لا يرفض عاقل استنشاق الهواء، بل يرفض الملوث منه المميت

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

ها قد عدنا إلى مسلسل التضليل لتبرير استدامة دولة الاستبداد والانفراد بالحكم، فبعد تهمة “رفض الانتخابات”، تحوّل الأمر إلى تهمة رفض الحوار، في حين لا يجهل أي مواطن نزيه أن الرفض لم يكن للانتخابات وإنما للانتخابات المزورة، مثلما أن الرفض اليوم هو لحوار شكلي مزيف، الغاية  منه تكريس حكم الأمر الواقع. من نافلة القول التذكير بالتالي: 

الحوار هو السبيل الوحيد الناجع الذي يسمح للمتنازعين في أي قضية، بالتوصل إلى حل يرضي كافة الأطراف، بشكل شفاف، مضمون وآمن، حتى وإن تطلب ذلك بعض الوقت والجهود والتنازلات من شتى الأطراف؛

الحوار هو النهج الراقي والبناء الذي تعتمده الأمم المتحضرة لتقوية دولها، شريطة أن تشارك فيه كافة أطياف المجتمع؛

الحوار هو البديل الأسلم لتجنب الصدام والعنف، والنأي بالنفس عن التخوين والإقصاء، وعدم إطالة عمر الأزمات وتبديد الطاقات والجهود؛

لكن من أجل أن يحقق الحوار كل ذلك، يجب أن تحضره الأطراف المعنية والممثلة فعلا لفئات المجتمع، لمناقشة  بنود محددة بشكل مسؤول، دون أن تفرض بنوده ونتائجه من ألفه إلى يائه مسبقا من طرف السلطة الفعلية،، ولا بد أن تلتزم فيه كافة الأطراف المشاركة بالنتائج المتمخضة عنه وتتعهد بتنفيذها بكل مسؤولية، مهما كانت اختلافاتهم.

مثل هذا الحوار، بهذه المواصفات، قد نادت به جماهير الحراك طيلة 10 أشهر، وهو ما دعا إليه المخلصون من خلال عشرات المبادرات، دون أن تصغي إليهم السلطة الفعلية، بل راحت تحرض عليهم، تارة باتهام أصحابها بمحاولة النيل من الدولة وتارة بتخوين المطالبين به، وفي نفس الوقت، واصلت حطاها لتنفيذ مخططها غير عابئة لا بالأصوات الرافضة ولا بالمقترحات المقدمة، ولا بالشارع الملتهب، أما ما تسميه هي بالحوار، سواء الذي سبق الانتخابات أو الذي تعتزم تنظيمه، فليس فيه من الحوار إلا الاسم، ولا يسعى سوى إلى إضفاء الشرعية على القرارات الحاسمة المتخذة سلفا.

الحوار الذي يروجون له لا يختلف عن الحوارات التي نظموها ودعوا إليها من قبل والتي اتضح بعد فترات وجيزة أنها لم تكن تسعى إلا لتجنب الإصلاحات الحقيقية، وتضييع الوقت والجهد، مثل حوار 1994 بزعم وقف نزيف الدم، في حين كان الغاية منه حشد الدعم وتفويض بعض النخب، لمواصلة سياسة الاستئصال التي كلفت البلد ربع مليون ضحية وآلاف المختطفين والمعتقلين والمعذبين، وحوار 2002 مع العروش الذي  استغلته لشراء ذمم البعض وكسر هبة مواطني هذه المنطقة، وحوار 2011 الذي نظمه أويحي بعد انتفاضات الزيت والسكر، وحوار 2014 الذي قاده بن صالح لشراء السلم الاجتماعية مخافة من وصول أمواج الربيع العربي إلى الجزائر، ومبادرة تأجيل الانتخابات وحوار الذي أشرف عليه الإبراهيمي، وآخرها، حوار كريم يونس. وكل هذه “الحوارات” معروف مآلها.

