في زمن رص الصفوف من أجل وحدة الجزائر

Pinterest LinkedIn Tumblr +

مهمة المثقف الرسالي، بين ” إسلامي” و “علماني”

بين الدكتورين الطيب برغوث ووسيني الأرعرج

محمد مصطفى حابس: جنيف / سويسرا

لا يختلف اثنان في هذه الأيام، حول وضع الأمة الجزائرية الخطير، ومحنة الشعب التي يتخبط فيها منذ عقود، يتقاذفه فيها ثالوث الجهل والفقر والمرض، أضيفت اليه أخيرا نيران وباء كورونا ونيران الجبال التي تلهب منذ أسابيع خيرات وأجسام بعضنا ليل نهار في فصل صيف حار وصلت لسعاتها حتى أوروبا الغربية، والجالية الجزائرية والإسلامية في الغرب تتابع بحصرة وأسف أتون الحرائق في بعض ولايات الوطن المفدى التي جاءت على الأخضر واليابس وما أنجر عنها من مناوشات بين أبناء الوطن الواحد في منطقة القبائل خصوصا، وتثمن نداء الضمير الموحد الذي ناد به بعض حكماء الشعب الجزائري، عربيهم و أمازغيهم على اختلاف توجهاتهم و قناعاتهم، وقد أحيت هذه الهبة المباركة  لتضميد الجراح  وتفويت الفرصة على رؤوس الفتنة، الذين أداروا ظهورهم للدين وثوابت الأمة، وأرادوا الاستمرار في مراوغة الشعب وفق أطماع دنيوية تافهة، والسير بالجزائر إلى خنادقهم الدنيوية المظلمة.. 

وبالتالي في أوقات المحن كهذه، لا يملك أحد ترف القعود عن العمل في صفوف الساعين إلى حماية البناء الوطني، أو يملك رخصة الشح بنفسه أو ماله أو جهده عن المساهمة في العمل على تحقيق نجدة وحدة الوطن، والسعي-بعدها-إلى رفعته وتقدمه ونهضته، وليس لأحد أن يدعي إرتهان أو احتكار مستقبل الأجيال لوحده بفهمه القاصر. والمحتكر-في السلع التي يحتاجها الناس-خاطئ. وهو في العمل السياسي والتربوي الوطني مجرم آثم.  لأن الأول يحرم عددا من الناس-قل أو كثر-حقهم في منع استعمال سلع بعينها، والثاني يحرم الوطن كله، حاضره ومستقبله، من جهد أبنائه وعطائهم، ومن جهادهم بالنفس والمال والعقل والقول والفعل في سبيله، وها هي بعض نخب الشعب و مثقفيها تتصد لهم بحكمة و روية، مثل ما جاء في كلمة بين الدكتورين الطيب برغوث المفكر (الإسلامي)، و وسيني الأعرج الروائي (العلماني)..     

 ونظرا لأهمية كلمة الدكتور الطيب برغوث التي نوه فيها، نهاية هذا الأسبوع، بتأبينية الروائي وسيني الأعرج للبروفيسور كروم بومدين رحمه الله، عميد كلية الآداب بجامعة تلمسان الذي وفاه الأجل منذ أيام بوباء كورونا،  وما حمله تعليق الدكتور برغوث من روح رسالية عالية، رأينا نقلها كما هي، مع كلمة الدكتور وسيني الأعرج-كما هي-، داعين القراء الأكارم للتأمل فيهما مليا، وتثمين الروح التي تسري فيهما، والعمل على بثها في أجوائنا الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية المشحونة بالتوتر والعنف اللفظي، والقطائع النفسية المضرة بشبكة العلاقات الثقافية والاجتماعية للنخبة والمجتمع معا.

 كلمة الدكتور وسيني الأعرج

وداعا صديقي الأعزّ كرّوم بومدين

لروحك الرحمة والسّلام.

فقدت الجامعة الجزائرية واحدا من أنبل أبنائها، وأكرمهم، وأصدقهم. ظل بومدين متفانيا في جامعة تلمسان حتى وفاته الفجائعية.  بومدين كان صديقا كبيرا، ومثالا حيا للمثقف الفعّال في الحياة، والمؤمن بسكينة وصوفية، قلما رأيتها عند غيره. درسنا معا في جامعة وهران، في قسم اللغة العربية وآدابهان في السبعينيات، وكان دائما الرجل الطيب، البشوش والمتسامح. وعندما سافرت إلى دمشق في إطار بعثة جامعية، وجدته هناك، بنفس أخلاقه، وقيَمه التي يحملها في أعماقه، ولا يفرضها على أحد. أكثر من ذلك كله، فقد عرفته عن قرب حينما اكترينا بيتا معا في البرامكة. كنا نقضي الأماسي الطويلة، بعد يوميات الجامعة، في نقاشات وجودية ودينية وثقافية، وكان مستمعا طيبا وخلوقا. وكل إجاباته كانت تنبني على ثقافة إسلامية وإنسانية واسعة.

