سويسرا العرب والمسلمين

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

لا شك أن هناك إجماعا إسلاميا ومسيحيا على أقل تقدير على قدسية القدس بالنسبة لأتباع الديانات السماوية الثلاثة ، وعلى هذا الأساس فإن مثل هذا الإجماع ينسحب على أحقية فلسطين في هذه المدينة المقدسة ، إذ لا يمكن قبول القدس عاصمة لغير فلسطين ، لأن هذا الواقع حينما يتحقق ، يتحقق معه الأمن والأمان لأتباع الديانات الثلاثة ، فيطمئن المسلم والمسيحي واليهودي على نفسه وعرضه وماله ، وعلى هذا الأساس تسقط كل مزاعم الصهاينة في أن عاصمة إسرائيل هي القدس ، واعلم أن من لم يهتم لوضع القدس عاصمة لفلسطين فهو غير مهتم بقدسيتها ، لذلك يمكن الوصول إلى أن القدس عاصمة لدولة فلسطين المستقلة هي بمثابة العاصمة الدينية المشتركة لأتباع الديانات السماوية . إن مثل هذا الطرح يدفعنا إلى البحث في سؤال جوهري بخصوص حاجة العرب مسلمين ومسيحيين إلى عاصمة اقتصادية وسياسية مشتركة تسهم في صيانة الحريات المتصلة بالحفاظ على النفس والعرض والمال ، ولتحيق ذلك يشترط أن تكون هذه العاصمة مستقلة عن الأنظمة القائمة في العالمين العربي والإسلامي على حد سواء ، ولا تحتكم سوى للقانون الدولي الإنساني وفق ما هو متاح في حدود الإمكان التاريخي والحضاري ، لذلك فإن مثل هذه العاصمة يمكن أن تكون ضمن دولة تمتاز بصفات وخصائص لا تتأثر بالمتغيرات الحاصلة بخصوص الدول العربية والإسلامية الأخرى ، هذه العاصمة الدولة فيها من السلطة التي لا تتعارض مع خصوصيتها التي تميزها وتنفرد بها وفيها من الإمكانيات المالية والمادية والخبرات المطلوبة ما يميزها كذلك ، وعلى هذا الأساس ، ومن هذا المنطلق ، يمكن القول : ما هو الكيان السياسي والاقتصادي والاجتماعي ، العربي و/أو الإسلامي ، الذي تتحقق فيه مثل هذه المعطيات أو الشروط ؟ أي كيان هذا من بين الكيانات العربية والإسلامية القائمة اليوم يمكنها الاضطلاع بمثل هذا الدور الريادي الحضاري على مستوى العالمين العربي والإسلامي ، ويقدم نقلة نوعية في ظل ما تتطلع إليه الإنسانية من أمن من الخوف وأمن من الجوع على حد سواء ؟ من ، من الكيانات العربية أو الإسلامية القائمة اليوم يمكن أن يتحول بخصوصيته بقصد التجاوب مع خصوصيات باقي أعضاء العالمين العربي والإسلامي حضاريا ؟
لكي نقترب من تحديد هوية هذا الكيان علينا أن نحدد موقفنا من بعض المشكلات القائمة على مستوى عالمنا العربي ، كأن نتساءل بخصوص ما أطلقوا عليه : ” أزمة الخليج ” ، فنقول :
أزمة الخليج أزمة من ؟ *
هل الخليج العربي عربي ؟ اسألوا الخليجيين والخليجيين فقط ، لا تسألوا باقي العرب ، اسألوا الخليجيين عن آمال وتطلعات الإنسان العربي ، اسألوهم عن العروبة وتاريخ العرب ، ثم اسألوهم عن أزمة الخليج هي أزمة من ، أهي أزمة السعودية ، الإمارات ، البحرين ، أم أزمة قطر ، هذه الأزمة صنيعة من ؟ لعل حكامنا في خليجنا ضاقوا من كل ما هو عربي ، فراحوا يبحثون عمن يخلصهم من عقدتهم تجاه العرب ، وتمنوا لو كانوا عربا من دون عرب ، فاشتدت حسرة القوم و ضاقوا بأقرب صوت يذكرهم في كل آن بجغرافية وتاريخ ووحدة مصير العرب ، ولما كان الصوت ينبعث من أعماق قطر جن جنونهم وغابت عنهم حكمة العرب حتى في جاهليتهم الأولى ، فكيف بهذا الكائن الغريب والعجيب يحمل جنسية قطر ، فإما أن تتبرأ منه قطر فتحبس أنفاسه ، فيكون مصيره أشبه بمصير الطائر المكسور محمود حسين المغيب قسرا على أرض مصر ، لم يتحمل القوم صوت الحرية ، فكم هو عظيم مسار الحرية ، وكم هو لئيم مسار الاستعباد ، نسي القوم أنهم من تراب وإلى تراب ، وإلا ما رضوا يوما واحدا بالاستعباد والاستبداد .
