في الإختلاف رحمة

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

أصدقائي إخواني شركائي في الوطن، لعلي أكون من المسنين القلائل الذين يتواصلون معكم ويبادلونكم الأفكار والصداقة على هدا المنبر الافتراضي، الذي أرى فيه نعمة أنعم الله بها علينا جميعا، وبالأخص على أمثالي ونحن في خريف العمر، حيث لم تكن لنا أي وسيلة للتعبير الحر عن آرائنا، وتطوير قدرات البعض في الكتابة، والإبداع الفكري المهتم بقضايا الأمة، إلا إذا قبل أن يستعمل لغة الخشب للولوج إلى وسائل الإعلام الرسمية التي لا تُفتحُ إلا لمن يلتزم بخطها وأهدافها؛  إذن إخواني أنتم محظوظون لأن لديكم فرصة ثمينة للتواصل وتبادل الأفكار، ومعرفة الآخر، والحوار عن بعد الذي يمكن أن يصل إلى آخر حدود الصراحة في إبداء الرأي دون الحرج الذي قد يتسبب فيه اللقاء المباشر؛ كل ذلك في نظري جميل وإيجابي شريطة أن يلتزم الجميع بأدب التحاور والاحترام المتبادل.

         لقد طغى منذ بداية الحراك الطابع  السياسي على ما يجري من نقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام عموما، وتحرر الشعب والإعلام وحتى المؤسسات من الكبت والقيود التي كانت مفروضة على الجميع، فكان الحراك بمثابة الريح العاصفة التي تثير أمواجا عاتية تخرج ما في أعماق البحر من درر ثمينة، كما ترمي على الساحل أوساخ وفرائس نتنة أحيانا؛ فلنلتقط الدرر الثمينة  ونحافظ عليها ونبتعد عن الأوساخ ونسعى لتنظيف الشاطئ منها، كذلك هي إختلافات الآراء التي نكتشفها وتصدمنا أحيانا لما يبدو لنا فيها من تناقض وبعد عن الحقيقة من قبل البعض، كما نسعد بما يوافق هوانا أو يدعم أفكارنا، وما نكتشفه من علم وحكمة من آخرين، وكلهم اخترنا بمحض إرادتنا أن يكونوا لنا أصدقاء، فلنسعى بجد وعزيمة على  المحافظة على صداقتهم جميعا وذلك بالعمل على ألاّ يتحول الإختلاف في الرأي إلى خلاف حاد أو- لا قدّر الله-  إلى عداوة وتنافر نخسر بها ما بنينا من صداقات ولو في العالم الافتراضي، والتي سوف تتطور حتما – إذا أحسنا رعايتها- إلى حلقات تواصل بين أفراد المجتمع، يستعيد بواسطتها بناء الثقة التي كان ينعم بها أفراده عبر التاريخ، والتي قوضّتها يد العصابة التي عبثت بالبلاد والعباد خاصة في العقود  الثلاثة الأخيرة؛ و لنجعل نصب أعيننا وغاية نقاشنا البحث عن الحقيقة ونحن الذين يردد أغلبنا الحديث الشريف ” الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها ” وقول السلف المشهور “رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”.

          وفي هذه المرحلة بالذات، يجب أن يكون هدفنا الجامع  كيفية الوصول إلى بناء دولة العدل والقانون التي تكفل الحريات لجميع أفرادها و إقصاء نهائيا ” الإقصاء” والتهميش الذي عانى منه الشعب منذ فجر الاستقلال، وأول خطوة في سبيل ذلك ألّا نقوم نحن بما كنا نعاني منه “إلغاء أو تحقير الرأي الذي لا يعجبنا أو لا يوافقنا ” والطامة الكبرى أن يصل بنا الحال إلى التخوين أو التسفيه والنبش في النوايا، ولنعلم أن أسلوبنا في الخطاب هو رسولنا إلى الآخرين، كما هو عنوان غايتنا من النقاش وفي أغلب الأحيان يحدد نبرة الرد ومضمونه، فإذا أردنا أن تصل فكرتنا أو تحظى بالقبول فلنختر الرسول وما رسولنا إلا الكلمات التي نخطها بأيدينا، فلنحرص على ألّا تكون معول هدم تدكّ جدار الأخوّة والتعاون الذي يجب أن يكون عليه أبناء الوطن الواحد، ولنعلم كذلك أنه مهما توخينا من حذروأدب مع مخاطبينا فسنجد من يريد الفتنة والتشويش، و من يسعى  بالنزول بنا إلى هاوية القذف والبذاءة فما علينا إلا إلغائه من صفحتنا، ولا نتركه يفسد علينا هدوئنا ووقارنا.