وعلى الرغم من الأختلاف الايديولوجي إذ كنا في عمق ثقافات عصرنا وأعمارنا تعدت بالكاد العشرين سنة، فقد ظل العقل هو سيد السجالات. في مرة في المرات حكى لي عن صديق مشترك نبهه إلى أن الشخص الذي يقيم معه يتبنى أفكارا شيوعية هدامة، قال لي أجبته بكلمة بسيطة: الجهل أعمى. لو عرفتَ هذا الرجل لافرشتَ له بساط المحبة. والغريب أن الشخص نفسه كان قد نبهني إلى خطر بومدين: احذر، يا واسيني، أنت تقيم مع إسلامي مدمر. ضحكت وأجبته ساخرا: “معك حق يا صاحبي، كل مساء أراه يدخل ويخرج من البيت محملا بالقنابل النووية. يا ريت كان كل الإسلاميين مثل بومدين، قيمة عالمة، ثقافة ومعرفة واحتراما.”

فقد رأيت فيه نموذجا للمسلم المتفتح والمثقف الذي يعمل على تكوين نفسه باستمرار. كان بومدين مستمعا جيدا، ولا يتخذ موقفا مسبقا من الناس. كنا نتدرب معا في صالة كاراتي في دمشق بهدف الحفاظ على حيوية الجسد. وكان نشيطا وحقيقيا. وعندما عندنا إلى الجزائر، كانت وجهتي وهران، جامعتي الأولى، لكن الأقدار شاءت وقتها أن يدير قسم اللغة العربية أناس ضعاف النفوس، مهزومون معرفيا، وقفوا في وجهي، على الرغم من توجيهي إلى وهران من طرف الوزارة الوصية، وزارة

التعليم العالي. وكان يمكن التواصل مع مدير الجامعة لأتوظف هناك. وعلى الرغم من نائب المدير وإصراره أن أبقى في وهران إلا أنني رفضت. 

الصدف والأقدار قادتني إلى العاصمة أنا وزوجتي الدكتورة زينب، إلى قسم اللغة العربية، حيث رحب بي مدير القسم وقتها الصديق الكاتب الكبير والجنتلمان الدكتور أبو العيد دودو. وخطت لي الأقدار هناك مصيرا آخر، بعيدا عن وهران مدينتي الطبيعية.

كلمني بومدين يومها، فحكيت له القصة كاملة، قال “يا واسيني أنت تعرفهم جيدا. الحسد والضغينة والجهل. ابق حيث أنت. العاصمة تليق بك. وهران لم تعد وهران بهذه الكائنات المنقرضة، التي لا شيء يجمعها بالعلم.” والتحق هو بجامعة تلمسان التي كانت قد فتحت حديثا. وأصبح بسرعة رئيس قسم المعهد، ثم عميدا، وطلبني لنشاط في جامعة تلمسان، وعدته بذلك متى توفرت الفرصة. وقبل مدة ليست بالبعيدة، كُرمت كأحد أبناء مدينة تلمسان، فاشترك هو من خلال قسم اللغة العربية وآدابها، في التكريم رفقة المعرض، ومركز الدراسات الأندلسية. وهناك، في جامعة تلمسان، التقيت به من جديد. هو هو لولا ملامس العمر. رجل طيب وجليل وكبير. أشرف يومها على الندوة مع طلبة الدراسات العليا، ماستر ودكتوراه. وكان لقاء جميلا، أظهر فيه بومدين كل محبته وإخلاصه.

لم أصدق خبر الموت الذي قرأته في صفحة صديقي الدكتور الشريف مريبعي، فتواصلت معه ومع تلمسان. الموت لا يخبأ. وجاءني الخبر القاهر “الله يرحمه برحمته الواسعة، وقد دفن اليوم (البارحة)”. لأول مرة تمنيتني هناك فقط لأقف على قبره الطري وأقرأ الفاتحة على روحه، وأتمتم في صمت المقهور: يا غالي، لا تحزن، أنتم السابقون ونحن اللاحقون..ربي يرحمك خويا بومدين ويوسع عليك.

