مفهومُ الحضارة في فكر مالك بن نبّي

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

ما مصدرُ مفهوم الحضارة لدى بن نبّي ؟

يعدُّ مفهومُ الحضارة لدى مالك بن نبّي أحدَ الرَّكائز الأساسية التي يقوم عليها فكره عموما، فهو يكتسي كل هذه الأهمية بما جعله يعيد طباعة معظم كتبه باللغة العربية تحت عنوان: “مشكلات الحضارة”. ويخضع نسقُ فكره حول هذا الموضوع إلى منطق صارم، فقد تخمّر في وجدانه بعد صدور كتابه الأول “الظاهرة القرآنيّة”.

ظهر هذا الكتاب ولم تكن سنُّ مالكٍ تتعدَّ الأربعين سنة. أما نحن فلا نعرف إلا مقالاً واحدًا كُتب سنة 1936 ونُشر لأول مرة فقط عام 1992. أما مقالاته الأخرى التي كانت عديدة فبقيت إلى يومنا هذا مجهولة، فقد كانت الطباعة المتأخرة لكتاباته لتضفي نوعا من الغموض حول النشأة الفكرية والنفسيّة لدى بن نبّي لو لم يتم لحسن الحظّ تحرير ونشر مذكراته وعلى وجه الخصوص الجزء الأول من كتابه المعنون “شاهد للقرن -الطفل”، حيث لا يتطرق فحسب إلى حياته ومحيطه الاجتماعي وإنما أيضا إلى مجتمعه وبلده.

عاش مالكٌ بن نبّي مأساة مجتمعه في أعماق نفسه قبل أن يستكشفها بصفته مثقفا، مثلما أن فكره هذا هو ثمرةُ تلك المأساة. وعلى خلاف المفكّرين الآخرين، فإن فكره هذا -كما يرى هو نفسُه- ليس نتاجًا لبناء عقلي وتحليلي مهما كان متماسكا ومتميّزا ؛ ولهذا السبب شعر أنه كان أقرب أكثر من نيتشه.

وُلد بنُ نبّي سنة 1905 بالجزائر التي كانت وقتها مستعمَرة وشهدت اضطرابات واختلالات كبيرة بذلك الاستيطان الأوروبي الواسع الذي استولى على كل المقاليد السياسية والاقتصادية بتهميش الشعب الجزائري. فبعد فشل الثورات، لم يجد الجزائريون إلا اللّجوء إلى الدّين وذكريات الماضي البعيدِ المجيدِ والمليءِ بالبطولات عسى أن يجدوا فيه تعزيتهم أمام حاضرهم المذلّ، وكانوا يستمدُّون هويّتَهم بانتمائهم إلى الدين الإسلامي؛ إلاّ أن هذا الرباط الذي كان يريحهم، كان يقلق مالكًا بن نبِّي الشابَّ. إذا كان معلوما أن الحكم على شجرة ما يتمّ من خلال ثمارها، ألم تكن الحالة المزرية للمسلمين في الجزائر تستدعي العودة بالنظر في طبيعة الدين الإسلامي؟ هل كان هذا الدينُ غير قادر على تغيير الفرد الجزائري حتى يحمل قدره بيده؟ أو هي المعطياتُ النفسيةُ والفيزيولوجيةُ التي جعلته غيرَ قادر على بناء مجتمع مزدهر؟

كانت النظرياتُ الإثنية والعرقية المنتشرة في تلك الفترة في أوروبا القرنِ التاسعِ عشر تُدرّس في جامعة الجزائر: نظرياتٌ تؤكّد وجود أعراق نبيلة عالية مُقدّرٌ لها أن تحكم وتهيمن، وأعراق أخرى دونيّة مقدّرٌ عليها أن تخضع وتستكين. كما كان يوجد دراساتٌ أخرى ترى أن التعليم الإسلامي هو نفسُه الذي يعيق أتباعَه بحيث جعلهم غير مؤهّلين لاستيعاب المفاهيم العقلية وإبقائهم متمسّكين بالقدريّة والتّعصب. إلا أنّ مالكًا بن نبّي كان يرى في تعليم التاريخ تكذيبًا لكل هذه النظريات، فقد كان بلدُه في فترة معيّنة من التاريخ حيث لم يكن يُسمى بعدُ الجزائر، يعدُّ جزءً من منطقة كان المجتمع فيها متقدّما ومنتجًا للمعرفة والإبداع.

