمله حينها على ترحيل اليهود إلى معسكرات الإبادة. بحكم الخلفية العرقية والدينية للمفكرة، كان مُتوقّعا منها أن تُوغل في وصف وحشية المتّهم الذي كان مُحتجزًا في قفص…

المزيد

كالأشخاص في اختلاف أشكالهم وألوانهم وريحهم وطِباعهم، كذلك هي الأزهار. كلّ صنف منها مُتفرّد بذاته، مُستأثر بعطره، مُغاير في خضابه، مُبايِن في سَمتِه، ومُتميّز بسلوكه وخصاله. مِمّا جعل لِكلٍ منها رمزية خاصة لطالما كانت مصدر إلهام للشعراء والكُـتّاب على مرّ العصور. فالبيلسان مثلًا، هذه الأزهار الرقيقة البيضاء الصغيرة، اتّخذ منها الشاعر اللبناني طلال حيدر رمزًا للفِدائيين الذين كانوا يمُرّون عبر مديـنته، مدينة القلعة بعلبك، يمضون عبر أحراشها وسهوبها نحو الجنوب يُقاومون كيان الاحتلال الصهيوني.. ولا يعودون! ليُدرك بعد ذلك تساقط هذا الزهر كالثلج شهيدًا في ساحة الشرف، وحنينُه إليهم عبّر عنه في قصيدة شجيّة، ليقول في مطلعها بلغته المحكيّة: وحدن…

المزيد

في زمن فُتح فيه باب الترشّح للعهدات الرئاسية المتعدّدة في الجزائر على مصراعيه، وظلّ حقّ تظاهر المواطنين مُوصدًا بجميع أقفال القمع والترهيب، حدث في إحدى الجامعات أنّ أُستاذة عُرف عنها نزاهتها وكفاءتها في مجال تخصصها، أثناء إلقائها إحدى محاضراتها توقّفت لتُصارح طلبتها أنّها لا تفهم سبب إدراج مادة التربية المدنية في مقرّر التعليم الابتدائي والمتوسّط، إذ أنّها مهما حاولت مع ابنها في المنزل تلقينه إيّاها، لم تُفلح في ذلك، وهذا على عكس المواد الأساسية الأخرى كالحساب واللغة واضـحتي المغزى، التي في نظرها يجب فقط الاكتفاء بها. لتُبدي بذلك اعتراضها على ما طال مناهج التدريس من تغيير حينها وخلط كل المنظومة…

المزيد

ثلاثة أشهر، ستة أشهر، سنة، سنة ونصف، سنتان، سنتان ونصف، ثلاث سنوات، أربع سنوات، سِتّ سنوات… وهكذا(!) هي ليست دروس لتعليم حساب الأشهر والسنوات لتلميذ في المدرسة. ولا مجالات زمنية لمخططات ورؤى مستقبلية لشاب طموح، يرسم من خلالها أحلامه وآماله و كل ما يريد تحقيقه وإنجازه في قابل الزمن. و لا مزيدًا من العمر يأمل شيخ كبير أن يعيشه، يرى من خلاله مزيدًا من الأحفاد وأبنائهم، وهو الذي أحنت السنون قامته وألبسته شيبًا و ضعفًا ووهنًا. لا.. هي ليست كلّ هذا! ولكنّها كلمات يتلفّظ بها جُزافًا صباح مساء مَن هم للقضاء مُنتسبون، رهن إشارة الحُكام مُؤتمرون، ويجعلون منها أحكامًا بالسجن…

المزيد

أول ما يتبادر إلى الذهن عند المرور بكلمة القراصنة في سياقها التاريخي هو لصوص البحر. لكن في ذات السياق، يعني التاريخي، أجمع المؤرخون أنّ هذا الوصف ينطبق على مغامرين، من أجل أعمال نهبهم وسلبهم، فضّلوا امتطاء صهوة البحر الهائج على نصب الكمائن في البريّة فوق سطح يابسةٍ مستوٍ. فلا أُطر تحدد فعل اللُّصوصية هذا ولا قوانين تحكمه. أما الصنف الثاني فمُنتسبوه لصوص بأوراق رسمية، تُسلّمها لهم الحكومات وتعتبرهم جنودًا أحرارا، وظيفتهم تندرج ضمن الحروب البحرية، الهدف منها ضرب اقتصاد العدو أساسا، وذلك بالاستيلاء على صادراته ووارداته. بذلك يُصبح النشاط هنا مُؤطّرا وتحكمه قوانين وأعراف دولية. من بين الأعراف مثلا نجد…

المزيد

هو زائر كريم غادرنا منذ أيام. ننتظر قدومه كل سنة، فيأتينا على عجل.. وكذلك يغادرنا على عجل. وكأنه بتصرّفه هذا يودّ أن يبقى دائمًا ذاك الضيف العزيز في نفوس مضيفيه، فلا يُثقل عليهم ويترك لهم شوق انتظاره متجددًا في كلّ مرّة. إنّه شهر رمضان الكريم الذي للأسف الشديد لم تُحترم له حرمة هذه السنة. كيف لا ونحن أينما ولّينا وجوهنا يُمنة ويسرة نرى ونعيش ظلمًا وعدوانًا على شعوب منطقة؟! شعوب لا يكاد يندمل لها جرحٌ، إلاّ ويُشجّ ثانية. وكأنه قد قُدر لهذه الشعوب أن تشطر قلوبها شطرين. شطرٌ يملؤه حال حاضرها ألمًا، وشطرٌ تَملؤه هي أملًا، إيمانًا منها ويقينًا بغد…

المزيد

عجبتُ من سفهاء قومٍ بحكم حاكمٍ وقدرة قادرٍ أصبح لهم الحق في النظر في معادن الرجال. إذ لم يكتفوا بالجرح والتعديل وفقَ معاييرهم، إنّما تعدّوا ذلك إلى الحكم على الصالحين المُصلحين بالردة في دينهم. هذا الدين الذي اتّخذ من العمالة والخيانة والدنية والمهانة والرداءة أركانًا لهُ. بصفة عامة الصالح إن كان كذلك، هو أمرٌ يختص به لنفسه. أمّا إن أصبح مُصلِحًا، فهذا دليلٌ على وجود المُفسدِ. اﻷمرُ الذي لا يروق بالتأكيد لكلّ من غُيِّب ضميره ووعيه. فكان فاسدًا ابتداءً، ثم تعدّى ذلك بنشر فساده من حوله. فما بالك إذا تعلَّق الأمر بمصائر الأوطان. هنا كان لِزامًا على كلّ حريصٍ على…

المزيد

لستُ أدري لماذا تذكّرني قصة محاكمة عالم الفيزياء غاليليو غاليلي في القرن السابع عشر من طرف محكمة الكنيسة بأشخاص لا علاقة لهم لا بسلطة دين ولا بسلطة علم، كلّ همّهم هو كرسي حكم يجثمون فوقه ولا يرضون تركه لمـَن هُم أفهمُ منهم وأقدر على تسيير شؤون الأوطان. في الحادثة، وهي المعروفة بالتأكيد، ورد أنّ محكمة الكرادلة خيّرت العالِم بين أن يُنكر كلّ ما اقتنع به عقله من حقائق حول تصوّر الكون ومركزية الشمس لا الأرض، بحجّة أنّ هذا لم يَرِدْ ذكره في الكتاب المقدّس، أو أن يتعرّض لشتّى أنواع التعذيب والتجريم. هنا لم يكن بِيد العالِم من حيلة سوى أن…

المزيد