واسيني الأعرج

**********************

تعليق الدكتور الطيب برغوث

رسالتي إلى الروائي الكبير الدكتور وسيني الأعرج 

تنويه بشهادة الدكتور وسيني الأعرج: أنوه هنا بالكلمة والشهادة المهمة التي أدلى بها الكاتب والروائي الجزائري الشهير الدكتور وسيني الأعرج، في حق الأخ العزيز البروفيسور سي بومدين كروم، وأتمنى أن يقرأها كل إسلامي ووطني وعلماني، لما فيها من الإنصاف والروح التي يجب أن تسود بيننا نحن الجزائريين، مهما اختلفت أفكارنا وتعددت وتنوعت وتباينت رؤانا أحيانا، فما يجمع بيننا أكثر بكثير من القليل الذي يفرق بيننا. 

 حاجتنا إلى المثقف العضووي الرسالي المتوازن: 

كما أتمنى من الدكتور وسيني أن يمضي في بث هذه الروح فيما يكتبه ويدلي به من شهادات، فنحن في حاجة ماسة إلى مثقف عضوي متوازن بلغة التيارات اليسارية، أو مثقف رسالي متوازن بلغة التيارات الإسلامية، أو مثقف وطني متوازن بلغة التيارات الوطنية القومية، يوسع المشتركات ويعمق الوعي بها، ويعمل على دفع نخب المجتمع المختلفة للالتقاء عليها، ويحرص على إقامة جسور للتواصل بين الأجيال، وحصر نطاق المختلفات والخصوصيات في حدودها وأحجامها الحقيقية، التي تظل دائما محدودة وبسيطة، وتشكل عامل تحفيز  وإذكاء للحوار والجدل الخصب، الذي يمنحنا المزيد من الحيوية والغنى الفكري والثقافي.

فالمثقف الرسالي المتوازن الفكر والنفس والسلوك والعلاقات، الواسع الآفق، الحاضن للتنوع والاختلاف، والمساهم بفعالية في حركة الدفع به نحو آفاق التكامل، حاجة بل ضرورة اجتماعية حيوية للمجتمع، لأنه يشكل جسرا للتواصل والتلاقح بين الأفكار والتيارات والمدارس والأجيال في المجتمع، وما خلا مجتمع من المثقفين العضويين الرساليين المتوازنين، أو قل عددهم أو شأنهم فيه، إلا تنافرت واهتلكت قواه، وتبعثر وتصادم وتآكل جهده، وضعفت مناعته الذاتية، وفوّت على نفسه فرص النهضة التي تتحرك نحو كل المجتمعات الحية الواعية الراشدة.

 خطاب المثقف العضوي الرسالي المتوازن: 

واللغة المؤلِّفة للقلوب، والخطاب المقدِّر للناس، والمحترم لخصوصياتهم ومشاعرهم، والحريص على الأبعاد التربوية باستمرار، والمتخفف من العنف والعدوانية اللفظية والنفسية والثقافية والاجتماعية عامة، هو الذي ينبغي على المثقفين الكبار العناية به كثيرا في كتاباتهم ومخاطباتهم ورسائلهم، فهم وبحكم تقدم السن بهم، ونضج خبراتهم، قد تجاوزوا الكثير من الشحنات العاطفية والأيديولوجية الحدية، التي عادة ما تلازم الكثير منهم في مراحل المراهقة والشباب، وحتى الكهولة المبكرة، ولكن مراحل الكهولة المتأخرة والشيخوخة المبكرة، يفترض فيها أن تكون مرحلة غربلة ونضج كبير، وسعة أفق، واتجاه نحو الرؤية الشاملة للأمور، والتماهي مع المصالح العليا للمجتمع، بل والإنسان عامة، وحرص كبير على تبليغ خلاصات الخبرة والحكمة العامة التي تمخضت عنها حياة وتجربة كل مثقف، حتى تستفيد منها الأجيال. ولعل ذلك هو ما ينبغي إن لم يجب على كل مثقف كبير أن يختم به حياته الدنيوية، ويستقبل بها حياته الأخروية.

رسالتي إلى أخي الدكتور وسيني الأعرج:

 هذه رسالتي إلى أخي الدكتور وسيني، وكل مثقفينا في مختلف الساحات والمواقع الفكرية، بغض النظر عن معرفتهم بي أو عدم معرفتهم، بالرغم من أننا من جيل واحد، وتعاصرنا في فترة السبعينات بالجامعة الجزائرية، وتناوشنا فيها كثيرا، بسبب تنوع وتباين الساحات والمواقع الفكرية التي فرضتها علينا المنظورات السننية الجزئية المتنافرة في تلك المراحل، في غياب منظور السننية الشاملة الذي يجمع ما في كل منظور من تلك المنظورات الجزئية من خيرية وبركة ورحمة، ويكامل فيما بينها، ويمكننا من الاستفادة منها جميعا.