ويرى آخرون بخاصة بين الأوساط المسلمة، أن هذا الوضع الذي لحق ببلدهم صادرٌ عن هزيمة عسكرية فرضت عليهم الخضوع، أو كما قيل فإنّ الأمر لم يكن يتعلّق إلا بإحدى مصادفات التاريخ. كما كان يرى بنُ نبّي في التاريخ المعاصر منطقةً من العالم وهي أوروبا الغربية تخطو خطوات عملاقة في التطور الاقتصادي والعسكري، وتنشر هيمنتها على كل أصقاع الكوكب الأرضي تقريبا، وهذا لم يكن صدفة من صدف التاريخ وإنما نتيجة لحركة تاريخية يتعذّر كبحُها.

لم تكن الفترة المعيّنة التي ذكرناها آنفا تخصُّ فقط إقليمًا أصبح يُسمّى اليوم الجَزائر، وإنما منطقة واسعة جدا تمتدُّ حاليا من طنْجة إلى جَاكرْتا، منطقةً تعيش الوضع نفسه وليس للفوارق المحلية إلا تأثيرٌ طفيف فيها. وهذه الحركات التاريخية التي تنتشر في الزمان والمكان في وقت معيّن لها في نظر مالك بن نبّي نفسُ الخصوصيّات وتسمّى حَضَارَةً: حضارة إسلامية أو حضارة غربية.

إن تاريخ البشرية معلَّمٌ بتاريخ مختلف الحضارات التي توالت منذ العهد السّومريّ ببلاد العراق، من نحو 3.500 سنة قبل الميلاد إلى العهد الحديث ببلاد الغرب. وما عدا هذا الغرب الذي لا يزال التاريخ جارٍ فيه، فكل الحضارات الأخرى شهدت حركة دوريّة: نشوء ثم توسّع ثم انحطاطٌ. يطلق بنُ نبّي على هذه المراحل على وجه التدرّج بــ “المرحلة الروحية”، ثم “المرحلة العقليّة”، ثم “المرحلة الغرائزية” ؛ ويمكن لهذه المراحل أن تكون طويلة أو قصيرة نسبيا حسب طبيعة الحضارات.

فمثلا كانت المرحلة النفسية في الحضارة الإسلامية جدّ متميّزة إذْ تمكّنت في وقت وجيز من إنشاء مجتمع ديناميكي ذي مقوّمات صلبة ساعدته على التوسع الإقليمي. وعلى عكس ذلك، سارت الفكرةُ المسيحيةُ لمدة ألف سنة تقريبا لتقف عند اللحظة الأرخميدسيّة ملاقاةً في البداية مع النفس العذراء للقبائل الجرمانيّة، ثم اتصالاً بعد ذلك بالثقافة اليونانيّة-اللاتينية لتؤسس الحضارة الغربية. يطلق مالكٌ اسم زاوية آلفا على الزاوية المتشكّلة عن طريق تقاطع محور السّينات الأفقي الممثِّل لمستوى القيم النفسية-الزمنية حيث يُبرز حدّة المرحلة النفسية، مع محور الأراتيب العمودي حيث تمّ تعيين الزمن الممتدّ؛ فبقدر ما هي زاوية آلفا واسعة بقدر ما هي حدّة المرحلة النفسية أكبر مثلما هو الأمر بالنسبة للحضارة الإسلامية كما رأينا سابقا. فخلال المرحلة النفسية يتمُّ بعثُ الإرادة لإنشاء حضارة، ثم لتأتي القدرة على قيامها تدريجيا خلال المرحلة العقلية مع العلوم والتقنيّة التي تزدهر بمرور الوقت. وهذه الدراسة للحضارة الإسلامية ستسمح لمالك بن نبّي بتوضيح وإبانة مفهوم الحضارة.

ما هي المراحل الكبرى لهذه الحضارة ؟

بدأت الحضارة الإسلامية بدعوة النبي محمد ﴿ﷺ﴾ إلى تعاليم الدّين الجديد التي ستمنحها قفزة روحية لا مثيل لها. يرى بنُ نبّي أن نقطة التحوّل أو المرور من المرحلة الروحيّة إلى المرحلة العقليّة بدأت سنة 37 ه (657 م) في معركة صفِّين التي وقعت بين أنصار معاوية حاكمِ الشّام وأنصار عليّ الخليفة الجديد.