القول بأن حوار تبون اليوم لا يختلف عن حوار من سبقه، ليس تجنيا عليه  ولا حكما مسبقا ولا قراءة في الفنجان، بل يستند إلى حقائق ثابتة تؤكدها أحداث موثقة، ولا غرابة في ذلك، لأن ببساطة، الذي هندسه، هو من نفس منظومة الحكم، ويسير وفق نفس الآليات والهياكل، وبنفس الأهداف، فكيف يمكن انتظار نتائج مخالفة؟

حوار بيع الأوهام

  • من الأهداف الأساسية لحوار السلطة المرتقب، مع من تنتقيهم كالعادة، أي الذين يقبلون شروط اللعبة، هو كسر تماسك الحراك، وحرف مطلبه الأساسي، دولة القانون والعدل، وشق صفوفه بين مؤيد لهذا الحوار ومعارض له، بغية إفشال هبته، قبل تفجيره من الداخل؛
  • هذا الحوار يسعى إلى الحفاظ على حقيقة منظومة الحكم كما هي، دون المساس بأركانه، أي بقاء القيادة العسكرية صاحبة الشأن، بواجهة مدنية؛ والعودة اليوم بعد انتخاب تبون، إلى الخلف، بعد ورطة الدفع بقايد صالح إلى الواجهة طيلة 10 أشهر؛
  • هذا الحوار سيشغل الحضور بالقشور، لقاء رشاوى مقنعة، وتجنب معالجة المطلب الرئيسي، أي دولة القانون، وحق المواطن في استعادة سيادته وعودة العسكر إلى ثكناتهم ومهامهم الدستورية، وعودة القرار السياسي إلى المدنيين المنتخبين في ظل منظومة حكم مدنية شفافة تسير شؤونها بكل حرية ونزاهة، واستقلالية السلطات والفصل بينها، واعتماد الشفافية والكفاءة والمساءلة؛
  • هذا الحوار يحاول تغليف دولة الأمر الواقع برداء التعددية، وتنقيح الهياكل التي ستتمخض عنه بنكهات ومشارب تبدو متنوعة، مع تقديم تنازلات شكلية، يمنح الفضل فيها، إلى هذه الأطراف لإكسابها مصداقية لدى الجماهير، لكن مع إبقاء القرارات المصيرية والحاسمة بين أيدي السلطة الفعلية في إطار استمرارية منظومة الحكم السائدة؛
  • هذا الحوار لا يختلف عن مسرحية انتخابات 12/12 ومثلما كان الرئيس المرشح محددا حتى قبل إجراء العملية، ولم يكن الاقتراع سوى شكلية إدارية لتغليف القرارات المتخذة مسبقا بشرعية مزيفة، سيكون هذا الحوار أيضا عملية مغلقة قبل بدايتها؛
  • قطب الرحى في كل العملية، هو الحفاظ على جوهر منظومة الحكم التي لا يمكنهم التخلي عنها بطواعية، فمن العبث أن ننتظر من حوارهم سوى المراوغات والمناورات، بما يفرض على الجميع واجب الاستماتة في المحافظة على الحراك، وخاصة على سلميته ووحدة صفوفه، مع  التحلي بالصبر  إلى أن يحقق مطلبه.

ماكرون، يأكل كالمنشار، صعودا ونزولا وفي كل الاتجاهات

أما عن دعوة ماكرون الرئيسَ الجديد بفتح الحوار، فلا يجب أن تخدعنا مثل هذه الدعوات، لأنه فضلا عن تدخله السافل في شؤون الجزائر، فلا تعدو دعوته نوعا من التأييد المبطن والمبتز والماكر، يرمي من خلالها إلى ضرب عصافير كثيرة بحجة واحدة:

