لإسلام “العلماني”

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

العلمانية العربية منهج فكري لتغيير الحياة، ليست حيادية تجاه الدين إنما هي حرب على الإسلام، إنها غواية في شكل هداية، ترفض الإسلام في منطلقاته وأهدافه وأدواته، وهي التطرف المسكوت عنه.

والعلمانيون في فضائنا مسلمون لكن على طريقتهم الخاصة.

بداية القضية أنهم لا يأخذون تصوراتهم عن الله والكون والإنسان والحياة من الفكر الإسلامي ولكن من الثقافة الغربية التي يعدونها هي وحدها الثقافة والعلم والمعرفة، وبما أن الدين في الغرب ظاهرة إنسانية يقوم الناس بتطويعها والتصرف فيها فهم لا يتناولون الإسلام إلا من هذا المنظور أي يقيسونه على المسيحية ويريدون له أن يتطور كما تطورت لينتهي إلى “العلمنة” و “الأنسنة”، لهذا نجدهم ينتقدون المتدينين والفقهاء والخطاب الديني من خارج الجسم المسلم، فهم لا يدخلون المساجد ليسمعوا خطابها ويختلطوا بروادها ويعيشوا أجواء الأخوة الايمانية، ولا يناقشون المتدينين بل يتعالون عليهم، ولا يعترفون بعلم علماء الدين ويصمونهم بالجمود والتعصب بينما يرون في أنفسهم العظمة والكبرياء والهيبة، أي هم مصابون بآفات الصلف والغرور والكبْر، هذا ما يمنعهم ابتداء من أن يكونوا مثل باقي المسلمين، وهذا ما يُسلمهم حتما إلى موقف فكري أقرب إلى الجحود، وإلى موقف سلوكي كله اعتزال للمسلمين وتضايق من الإسلام الذي يعرفه الناس منذ 15 قرنا من الزمن.

يطالبون بتجديد الخطاب الديني بل بقراءة جديدة للإسلام، فيها قطيعة مع جميع القراءات من داخل الكيان الإسلامي،  ليتوافق مع فلسفة الغرب ونظرته إلى الدين والإنسان أي حتى لا يبقى هناك دين أصلا إلا خيط رقيق واهٍ يسكن قلوب العجائز.. يتناولون الإسلام وكأنه موضوع فكري بحت ليس فيه مقدس ولا وحي، هو موضوع يصلح فقط للنقاش وخاصة للنقد اللاذع الذي لا يعترف بثوابت ولا محكمات، إنهم يريدون – كما قال الشيخ البوطي رحمه الله – “الجلوس على مائدة مستديرة يناقشون كلام الله وأحكامه وحلاله وحرامه”…أجل، يناقشون لأنهم بعيدون عن الالتزام به والامتثال لمقتضياته، مشكلتهم أنهم “مسلمون” لكن لا يوجد في أفئدتهم خشوع ولا خشية ولا محبة لله تعالى ولا توقير له ولرسوله وأوامره ونواهيه، لا يسلّمون أن الإسلام ليس عقلا فحسب بل هو عقل وقلب في تلازم حتمي، يرون الإسلام عملا وبناء وعمارة وسعيا من أجل الحياة الدنيا، وهذا صحيح لكنه قبل ذلك صلاة وعبادة وفرائض ونوافل وواجبات ومحرّمات…وهذا بيت القصيد: العلمانيون يتبرمون من هذا الإسلام الذي فيه تكاليف ومشقات وهم يريدونه كالمسيحية لا تكاليف فيها ولا مشقات، وهذه هي المشكلة: غياب الوازع الديني والإيماني من هذه القلوب “المسلمة”، فهؤلاء رغم إسلامهم ليس لديهم يقين، وهم بعيدون في حياتهم عن الله، لا صلاة لهم ولا ذكر ولا تلاوة…تماما كالمسيحيين، حتى لو كان لديهم يقين عقلي فإنه لا يكفي حتى تتوفر معه حرارة الإيمان كما هو معلوم من قطعيات القرآن والسنة.

وبسبب هذا الانفصام النكد يرفضون وصف الإسلام بأنه نظام حياة ويفضلون – في أحسن الأحوال – وصفه بدين الحرية والعدالة والمساواة، وهذا صحيح لكنه قبل ذلك عقيدة راسخة وعبادة تستوعب العمر ووحي إلهي يذعن له الجميع، وهو نظام متكامل شامل لشؤون الدنيا والآخرة والروح والجسد والفرد والجماعة والأسرة والمجتمع والحرب والسلم.