لماذا تكتسي معركةُ صفِّين في نظر مالك بن نبّي أهمية كبيرة بينما ليست هي المعركة الأولى بين المسلمين؟ أدّت وفاة النبّي ﴿ﷺ﴾  إلى خلق اضطرابات سياسية على مستوى أمّة الإسلام الفتيّة، فقد أثار تعيين أبي بكر الصّديق أميرًا للمؤمنين بعض الحقد لدى الأنصار سكانِ المدينة، كما أثار أيضا غيظ أنصار عليٍّ. كان على الخليفة الجديد أن يحارب القبائل البدوية المرتدّة التي رفضت دفع الزكاة أحدِ أركان الإسلام الخمسة. فقد كان القتالُ شديدًا إلى درجة أن بعض الصحابة خشوا من أن يؤدّي ذلك إلى زوال المئات من حفظة القرآن. وكانت هذه الخشيةُ سببًا في جمع سور القرآن في مصحف واحد بعدما كانت مشتّتة على الألواح والجلود ؛ وهكذا أصبح القرآن محميًّا مرتين، بالتدوين وبذاكرة الحفَّاظ الذين كانت تُنمح لهم الإجازاتُ التي تشهد لهم ختمَهم القرآن حفظًا ونطقًا سليمًا. وبقيت هذه الطريقة معمولاً بها إلى يومنا هذا في شتى بلاد المسلمين.

صراعٌ آخر تشهده الأمّةُ جاء ليطعن في خلافة عثمان بن عفّان، إذْ يتّهمه بعضُ المسلمين بمحاباة بني قومه. وبعد محاولات انقلابية عديدة، يُقتل عثمانُ ببيته ثم يُعلن تعيينُ عليٍّ خليفةً للمسلمين. غير أن اثنين من الصحابة وهما طلحةُ بن عُبيد الله والزّبيرُ بن العوّام رفضا أن يخضعا للأمر الواقع ؛ ثم يخرجان بمساعدة إحدى زوجات النبّي ﴿ﷺ﴾   عائشةَ ومن ناصرهم من المسلمين إلى مجابهة عليٍّ في موقعة الجمل، المعركة التي أُطلق عليها بهذا الاسم نسبة للجمل الذي كان يحمل عائشة أمَّ المؤمنين.

وكان لمثل هذه الحروب أنها ستعكس مستقبلاً مدى التنافس الشديد بين الأشخاص وسوء فهم تعاليم الإسلام. غير أن الأمر سيكون مخالفًا بالنسبة لموقعة صفِّين التي أدخلت في صراعٍ تصوّرين اثنين للإسلام: البُعد الإيديولوجي مع عليٍّ، والبُعد السياسي مع مُعاوية: التصوّر الذي يعلو فيه المبدأ، والتصور الآخر الذي يمكن إيجادُ له ما يوافقه. يرى بنُ نبّي أن الوحدة الإيديولوجية للإسلام وجدت نفسها منكسرة وكان موقفُ عُقيل بن أبي طالب شقيقُ الخليفة عليٍّ صورة بليغة في انقسام المسلمين، لما التحق بصفوف خصمه معاويةَ بن أبي سُفيان قائلاً: “الصلاةُ خلفَ عليٍّ أثوبُ ومائدةُ معاويةَ أدسمُ”.

وعلى الرغم من هذا الانقسام، بقيت الحضارة الإسلامية تحافظ على “ذُخرها الوفير” لبعث الحضارة العظيمة التي نعرفها. لكن كلّ ذُخر ينضبُ لتشهد الحضارة الإسلامية انتكاسة جديدة حيث يتمّ حلولُ المرحلة الغرائزيّة مكانَ المرحلة العقلية. ويحدّد مفكرُنا هذه المرحلة عند سقوط دولة الموحّدين بالمغرب (1269 م) الذي تمّ في الفترة نفسها مع السقوط الآخر لبغداد على يد المغول (1258 م). وعلى عكس الانقلاب الأول، لا يمكن تحديد تاريخ بداية مرحلة الانحطاط بدقة. ويذكر مالكٌ أيضا في كتابه مرحلةَ ما بَعْدَ الخَلدونيَّة (بعد 1406 م) بل وحتى سقوط غَرناطَة (1492م) مرورا بزوال الدولة التّيموريّة بسمَرقنْد ببلاد أوزبكستان حاليا (1450 م).