فنحن في سن متأخرة، والجزائر وطننا جميعا، والإسلام دين أغلبية مجتمعنا، والثقافة المنبثقة عنه هي ثقافة جميع الجزائريين، وتحقيق نهضة هذا المجتمع، وتحرير موقع له في محيطه الإقليمي والعالمي، يليق بتاريخه، وثوراته وهباته الوطنية العظيمة، وطموح إنسانه اللامحدود، ومقدراته الكبيرة، هي الهدف المحوري الذي ينبغي أن تلتقي عليه جميع جهودنا ومساهماتنا الفردية والجماعية، وأن لا تضر به.

 خلاصة تجربتي في الحياة:

 لقد تبين لي وأنا في السبعين من عمري الآن، مررت فيها بساحات فكرية متنوعة، حيث شغفت كثيرا جدا في بداية حياتي الدراسية المبكرة في الإعدادية والثانوية وما بعدهما بالتاريخ الجزائري، وقرأت كل ما وصلت إليه يدي مما هو متاح في المكتبة البلدية بباتنة، ومكتبتي البلدية والجامعة بقسنطينة، ثم شغفت كذلك بالأدب الجزائري والعربي والعالمي عامة، وأخت منه حظا وفيرا، وأفضى بي المطاف في الجامعة وما بعدها إلى ساحة الثقافة الإسلامية الإنسانية الواسعة، التي وجدتها تحتضن كل ما مررت به وجمعته من معارف تاريخية وأدبية وثقافية عامة، وما أضفته إليها من معارف تخصصية في العلوم الاجتماعية والإنسانية بمختلف اتجاهاتها، ولا تضيق بها..

 لقد تبين لي عبر هذه المسيرة العمرية والمعرفية الطويلة، بأن المناوشات التي عشناها، والأوقات والجهود والإمكانات التي استنفدناها فيها، والفرص التي ضيعناها على أنفسنا وعلى مجتمعنا فيها، ونحن في مراحل المراهقة والشباب بل والكهولة المبكرة، في الجامعات وما بعد الجامعات، وعاشها ويعيشها غيرنا، وسيعيشها مَن بعدهم، سببه هذه المنظورات المرجعية الجزئية المتنافرة، التي حشرتنا في زوايا ضيقة، وفرضت علينا نوعا من السجن والمنفى الثقافي والنفسي والاجتماعي فيها، وحرمتنا من السياحة المفتوحة في أقطار المعرفة والثقافة والخبرة والحكمة، المبثوثة في ساحات وعوالم الآفاق والأنفس والهداية والتأييد اللانهائية، والمفتوحة على الجديد والمفيد باستمرار.

 رسالتي إلى الأجيال الجديدة: 

ولذلك أقول للأجيال الجديدة من أبناء وطني وأمتي والإنسانية عامة، لا تفرضوا على أنفسكم الاعتقال في المنظورات السننية المرجعية الجزئية المتنافرة، ولا تقبلوا من أحد أن يعتقلكم فيها، ويهدر طاقاتكم وأوقاتكم وإمكاناتكم وفرص حياتكم فيها، ويحرمكم منها، وانفتحوا على المنظورات السننية المرجعية الشاملة، فإنكم ستجدون فيها خلاصة الخيرية والبركة والرحمة المبثوثة في المنظورات الجزئية المتنافرة، وتتخلصوا أو تتخففوا من الحمولات السلبية الضارة فيها، وتجدون أنفسكم تتنفسون هواء أكثر نقاوة وإنعاشا ونفعا لكم ولمجتمعاتكم وللإنسانية عامة. 

إن عمر الإنسان محدود وثمين، وإمكاناته محدودة وعزيزة، وفرص حياته محدودة ونادرة، لذلك يجب عليه أن لا يضيع وقته في تجريب المجرب بنفسه، واختراع واختبار ما تمخضت عنه سنن الحياة، وكفته مؤنة ذلك كله، ووفرت له الوقت والجهد والطاقة، بل عليه أن يعمد إلى الخلاصات السننية التي أمدتنا بها خبرة آلاف الأجيال، ويرتكز عليها، ويمضي في عمق الحياة بكل جدية، حتى لا تستنزفه هوامشها، وتفوت عليه خيرا وبركة كثيرة، هو ومجتمعه في أمس الحاجة إليها.

أعتقد أن مسئوليتنا ورسالتنا في آخر رحلتنا الحياتية الغنية، هي أن نعطي الأجيال خلاصة ما يجعلهم يستفيدون أكثر من حياتهم، ويستثمرونها في خدمة مجتمعهم وتمكينه من تحقيق نهضته الحضارية المنشودة، وتأمين نفسه من الاختراقات والاستباحات الحضارية التي تعرِّض أمنه الفكري والثقافي والاجتماعي والحضاري للخطر، وتفرض المهانة والتفاهة على إنسانه.

Share.

About Author

Avatar

Leave A Reply