بناء على هذا نتأكد من الفرق الهائل بين التجديد الذي يطالب به المتمسكون بدينهم وبين التبديل الذي هو بضاعة العلمانيين.

يزعم العلمانيون أنهم لا يناقشون الإسلاميين لأن هؤلاء متعصبون يرفضون النقاش والحوار، وهذا بهتان مبين، والمشكلة هي أن العلمانيين دأبوا على فرض قراءاتهم وآرائهم كأنها حقائق مسلّمة لأن المفكرين الغربيين انتهوا إليها، فإذا ردّ عليهم محاوروهم بأن هذه الآراء شيء آخر غير الإسلام الموجود في القرآن والسنة كثُر صراخهم واتهموهم بالتكفير…هذا ما حدث بالضبط مع محمد أركون في ملتقى الفكر الإسلامي بقسنطينة عام 1981- وكنت حاضرا- وشاع أن محمد الغزالي كفّره، والحقيقة انه ردّ عليه بينما أركون يرى أن قراءته لا تقبل الرد.

·       أسس ومنطلقات العلمانية العربية في نظرتها إلى الدين:

–         لا تؤمن بوجود حقائق مطلقة فكل شيء متطوّر، وكل شيء في حياة البشر نسبي وخاصة الدين والأخلاق، ولا بد بالتالي من إعادة النظر في كل شيء وممارسة الشك في كل قضية أيا كانت.

–         إسقاط القداسة عن الدين وتدنيس المقدس لأن الدين هو سبب التخلف والفشل.

–         إحياء وتعظيم الوثنيات القديمة كالفرعونية والبربرية والآشورية والفينيقية كهوية بدل الانتماء الإسلامي.

–         استباحة المحرمات والتحرر من الضوابط الشرعية وإسقاط موازين الحلال والحرام والاصطفاف مع الغرب وفلسفته ورؤاه وأساليبه وأخذ كل شيء عنه من التقنية إلى الثقافة وإخضاع الدين لمقاييسه لأن الحضارة الغربية تمثل نهاية التاريخ.

–         تأليه الإنسان ورفع الوصاية عنه ليحلّ محلّ الله والدعوة إلى تبني الإنسانية كمبدأ وغاية، وفي نفس السياق تأليه العقل والعالم المادي، فبينما في التصور الإسلامي “الله” هو المحور نصبح هنا أمام تأليه الإنساني وأنسنة الإلهي بحيث يغيب المقدس بتأويلات بعيدة وتُنزع القدسية عن الدين والأنبياء وتُنكر المعجزة الإلهية وتُضخم “المعجزات” الإنسانية، أي يحدث انتقال مركز الاهتمام من الله إلى الإنسان ومن السماء إلى الأرض.

–         الدعوة إلى القطيعة مع ماضي الأمة ومفاهيمه وتراثه والانفصال عنه تماما.

–         تشويه الاسلام لتنفير الناس منه بالافتراء على مضامينه وتاريخه وتضخيم أخطاء المسلمين قديما وحديثا وتحميلها للدين ذاته.

·       العلمانيون والقرآن:

ليس للعلمانيين في فضائنا الإسلامي تفاعل ديني، فهم في دراساتهم الأكاديمية وكتاباتهم الفكرية والصحفية ومداخلاتهم المختلفة يتمحور موقفهم من القرآن الكريم حول رفع القدسية عنه وحذف عبارات التعظيم وتقرير عدم أفضليته ورفض التسليم بأنه معجز وأن فيه كل شيء، ويتعاملون معه ثقافيا باستبعاد الآليات المعتمدة عند المسلمين وتفضيل تطبيق مقررات العلوم الإنسانية والفلسفة مع إطلاق سلطة العقل دون قيود مع تعميم الشك على كل مستويات القرآن، وهذا ما ينتهي إلى “نصرنة” الإسلام وإحداث قطيعة معرفية بين القرآن وبين القراءات التراثية التأسيسية والتجديدية، وهي قراءات انتقادية لا اعتقادية كما يُفترض في أي مسلم.

–          تتلخص علاقتهم بالقران في تسويته بكلام البشر و نزع قدسيته من النفوس، وقصر أحكامه على زمن النزول، واستغناء البشرية عنه لأنها بلغت الرشد العقلي، وتفسيره تفسيرا باطنيا أو تفريغ نصوصه من المعاني، وفي هذا المسعى يجاهرون بإبطال جميع علوم القرآن والاعتماد فقط على المناهج الغربية المستحدثة إلى جانب إنكار السنة النبوية سواء كمصدر للتلقي أو كشارح ومبين للقرآن.