يعدُّ هذا التذكيرُ مهمًّا في فكر مالك بن نبّي الذي لم يكن يقصد القيام بعمل المؤرّخين، وإنما لينيّن أن الماضي لا زال مستمرا في التأثير على سلوك المسلمين حاضرا. فهو يذكّر بأن من يريد بناء مستقبله يتوجّب عليه أولا أن يفهم تاريخه. كما يكتب في مؤلِّفه “شروط النهضة” قائلا أن المسلم ليس هو في سنة 1948 (تاريخ صدور كتابه) من التقويم الميلادي بل هو في سنة 1367 من التقويم الهجري، فمعالمه نجدها محددة في طباعه (الروحية، النفسية، المزاجية) التي شكّلتها حضارته.

هل أعطى بن نبّي تعريفا للحضارة ؟

يتميّز فكرُ مالك بن نبّي بأنه فكرٌ وظيفيٌّ، فالمفاهيم التي أسّسها ليس الهدف منها فهم الحقائق الإنسانية فحسب، وإنما أيضا طبيعة تحوّلها. وبهذا المنظور، يأتي التعريف الذي يقترحه بن نبّي للحضارة ديناميكيّا: “الحضارة هي مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقسم لكل فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه”.

فهذه الشروطُ هي التي تخلق وسطًا ملائمًا لبعث الحركة والديناميكية والرّوح الإبداعية في المجتمع، فالرّجال العظام الذين حملوا رايات حضاراتهم مثل أفلاطون أو أرسطو بالنسبة للحضارة اليونانية، وبن سيناء أو بن رُشد بالنسبة للحضارة الإسلامية، وديكارت أو غوتيه بالنسبة للحضارة الغربية، ليسوا إلا نتاجًا لتلك الحضارات. وإلى جانب هذا التعريف الأُونطولوجي يضيف بن نبّي تعريفا آخر رياضيا.

الحضارة هي مجملُ ما تنتجه نفسُها من ماديات، من وجهة نظر فيزيائية. يمكننا تحليلُ كل منتوج وتحديد مركباته، أولا المادة الضرورية المركّب منها، ثانيا الوقت الذي لزم إنتاجه، وثالثا الأشخاص الذين أنتجوه. فإذا جمعنا كل منتوجِ حضارةٍ سنجد الحضارةَ نفسَها ؛ وإذا تناولنا القضية رياضيا بجمعنا طرفيْ المعادلة، فإننا سنتحصّل كنتيجة على أن الحضارة تساوي مجموعَ المادياتِ المستعملة وهذا ما يسميه مالكٌ بــ “التراب”، ومجموعَ الوقتِ الضروري لصناعتها أي بتعبيره “الوقت المشترك”، ومجموعَ الأشخاصِ الذين شاركوا في صناعتها الذين يطلق عليهم بشكل عام “الإنسان”. لنتحصل في الأخير على المعادلة التالية: الحضارة = الإنسان + التراب + الوقت.

 

 

ما المكانة التي يمنحها للإنسان في هذه السيرورة ؟

يعود مالك بن نبّي إلى الكيمياء لشرح أنه لا يُمكن للإنسان والتراب والوقت أن يصنعوا حضارة إلا بخلق مركّب موحّد لتحقيق الإرادة والتّمكين اللّذين يحتاج إليهما أيُّ مجتمع إذا أراد لنفسه النهضة، مثلما هو الأوكسجين والهدروجين في حاجة إلى محفّز catalyseur 1لتشكيل عنصر الماء. 

ويرى بن نبّي بضرورة تدخل الفكرة الدينية في تركيب عناصر الحضارة الثلاثة، التي تأخذ بعين الاعتبار الحاجيات الروحية للإنسان ومتطلبات الحياة الاجتماعية. فهذه هي الفكرة التي ستقوم بتربية الإنسان لتجعل منه عاملاً ذاتيًّا مغيّرًا نفسَه بنفسِه حسب ما جاءت به الآية القرآنية التي تقول: “إنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ” (الرعد: 11). وحتى يمكنها أن تؤدّي دورها كاملا، فعلى الفكرة الدينية أن تقوم بثلاث وظائف: الجُهْدُ الذي يسمح بتنشيط الديناميكية الحيوية لدى الإنسان، والانْدِمَاجُ للحفاظ على وحدة الفعل والتلاحم والتكاتف الاجتماعيين، والتَّوْجِيهُ لضمان فعّاليّة العمل الجماعي. وكلُّ هذه الأنشطة يحفزها الوَعْدُ الذي ترتكز عليه الفكرة، والذي ينقسم هو نفسُه إلى وَعْدَيْن، وعدٍ أكبر ووعدٍ أصغر: يتمثّل الوعد الأصغر في تكوين مجتمع مزدهر وهادئ ومستقل ذاتيا، ويتمثّل الوَعدُ الأكبر في الحياة الأبديّة بالجنّة.