ما هو ذنب العرب ؟ *
اسألوا العرب عن الذنب الذي اقترفوه ، لن تجدوا من هو مستعدا للمرافعة باسم العرب ، لأن القوم لا يسمحون بذلك ، فهم العرب ، لكن من دون عرب ، وهم فقط المستهدفون في كرامتهم وأمنهم من دون باقي العرب ، ومن يتجرأ على رفع شعار الحرية سيكون مصيره مصير أبرياء الشام وبلاد الرافدين ، وأبناء اليمن وأحرار فلسطين . ما هو ذنب العرب، تصوروا لو كان كل العرب على دين الملك، أترك الإجابة لقراء العرب الذين يقرون ببراءة العرب براءة الصحفي المكسور محمود حسين المغيب في سجون ـ أم الدنيا ـ قلعة العرب.
ما هو ذنب قطر ؟ *
هل السبب هو قناة الجزيرة التي تملكها قطر، التي ملكت القناة ـ بتشديد اللام ـ لكل العرب، فصارت بحق صوتا لكل العرب، ماذا صنعت قناة الجزيرة بالخليجيين في خليجهم ؟ هل أساءت يوما إلى الحكام إن لم تخنكم الذاكرة ، فإن القناة لم تفعل ذلك ، لا من بعيد ولا من قريب ، فهي القناة التي وقفت غير محايدة ، على الأقل قبل فرض الحصار على قطر ، مما يحدث لليمن الشقيق ، فكانت تنقل الأخبار وفق ما تقدمه تقارير القيادة العسكرية لعاصفة الحزم ، لم تكن القناة محايدة ، وكانت من الحريصين على وحدة الخليجيين في مجلس تعاونهم ، وإذن: ما الذي أغضب القوم حتى فرضوا الحصار على قطر ؟ هل كانت قطر في صف النظام السوري مثلا ، هل ساندت مسعى إيران في سوريا ؟ ما الذي فعلته قطر حتى يغضب القوم إلى هذا الحد ؟ السبب الرئيس أن القوم كانوا رفقة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وكل الغرب الليبرالي الرأسمالي ينتظرون بفارغ الصبر نهاية الكابوس ، لقد كان بالنسبة لهم كابوسا ، وكانوا في تلك الليلة من صيف 2016 ينتظرون النتيجة ويستعدون لإعلان فرحتهم وتهنئة بعضهم البعض . الحمد لله لم يكن لهم ذلك ، ربما لأن صدق الأتراك ودموع رئيسهم على ما حدث لأبرياء رابعة مصر، وقبل ذلك لأطفال غزة ، أعمى أبصارهم وبصائرهم فلم يتبينوا الخيط الأبيض من الخيط الأسود من مخططهم البغيض والأحمق ، لم تسفر عملية الانقلاب في تركيا عما كانوا ينتظرون ويتمنون وقد كانوا فعلا يستعدون للاحتفال ، لكن فشل العملية غير المتوقع خيب كل آمال المناوئين لمسار تركيا الحضاري .