·       العلمانيون والوحي:

لا يعدّون الوحي مرجعا من مراجع المعرفة لأن المعارف لا تأتي إلا من دراسة الطبيعة والتاريخ، لذلك ينكرون حجيته ويُلحقونه بالغيب الذي يزدرونه، فلا يؤمنون بالشريعة وثباتها فضلا عن تحكيمها، ويميّعون الفرائض والحرمات، ويستبعدون الأخلاق الإيمانية لصالح ما يسمى الأخلاق الإنسانية والطبيعية، ويرفضون أطروحاته حول الحدود والمرأة وغير المسلمين، وفي كل هذا يتحججون بروح النص ومغزاه ومقصده مستبعدين ظاهره الواضح المجمع عليه، بل يتهكمون من “عبادة النصوص”.

بناء على ما سبق فإن العلمانيين “المسلمين” يريدون – في أحسن الأحوال – عقيدة بلا شريعة ودعوة بلا دولة وسلاما بلا جهاد وبادة بلا معاملة ودنيا بلا آخرة.

·        العلمانيون والتجديد:

يطالب العلمانيون بتجديد الإسلام، والمقصود منه هدم مُمَنْهج للدين، هدم عقدي وروحي وسلوكي، هدم  ليس فيه نقد علمي ولا أمانة في النقل ولا فهم صحيح ولا حتى حياد في التناول والطرح، بل هو نشر للشكوك حول القطعيات والمسلّمات الدينية، وهذا تقليد واضح لنقد أرنست رينان للمسيحية بأسلوبه الفلسفي والتاريخي.

إن العلمانيين يستخدمون مصطلح التاريخانية لدراسة الدين دراسة نقض وهدم لإبطال عصمة الوحي والتشكيك في ثبوت القرآن وصولا إلى إزاحة العامل الديني من ساحة المجتمع المسلم نهائيا كما يؤكد أركون في جميع دراساته.

ونشير إلى هذا “التجديد” يتولاه أدباء وكتاب وفنانون وإعلاميون وسياسيون، أي كل من هب ودب… فلسنا أمام علماء أو مفكرين بل أمام محاربين الداء لعقيدة الإسلام وشرائعه وتاريخه وحضارته.

 و الاجتهاد عندهم لا يعني البحث عن الحكم الشرعي ولكن تطويع النصوص الدينية المحكمة للفكر المعاصر والواقع المعاش، واستحضار نصوص الشرع للهروب منها

وإعطاء العقل بعدا تشريعيا والتمويه على كل هذا  بمقولة “إعطاء العقل أقصى درجات الفاعلية”، ينطبق عليهم قول الإمام الشاطبي: “من نظر إلى طرق أهل البدع في الاستدلال عرف أنها لا تنضبط لانها سيالة لا تقف عند حد، وعلى كل وجه يصح لكل زائغ وكافر أن يستدل لزيغه وكفره حتى ينسب النحلة التي التزمها الى الشريعة”.

هكذا هو الخطاب العلماني: منهجية انقلابية على الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية لانبطاحه التام أمام الواقع الغربي فكرا وحضارة وممارسة فردية وجماعية، فيه التوظيف غير البريء لمسألة المقاصد والمصالح كبديل عن علم أصول الفقه  وإعطاء المسألة بعدا بشريا بحتا، أي هو إنكار شمولية الإسلام وثبات الشريعة، وإحلال شريعة العقل محل شريعة الوحي. ويكفي إصرارهم على القطيعة التامة مع التراث المفسر للنص الشرعي والاستخفاف بالفكر التقليدي وحتى بتفسير الرسول صلى الله عليه وسلم للقرآن، وتبنيهم النسبية التامة للنص الشرعي ودلالاته، نسبية تمتد إلى المعنى والفهم.

الاعتماد فقط على حس المفسر وذوقه أي هدم أصول الدين الثابتة

 وهكذا تدور العلمانية بين كفر مكشوف و آخر مقنع.

·    العلمانيون والحرية:

تحتل الحرية مكان الصدارة في أدبيات العلمانيين ومساحة كبرى في تنظيرهم باعتبارها منتوجا إنسانيا يُثبت ذات الفرد ويحميه من كل الضغوطات، وهم يستلهمون مفاهيمهم حولها من ثورة أوروبا على الدين حيث كانت الكنيسة قد سلبت الناس حرياتهم بما في ذلك الدولة فقامت الثورة الفرنسية بتحرير الناس والدولة من سلطان الكنيسة، وهذا كلام صحيح لكن إسقاطه على الحالة الإسلامية ليس قياسا مع الفارق بل هو قياس فاسد أساسا.