كان بن نبّي يرى أن الشيوعيَّة مثلا كان يُنظر إليها مثلما يُنظر إلى الدّين، وفي هذه الحالة تمّ تعويضُ الجنّة الروحيّة بالجنّة المادية التي هي في الحقيقة طوباويَّةُ المجتمع الشيوعي الذي كان يحمل الشعار الملائكي التالي: “من كلِّ فردٍ حسب مقدرته إلى كلّ فردٍ حسب حاجته”.

هل بإمكان الحضارة الإسلامية أن تشهد دورة جديدة ؟

لم تستطع أيّ حضارة أن تشهد دورة جديدة إلى يومنا هذا. فالحضارة المصرية عرفت العديد من فترات الانحطاط، ولكن كان أكثرها انحطاطا سياسيا من دون أن تُكسر ديناميكية المجتمع. ولم تجدّد فترةُ تاريخ الحضارة الغربية المسماةُ خطأً بـ”النَّهْضَة ” الرباطَ أبدا مع الحضارة الرومانية ذات الجوهر اليوناني، غير أن المؤرّخين أرادوا أن يميّزوا فترة شهدت ازدهارا فنيّا كبيرا والخطواتِ الأولى لتفتّق علمي غربي حقيقي.

بدأ مالكٌ بن نبّي فكرته حول الحضارة في كتابه الذي أسماه “الظاهرة القرآنية”، حيث يثبت انطلاقا من معايير العلوم الإنسانية أن القرآن لا يمكنه أن يكون صادرا عن النبّي ﴿ﷺ﴾ وأنه من أصل غير بشري أي إلهي. والفكرة الإسلامية تبقى حقيقية، إلا أن الإشكالية التي تطرح هي مرتبطة بفاعليّتها الاجتماعية. فكل فكره الذي نجده محمولا في بقية مؤلفاته، أراد منه صاحبُه أن يكون بواكيرَ أو طلائعَ علمٍ جديد أسماه “تجديد العهد” موجّهٍ لفهم ميكانيزمات الحضارة وإيجاد وسائل التحوّل الاجتماعي من أجل دورة حضارية جديدة.

هل كان المثال الياباني والصّيني والهندي مصدر إلهام بن نبّي ؟ 

كان المثال الياباني نهاية القرن التاسع عشر والمثال الصّيني في الخمسينيات بمثابة الإضافات التوضيحية التي اعتمد عليها مالك بن نبّي في أطروحته، ولم يكونا مصدر إلهامه. يُحدَّد تاريخُ بداية النَّهضة الإسلامية عموما بحملة نابليون العسكرية على مصر (1798-1801). وكانت هذه النهضة في أول الأمر سياسية واقتصادية باعتلاء محمد عليّ باشا عرش ولاية مصر وظهور التّنظيمات العثمانية في 1839، ثم ثقافية بعد ثورة السّيباي سنة 1857 بالهند المغوليّة المخضَعة اقتصاديا للفرق العسكرية المسيطرة على الأقاليم الهندية. وقد نتج عن فشل هذه الثورة تحويلُ الهند المغولية إلى مستعمَرة بريطانية.

يرى بنُ نبّي أن النّهضة تاهتْ ووجدتْ نفسها أمام طريق مسدود ذلك أن أصحابها كانوا يتصوّرون أنه يكفي كسب ماديات الحضارة لصناعة حضارة، ولا زالت هذه الفكرة المشؤومة سارية إلى اليوم. وقد استعمل مالكٌ كلمات قاسية لتوصيف هذه الذهنية التي أسماها بالشيْئية والتَّكديس. كما بقيت هذه النهضة على المستوى المعرفي والفكري حبيسةَ خطابات التبرير والتقريظ التي لا زلنا نعاني منها إلى اليوم.