الكثير منكم يتذكر، من سجل حضوره يومها وهمه هم تركيا ومجتمعها وتاريخها، من كان صاحب السبق إعلاميا ورافق مواكبة الرئيس التركي للحدث ، من وقف لتوه إلى جانب تركيا من دون تردد ، ومن دون حسابات ، أليست هي قطر ؟ منذ ذلك الحين أقسم القوم بأن لا يغفروا لقطر صنيعها ، ألم تكن الدولة الوحيدة في العالم التي أدانت عملية الانقلاب الغاشمة ؟ خصوصا أن قناة الجزيرة نقلت للعالم الخبر وسجلت لتوها الموقف الرسمي القطري ، لم يتجرأ القوم على الجهر يومها بموقفهم المبيت ، حاولوا التستر وهم في حيرة من أمرهم ، زاد حقدهم ، وأكثر من ذلك عقدوا النية على إلحاق الأذى بقطر ، كل ذلك تمهيدا للتضييق على تركيا وإجهاض نهضتها .
للتوضيح أكثر ؟
من يصدق أن قطر تحولت بين عشية و ضحاها خطرا يتهدد دول الخليج ، هل باتت قطر ـ في نظر الخليجيين ـ أخطر من إيران ؟ إن رؤية دول الحصار مستنسخة من رؤية بني صهيون ومن ورائهم الغرب الليبرالي الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ، ربما تضنون أن هذه الأخيرة تقف على الحياد من مسألة الحصار ، أبدا ، إن الولايات المتحدة الأمريكية رفقة إسرائيل هي الآمر الناهي . وللعلم فإن مسألة حصار قطر بمثابة الورقة التي تخفي الغابة ، إذ لو كانت قطر هي مشكلتهم لأنهوها في سويعات وأوكلوا المهمة لقوات أمريكا وحلفائها بقاعدة العديد ، ونقلوا الحكم إلى من يريدون في جو مسرحي قريب إلى الهزل . وإذن : أين تكمن المشكلة ؟
المشكلة قي نظرهم : *
الولايات المتحدة الأمريكية وكل دول الغرب تقريبا ، ينظرون من نفس الزاوية التي تنظر منها إسرائيل المسألة تكمن في عدم الرضاء عن تركيا بمواصلة مسارها الحالي ، وأؤكد أن دول الحصار تنفذ ما يملى عليها من دون اجتهاد ، وحتى نفي السلطات السعودية لما تناقلته وسائل إعلام فرنسية لزيارة سرية قام بها ولي العهد محمد بن سلمان إلى إسرائيل ، فإنه يؤكد ما تمت الإشارة إليه من قبل ، المخطط يقتضي ـ حسب خبراء الفلسفة المنغلقة ـ أن يتم التضييق على تركيا من دون ضجيج ولا صخب إعلامي ، وحتى الزيارات المتوالية لوزير الخارجية ريكس تيلرسون للمنطقة تدخل ضمن ما هو مخطط ، إذ يجب التشويش أكثر وربح مزيد من الوقت ، لأن المسألة في نظرهم لم تعد مجرد نزهة خصوصا أنهم أخذوا الدروس من فشل العملية الانقلابية التي كلفتهم الكثير ، والتي لم يمض عليها أكثر من عام ، لذلك و لذلك فقط اجتمع هؤلاء وأولئك وتمت ” البيعة ” من دول الحصار ، وأسروا لبعضهم أن ” الخطر الإيراني ” لم يعد أولى الأولويات ، لعلكم تذكرون مغازلة بعض الدول الأوربية لإيران ، والظهور بمظهر المعارض لمسعى الرئيس ترمب في الاعتراض على الاتفاق النووي والسعي لرفضه ، كل ذلك فقط من أجل التلهية والتشويش والتدليس من أجل الإمعان في التحضير الجيد لإلحاق الأذى بالكيان الجديد المنبعث من أعماق التاريخ المعبر فعلا عن آمال وتطلعات أمة التوحيد .
سؤال محير : *
هل تستجيب إيران ، بمعنى : هل الإيرانيون اليوم على القدر المطلوب من اليقظة الذهنية والطمأنينة الروحية ، وأحسبهم كذلك ، قصد الوقوف جنبا إلى جنب رفقة أبناء تركيا في وجه مثل هذا الكيد القائم الكيد الذي سوف لن يفرق بين العرب والترك والفرس والكرد والأمازيغ ما داموا يوحدون الله وينهجون نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم .
لعلكم أدركتم ماذا تخفي ورقة حصار دولة قطر الشقيقة ، يجب أن يعي القادة الموحدون ماذا يحاك داخل الغابة . ” وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ، وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ” . الآية 105 من سورة التوبة .