  • من جهة، صيغة “أخذ خبر” بنتائج الانتخابات، هي رسالة مبطنة يريد منها أن يُفهِم النظام أن تهنئته مشروطة بتوفير ما يطله، وهو نوع من الابتزاز الذي دأبت عليه كل الدول الغربية اتجاه الجزائر (وغيرها  من الدول الفاشلة) لجني أقصى قدر ممكن من المصالح والصفقات مقابل “دعمها” الضمني لأنظمة هذه الدول؛
  • من جهة أخرى، يسعى إلى الظهور كرافض لداعم عمليات القمع وسجن المعارضين، ومساندا لحق الشعب في التظاهر السلمي؛
  • الحوار الذي يتحدث عنه ماكرون ويدفع باتجاهه، يقتصر على فئة محددة من “المحاورين” دون غيرهم، أي الشخصيات والجمعيات المعروفة بتحليقها في فلك فرنسا، والساعية إلى ربط الجزائر سياسيا وثقافيا واجتماعيا، بالضفة الشمالية من المتوسط، ولن يتأخر في فرض “قائمته” من “الشخصيات” المعهودة، خاصة وأن البعض منها، تسلل في صفوف الحراك مذ انطلاقه لاستثماره لاحقا، وحظيت “ثورية” هذه الفئة بتغطية مضخمة من قبل وسائل الإعلام الفرنسية، وليس مستبعدا، أن تقايض هذه الشخصيات، في أول لقاء مع السلطة، “ثوريتها” مثلما فعلوا بعد انقلاب 92، للعودة إلى حضنهم الطبيعي، في “المنطقة الخضراء”، وليس سرا أن هذه الفئة، مثلها مثل السلطة، لم تكن يوما متحمسة لدولة القانون، بل عمدوا على محاربة سيادة الشعب وخياره، وما عدا ذلك، مجرد شعارات مضللة.
  • وسيرى بكل مرارة وأسف، كل من عوّل على السلطة الراهنة، وأعتبرها نقيض حزب فرنسا، وبريئة من جرائم العشرية الدموية، كيف ستفتح هذه السلطة، بعد دعوة ماكرون لفتح حوار، أذرعها لممثلي الأقلية الاستئصالية، بل وتمحهم الأسبقية على “النوفمبريين”، ليكتشفوا بعد فوات الأوان، افتراء مزاعم محاربة  أذناب فرنسا والزواف والحركة وما إلى ذلك.

كفي تلاعب وتدليس، ارتقوا إلى مستوى الشعب

كل المناورات، كل الديكورات، لم تعد تجدي. نعلم أن بعد تعيين الرئيس، سيحاول التسويق له في صورة أب الجزائريين كلهم، والممد يديه بسخاء للجميع، بل وقد تسلط الأضواء على حسن النية في إبداء الرغبة في الانفراج، لكن هذه اليد الممدودة ستتوقف عند عتبة لعبة محبكة ونتائج مقفلة، والتلويح أولا بقضية المعتقلين، التي لن تكون بادرة حسن نية لانطلاق عملية سياسية جادة، بل ورقة ضغط وترهيب قبل العملية، ومساومة ورشوة بعدها، للحفاظ على أقداسها، أي رفض دولة القانون التي تسيير شؤونها في ظل الشفافية، والمساءلة والفصل بين السلطات، بعيدا أن ممارسة الحكم في ظل نظام الغرف المظلمة. ولهذا فكل ما ستقدم عليه لن يخل بهذه القاعدة، لكن الفارق الوحيد اليوم، الذي  يبدو أن هذه السلطة لا تزل لا تدركه، لم تعد مثل هذه الحيل تنطلي على المواطن الذي اكتسب قدرا هائلا من الوعي السياسي بعد انخراطه المتميز في مسار التغيير، الحوار إذن، نعم، لكن بعد تحديد إطاره وجدول أعماله، ومشاركة فعلية تمثيلية لكافة فئات الشعب، بحضور الفاعل الأساس الحالي، وقبول نتائجه السيادية، أما بيع الأوهام وتوزيع الرشاوى فلا.

Share.

تعليق واحد