بين الشك واليقين!؟

Pinterest LinkedIn Tumblr +

كلها أيام الله، و كلها في ميزان الطاعة لحظات، نبحث عنها في سجلات وسجلات، فلا نكاد نعدها، ولا نكاد نحصيها، مهما أوتينا  من قوة وذكاء، وسخرنا من أنظمة وأدوات؛ لأن العبرة ليست في القدر الذي فات من العمر، عشرين أو ثلاثين أو أربعين في لمح من البصر، أو الخمسين والستين، أو ما زاد عن الثمانين، لأنها لا تعدو بالنسبة لصاحبها سوى محطة واحدة، توقف لتوه للتزود بشيء من الوقود من أجل قابل الرحلة، من دون أن يضع في الحسبان ما ينتظره على مستوى الطريق؛ وفجأة وجد نفسه في رتل، أو ما يشبه الاصطفاف على طول المسلك،  كل واحد ينتظر دوره ! من دون شك، سوف لن يفكر هذه المرة في المال، ولا في أوراق السيارة، ولا فيما اعتاد عليه مع حواجز رجل أمن الطرقات؛ إنه فكر وقدر، ثم فكر و قدر، ثم بادر بالسؤال لمن هم أقرب إليه ! فلا أحد يجيب، أو حتى يلتفت إليه؛ حينها فقط، فكر في نفسه، ولم يعد يشعر بمرافقيه، ولا حتى بأقرب الناس إليه من زوجة وبنات و بنين، زينة الحياة الدنيا مما يعني أن الأمر جد، لا هزل، وأن إحساس الإنسان طرأ عليه فجأة ما يشبه الهزة أو الزلزال، فهو ذات الإنسان، ولكنه ليس مثلما كان قبل لحظة ! فلم يعد يفكر سوى في نفسه ومصيره، مثله مثل كل المصطفين، من دون سؤال، ولا استفسار، ولا طلبات كتلك التي اعتاد على طلبها المسافر أو السائح أو طالب العلم!  ببساطة هي رحلة العمر؛ حينما يدرك المرء نهايتها لسبب أو لآخر، ولم يعد، للأسف الشديد، قادرا على التمديد أو طلب المزيد!  لذلك ولذلك فقط تذكر الطاعة؛ أو قل : أجواء الطاعة، ولكنه أخذ في استرجاع الذكريات، خصوصا أوقات الصحة والفراغ، وهو لا يستطيع التحرر من صور طالما شعر معها بالحرج، وكره أن يطلع عليه الناس؛ وكان بإمكانه أن يستفتي قلبه، ويقبل على ربه، فيفعل ما يريح الضمير؛ فاحتكم  إلى عاطفة جياشة، أو عقل شارد! فلم يبصر حتى توقفت به الرحلة فجأة من دون أن يرتب أوراقه و يتعرف إلى محتواها كل هذا الوقت، ببساطة وجد نفسه مصطفا من بين آلاف المصابين المفترضين، وإذا به يقف وحيدا ينتظر كتابه، والكتاب صنفان، كلاهما من عالم واحد غلب عليه طابع الافتراض،  لأن وباء القرن الذي أخاف الجميع و فرض عليهم الحجر، و لم يميز بين قارة و قارة، و لا شمال وجنوب، ولا أبيض وأسود؛ هو وباء مفترض إلى حد الآن، فقط،  الأرقام تتكلم؛ ولم تفهم الشعوب ماذا حدث بالذات  وتحديدا في ” ووهان ” الصينية، ولا كيف تصدرت أمريكا القائمة ثم لحقت بها روسيا، من دون وجود جهة مختصة قادرة على التأكد مما حصل ويحصل هنا وهناك؛ ومن دون أن يتأكد أهل المتوفى من سبب الوفاة، ولا طبيعة الإصابة بكل وضوح؛ الكلام فقط عن الأعراض!  سار العالم مغمض العينين، وهو اليوم يسير في غياب مصداقية عقل الإنسان وصدق عاطفته ! ولا نعرف بالضبط مسار إجراءات تخفيف الحجر الذي بادرت بها إسبانيا واليابان، وكيف سيكون عالمنا خلال الدخول الاجتماعي القادم؛ ولمن ستكون الكلمة في توجيه قارب النجاة ومقارعة المخاطر! ؟

 عند هذا الحد، وفي هذا الوقت بالذات وصل دور صاحبنا، وإذا به يتنفس الصعداء، كونه ليس من المتوفين، حيث أخبره المنذر بعد كل هذا الانتظار بنتيجة الاختبار التي صنفته من بين المتعافين؛ و إذا به يتحول، فيخرج من رتل المنتظرين ، ظانا أن حياته ( عمره ) بدأ لتوه، وليس الظن مثل اليقين، وقد ظن قبل لحظات أن حياته توقفت؛ فهو اليوم مختار من جديد، يمكن أن يحسن، كما يمكن أن يسيء؛ كان بإمكانه أن يحسن الظن، ويتحول ظنه إلى يقين، فيأخذ العبرة ويصطف مع الطائعين! تلك هي الأجواء الغالبة طيلة أربعة أشهر على أقل تقدير، أغلقوا أبواب المساجد في وجه المصلين، وأبواب المدارس في وجه المتعلمين، فلا مطاعم ولا مقاهي ولا مركبات تقل المسافرين، ولا سياحة ولا عيادة ؛ فقط المستشفيات تعج بالمصابين، ولأول مرة يتحد العالم، ليس وفق أجندة أمريكا، ولا  روسيا، ولا الصين، ولكن وفق أجندة وباء من نوع خاص، ومن طينة خاصة، لا يفهم سوى لغة الأرقام ! وبات الإنسان في نظر الكثيرين رقما، وحتى المشاعر والأواصر صارت رقما، والمناسبات كذلك، الأفراح و الأقراح على حد سواء ؛ حتى المجاملة، والابتسامة، ليست سوى رقما بين الأرقام؛ وعيادة المرضى، ومواساة الأقربين، ودعم المحتاجين! فقط الشعوب، لم تسلم، ولم تقبل تبريرات المقامرين، وتفسيرات الساسة المغامرين، وكل المفلسين؛ وهي اليوم تتطلع إلى أجواء الطاعة، بعيدا عن لغة الأرقام وطقطقة الشياطين؛  تتطلع إلى أطباء من صنف الحكماء من طينة العلماء ورثة الأنبياء و المرسلين ! وهي الأجواء التي ستميز بجدارة العقد الثالث للقرن الجديد؛   لعل المسافر يضبط عقارب ساعته على حاجز اليقين و يحسن ظنه بنفسه و بالآخرين في عالم الطاعة، و ما أدراك ما عالم الطاعة، راجع بنفسك أوراق كتابك، وكن على يقين. 

وأنت في قارة الجزائر قبلة الثوار، وملاذ المستضعفين؛ إنك على موعد مع مسار الأحرار المقاومين؛ فاشهد شهادة، مثل تلك التي عاش لأجلها و مات عليها ابن باديس، و بن مهيدي، و عميروش، وبن بولعيد، والإبراهيمي البشير، ومهري عبد الحميد، وعباسي مدني، وأيت أحمد، وكل المقاومين . 

Share.

About Author

Avatar

Comments are closed.