ويقارن تركيا قلبَ الإمبراطورية العثمانية والعالمِ الإسلامي، مع اليابان الذي بدأ تجديده بداية عهد ميجي Meiji في حدود سنة 1868. فقد فهم اليابان أن الحضارة ليست جمعًا وتكديسًا وإنما هي بناءٌ ذو أسس وقواعد. وبعد مرور أربعين سنة أصبحت تركيا تلقّب بــ “الرَّجل المريض” في أوروبا، وباتت القوة اليابانية التي ألحقت هزيمة نكراء بروسيا إحدى أكبر قوى أوروبا العسكرية في 1905، تخيف “الخطر الأصفر”.

ورأى بن نبّي أيضا في ثورة ماوْ تسِي تونْغ الصينيّة تطهيرًا نفسيًّا عميقًا خلّص الفرد الصيني من الأفكار الميّتة التي كانت تكبّله، وليجعل منه إنسانا حرّا يصنع قدره بيده. أما المثل الهندي فلم يكن يناسب تلك الفترة بحيث أهتّم مالكٌ على وجه الخصوص بمفهوم اللاَّعُنف الذي طوّره مهاتما غنْدي.

فيمَ يختلف بن نبّي عن فلاسفة التاريخ الآخرين أمثال بن خلدون، شبنجلر أو تونبي ؟

إن هؤلاء هم من غذّى فكر مالك بن نبّي، إذْ تأسست قوامُ تحاليله الفكرية في هذا الميدان بالانتقادات التي وجّهها لنظرياتهم وبالسّبق الفريد الذي تميّز به تأصيلاً للمفاهيم. وقد أخذ من بن خلدون مفهوم “الدورة” الذي عزّزته رؤية نيتشه لــ “العودة الخالدة”، المفهوم الآخر. غير أنه يرى أن حافز “العصبية” غير كاف ولا يتطابق إلا مع وظيفة الانْدِمَاج ويتجاهل الوظيفتين الأساسيتين الأخريين الجُهْد والتَّوْجِيه.

فكلمة الحَضَارة بالنسبة لشبنجلر لا تنطبق من حيث الدلالة مع الواقع السوسيو-تاريخي الذي يراها مالك نبّي، فهو يعطي اسم Kultur (أكبر الثقافات التي يحصيها ثمان) إلى التّفتق والأوجّ، وهو ما يسميه بنُ نبّي بالحَضَارة. والحضارة في نظر شبنجلر هي مرحلةُ انحطاط الثّقافات Kultur وخاتمةُ إبداعاتها قبل موتها المحتوم لأنها تخضع للقوانين التي يخضع لها كلُّ كائن حيّ. وينتقد بن نبّي النزعةَ الحتميةَ لهذا الفكر الذي لا يأخذ بعين الاعتبار عوامل نشوء الثقافات. إلا أن مالكًا تبنَّى منهج تصنيف الحضارات المعتمد لدى شبنجلر الذي يقسّم هذه الأخيرة إلى حضارات ذات ثقافة حضارية، وإلى حضارات تتميّز بثقافة الإمبراطورية ؛ وعلى سبيل المثال يرى مالكٌ في الصنف الأول الحضارة اليونانية والحضارة الإسلامية، وفي الصنف الثاني الحضارة الرّومانية والحضارة الغربية.

كما أخذ من المفكر تونْبي مفهوم مجالات الدراسة، أي المجال الجغرافي حيث تصبح وقائعُ الحضارة صريحة الدّلالة والمناسبة. والنتيجة هي أنه لا يوجد مثلا حضارة فرنسية وإنجليزية وألمانية، ولكن حضارة غربية تشملها جميعا. ويرى تونْبي أن الحضارة تنشأ كردّ على تحدّ معيّن. غير أن بن نبّي يرى بأن هذا التفسير غير مقنع لأنه لا يخبرنا عن حقيقة أصل هذا الردّ. ولقد رأينا فيما سبق أن بن نبّي يربط نشوء الحضارة بفعل الفكرة الدينية المجتمعيّة التي تقوم على وظائف الجُهْد والانْدِماج والتَّوجِيه، وتقترح وعْدًا أكبرَ ووعْدًا أصغرَ.