·   العلمانية والحياة السياسية:

ليس للعلمانية العربية مشكلة مع الاستبداد ولا التخلف ولا الاحتلال  إنما مشكلتها مع لاسلام لأنه – من جهة – نقيض طروحاتها الفكرية وشهواتها النفسية، ومن جهة أخرى هو موئل الأمة وملاذها، انحازت إليه بقوة ووضوح كلما أتيح لها الاختيار الحرّ ولفظت إيديولوجيا العلمانيين وأحزابهم، ولها دورها في الانحطاط الفكري والسياسي والسقوط الحضاري الذي تعرض له الوطن العربي طيلة عقود.

القوى العلمانية العربية كائنات غير ديمقراطية لهذه الأسباب:
1- لأنها قوى ضعيفة مشتتة مبعثرة، غير قادرة على إقامة قطب سياسي ينافس القطب الإسلامي، بما يسمح بمنافسة جادة وشريفة ومتقاربة من حيث القوة والحجم
2- لأنها قوى لا تقبل بالهزيمة الانتخابية، ولا تسلم للفائز في الانتخابات بأن يحكم، وهي مستعدة للفوضى بديلا عن حكم الإسلاميين، ومستعدة لهذا الغرض للتحالف مع العسكر ومع الأنظمة الاستبدادية المطاح بها كما حدث في مصر وتونس.

3- فقدت الثقة في الشعوب لذلك تستقوي بالقوى الخارجية وتبذل في سبيل إرضائها كل شيء من مصالح الأمة إلى المبادئ والقيم.

لهذه الأسباب أصبحت العلمانية بمثابة الهراوة الفكرية والإعلامية التي تمهد الطريق للقصف الأمني المكثف وحملات البطش والقهر التي تنتهجها الأنظمة مع الشعوب وقوى التحرر والتغيير، كما أصبحت تروّج مقولة إن الشعوب تريد الأمن وليس الحرية،

·       من غرائبهم:

–         يؤمنون بحرية الرأي إلا الفتوى الدينية فهم يرفضونها حتى ولو لم تكن ملزمة.

–         يؤمنون بحرية الشخص الذكر والأنثى في لباسه إلا حجاب المرأة فهم يتضايقون منه ويضيقون عليه، تماما كما يتضايقون من لحية الرجل المتديّن، بل يمقتون هذا المتديّن حتى ولو كان حليقا ويرتدي اللباس العصري…أجل، هم مع المرأة و حقوق المرأة إذا تعرت و ضد المرأة إذا اختارت الستر، لأن العلماني شهواني لا يهمه من المرأة إلا جسدها فإذا اختارت الستر والعفة وقف ضدها بالتشهير والسخرية وحتى بسن القوانين العنصرية الحقيرة، فإذا اختارت العري والسفور وقف معها بالتبجيل والدعاية الكاذبة وحتى  بسنّ القوانين المخالفة لثوابت الأمة وحتى للفطرة السليمة.

–             يحترمون جميع الأديان السماوية والأرضية إلا الإسلام، فهم يتبرمون منه ويلصقون به شرور العالم، وقد رأينا مرات مرات بسبب أحداث وقعت هنا وهناك أنهم لا تحركهم الاساءة للدين ولا لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم بل المساس بمثلهم الغربي واليهودي.

–         يحملون ثقافة الضرار وينشرون تزييف الوعي من الداخل مستعينين بمفكرين “تنويريين” هم في الغالب شيوعيون ملحدون (هذه ليست تهمة جزافية بل حقيقة تؤكدها الأدلة القاطعة).

–             مسلّمات الفكر الحديث قطعية أما مسلّمات النص الديني فليست قطعية، وهذه نتيجة حتمية لتحكيم الآليات الغربية الحديثة لمخالفة الموروث الثقافي في التعامل مع الاسلام

 –         إنهم ضحايا الاستلاب الكلي إلى حدّ التنكر التام للوضعية الذاتية والذوبان في عالم الغرب وفرنسا بالذات، ويحتضنون اللغة الفرنسية أكثر من الفرنسيين أنفسهم الذين مالوا إلى الانجليزية كَرها واضطرارا، لأن الفرنسية عندهم شكل من أشكال رفض العربية والإسلام ولديهم ولع بالثورة الفرنسية ليس لأنها حررت الشعب من الاستبداد ولكن لأنها أسست الدولة اللادينية واستبعدت الدين لأول مرة في أوروبا.

Share.

Comments are closed.