            إن الحراك السلمي المبارك في الشارع، أثار حراكا فكريا لا يقل عنه أهمية – في نظري- فلقد أظهر ما تزخر به بلادنا من طاقات فكرية وأدبية وعقولا مستنيرة قادرة على الإبداع والإستشراف والتخطيط، وبحول الله على التسيير الناجع والبنّاء – اذا سلم قطار التغيير من الإنحراف –  ومن كل الأعمار والجهات؛ كما أخرج الحراك للعلن – وجعلها أمام مسؤولية كل الشعب – قضايا إحتكرتها بعض النخب في السلطة أو في المعارضة تستعملها متى تشاء في صراعاتها وحسب مصالحها الآنية وتجد لها حلولا ظرفية بعيدا عن رأي الشعب. لقد تبين كذلك أن هناك أياد خارجية لها أجنداتها من وراء تعقيد تلك القضايا، وأهمها قضية الهوية التي أعتبرها شخصيا من الألغام التي تركها الإستدمار الفرنسي كما ترك الألغام الحربية المبثوثة في الجبال وعلى حدودنا الشرقية والغربية، والتي حصدت العديد من الأرواح البريئة. لقد حاول جاهدا الإستدمار الفرنسي أن يسمّم الأجواء بين الجزائريين ويفرق بينهم بتفقيرهم وتهجيرهم من أراضيهم، وجعلهم قبائل تتصارع فيما بينها من أجل البقاء، كما حاول جاهدا أن يقرب منه مجموعة من أبناء الشعب وعمل على تشكيكها في أصولها وتمييزها في التعليم والصحة على قلة ما أنجزه طيلة قرن وثلث كما يشهد بذلك مؤرخوه، ولكن فشل فشلا ذريعا ولم يسقط في شباكه إلا القليل.

         فلنحذر من أن نقع كلنا مجددا في مخططات أعدائنا، ولنكن على يقين أننا كلنا ضحايا مسار أختير لنا، فلم يكن لنا كشعب أي قرار في ما برمج لنا فجر الاستقلال في السياسة والاقتصاد والتعليم والثقافة، بل كان إختيار نخبة وضعتها ظروف ما بعد الثورة في القيادة، واشترك في صنعها أفراد من كامل أنحاء الوطن لا تستطيع جهة أن تتبرأ منها، كما عارضها حينها أناس يمثلون كل أنحاء الوطن بتنوع توجهاتهم؛ وها نحن نتجرع جميعا نتائج فشل تلك الخيارات والفساد الناتج عنها والمستشري في كل القطاعات.

         إن عدونا الحقيقي هو الاستبداد الذي كتم أنفاسنا منذ ظلمة الاحتلال إلى يومنا هذا، لأنه بدون شك  لو استطاع الشعب أن يعبر عن رأيه بكل حرية لوجد الحلول لكل القضايا، والتي ما زادت إلا تعقدا واستفحالا بمحاولة طمسها أو معالجتها بأوامر فوقية؛ فلنتعاون جميعا بصدق وإخلاص على استعادة سيادتنا أولا وإبعاد شبح الاستبداد إلى الأبد وبناء مناخ من الثقة والتآزر في ما بيننا حيث يمكننا بكل هدوء وموضوعية التحاور في كل أمورنا ثم نتفرغ لإقامة دولة العدل والقانون التي يجد فيها كل منا مكانه دون شعور بالغبن أو التهميش.

         والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

                                                                                        الوادي 25/06/2019

                                                                                           د. محمد جاب الله

Share.

Comments are closed.