فيمَ يمكن أن يهمَّ فكرُ مالك بن نبّي فرنسا ؟

فكرُ بن نبّي فكرٌ كونيّ وشموليٌّ، والنتائج التي توصّل إليها تبقى صالحة للعمل بها مع كل الحضارات. فكرٌ مرتبطٌ أصلا بمصير وقدر الإنسانية جمعاء. يتطرق بن نبّي في عدد من مقالاته كتبها في 1949 ونُشرت في 1951 إلى السلوك الغريب للقائد تيمُورلنْك الأوزبكي المسلم الذي قضى على قوّتين عسكريتين مسلمتين بداية القرن الخامس عشر، قواتِ السلطان العثماني بَا يَزيد الذي كان يحتلّ بلاد الأناضول والبلقان، وقواتِ المغول التي انتشر ملكُها إلى غاية إقليم شاسع من بلاد روسيا حاليا. إذْ كانت تلك القوات تتهيأ لغزو أوروبا مما كان ليؤدّي إلى إيقاف نهضتها ضربة واحدة. بالنسبة لابن نبّي، فلو لا هذا العمل ذا النظرة المستبصرة لعاش العالمُ لأول مرة في الأوقات التاريخية فاقدًا لمنارة الحضارة.

نحن حاليا نمرّ بمرحلة مشابهة ولكن بحدّة أكبر، لأنه للمرة الأولى بات قدرُ الإنسانية يشكلُ أمرًا واحدًا. فلم يعد ممكنا للشعوب لتنعزل عن بعضها البعض، ولا يمكن لنهاية المأساة الإنسانية أن تتحقّق إلا في إطار كونيّة mondialisme -مفهوم نتصوّر أنه صاغه بن نبّي سنة 1959- تهتمّ بمصالح الكل، على عكس العولمة  mondialisation التي تجعل من العالم غابة تتنازع فيها الوحوشُ معيشتَها.

أحصى شبنجلر العلامات الثقافية لانحطاط الحضارة كما يلي: فقدان الإبداع (نهاية “النّمط الرّفيع” في الفنون، نضوب الفكر، انمحاء العلم أمام التقنيّة)، تراجع أو غياب الإيمان المعوّض أحيانا بتديّن ما، وأزمة أخلاق. يظهر من خلال هذا أنه يصف لنا حالة الغرب حاليا أفضل مما كان يراه منذ قرن. فبالنظر إلى هذه الحالة هل هناك انبعاثٌ لحضارة جديدة هو في الأفق ؟

ويرى أن اليابان لم يبنِ حضارة وإنما تبنّى حضارة الغرب بتكييفها حسب ثقافته وأضفى عليها صبغة محلية. ولم يشهد هذا البلد المنعرج الذي عرفته الصين في الثمانينيات، ونتصوّر بأنه كان ليوجَّه لها نفس الحكم الذي وجِّه لليابان ؛ كما نعتقد أن هند القرن الواحد والعشرين هي سائرة على الطريق نفسه.

أما الغرب فيوجد حاليا في نفس الوضعية التي عاشتها الإمبراطورية الرومانية بعد القانون الذي أصدره الملك كاراكلا سنة 212م حيث أصبحت كل الإمكانات الروحية والحضارية مفتوحة، ولكن بقيت إمبراطوريةً تنتشر هيمنتُها وسيطرتُها عبر العالم كله. فالحدود الفاصلة بين “هم” و”نحن” يجب أن تُلغى نهائيا في ذهنية المسلمين للسّماح للإسلام بأن يتحمّل وُجهتَه المتمثّلةَ في إعادة إنشاء الحضارة الكونية الأولى.

هل هناك ما هو أفضل من فكر مالك بن نبي يمكنه أن يفتح أفقا مثل هذا ؟

(1) catalyseur 

(2) Kultur

(3) mondialisme

(4) mondialisation

Share.

تعليقان

  1. الحركية التاريخية على خط التحول الحضاري ليست عملا فرديا ولا حالة استعراضية أو احتفالية متشبعة أو مثقلة بالكم الهائل من الشعارات ، ولا هي حضور خارج الأوقات الرسمية ، سنن الكون تكيل بمكيال واحد لا متبدل ولا متغير ولا متحيز بأي حال من الأحوال .

  2. هل بات واجبا على النخبة المؤمنة التي تجاوت فعلا خط الادعاء ( قالت الأعراب آمنا … ) ، داخل حدود الحيز الجغرافي الغربي ( أمريكا وأوربا ) تحديدا أن تكون حاضرة وفاعلة في تطعيم الحركية التاريخية اليوم بما يمكن من زاد معرفي وفعل إبداعي يرسم ملامح القوة التي تحتاجها عملية الإقلاع وسط الركام المتحرك والإكراهات القائمة ؟