ماذا يريد أصدقاء العرب بالعرب ؟ *
عرب من دون عقيدة التوحيد سيتحولون إلى عبيد ، هذا الذي يريده أصدقاء العرب بالعرب ، كان العرب في جاهليتهم يعبدون الحجارة ؟ الأسوأ أن الإنسان كاد يتحول إلى حجر ، فكأنه يبحث له عن مكان ، حتى لا أقول مكانة ، بمعنى منزلة ، تصوروا صنما يأكل ويشرب ، يتحدث ويعطي الأوامر ، تلك هي الحالة التي كان عليها عباد الأصنام ،وتلك هي أسوأ حالة كان عليها الإنسان،أسوأ من الأنعام هل عبد إبليس الأصنام ؟ هل عبدها بنو إسرائيل ؟ من كان يعبد هبل ؟ من حول العرب من حجر إلى بشر لهم مكانة ومنزلة أرقى بين الأمم ؟ عقيدة التوحيد بكل تأكيد ، خلصتهم من دائرة العبيد ، فسادوا وقادوا ، أعطوا الناس الأمان فعم السلام ، أمنوهم من الجوع ومن الخوف ، وعلموهم كيف يحسن الجار إلى جاره ولو كان على غير دينه ، يحفظ أمانته وعرضه ، لا يصخب ولا يغضب ولا يغتصب ، يكفيه نصيبه ويفرح به ، راض من دون سؤال ، ساع من دون توان ، راع متفان ، كريم من دون إعلان ، يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، رحماء إلى أبعد الحدود طمعا في رحمة الله ، لذلك ولذلك فقط تحول العرب وسادوا فكانوا بحق قادة فانقادت لهم الدنيا ولم ينقادوا إليها . أما أصدقاء العرب فيريدون من العرب أن ينقادوا انقياد العبيد ، يقطعون الرحم ويغدرون بذوي القربى ، لا وعد ولا عهد ولا أمان ، يقدمون المال رشوة ، ويأخذونه نقمة .
وجهة دول الحصار : *
هي أنظمة قائمة يجمعها عامل واحد، ويفرقها ما دون ذلك ، ما يجمعها هو فقدانها لمبررات ما تقوم عليه الأنظمة الحرة ، أي فقدانها لعنصري الرضاء والقبول ، هل يمكنكم إجراء استفتاء شعبي حر، نزن من خلاله مدى الرضاء والقبول الشعبي بهذه الأنظمة ؟ وحتى إذا نقلتم عملية الاستفتاء هذه إلى المجتمع الأمريكي أو حتى الإسرائيلي ، سوف لن تحصلوا على النتيجة التي تتوقعها مثل هذه الأنظمة ببساطة هي أنظمة مقبولة في الوقت الراهن من الإدارة الأمريكية والإسرائيلية فقط . واعلموا أن الحاجة لأي طارئ سوف يدفع هاتين الإدارتين إلى التعامل مع هذه الأنظمة كما يتعامل الإنسان الوسخ مع ملابسه الداخلية.
وجهة باقي العرب: *
باقي العرب ، بل كل العرب لن يتغيروا من تلقاء أنفسهم ، فهم غير آبهين بعالم القراءة ، ولا هم حاضرين ليأخذوا لهم مكانا يليق بهم من وجهة ما هو من علم التاريخ ، حكام العرب أفقدوا شعوبهم كثيرا من الأمل، ولم يعودوا يقاسموهم شدة الألم ، وأكثر من ذلك فهم غارقون ، فهل تتكرم إسرائيل وإدارة الرئيس ترمب بإخراجهم من محنتهم ؟ بكل تأكيد : لا ، لأن إسرائيل والإدارة الأمريكية اليوم غير قادرتين على الوفاء بما تطلبه منها دول الحصار ضد باقي العرب ، إن شروط تماثل العرب للشفاء غير حاضرة الآن ، بالنسبة للحاكم والمحكوم على حد سواء ، خصوصا أننا صرنا ننتظر الحل من خارج عقولنا ، أو نترقبه منحة من لدن الولايات المتحدة أو روسيا ، كأن يعيدوا الاستقرار ليمننا وعراقنا وشامنا ، وكل أوطاننا ، فقط لا يجب فقدان الأمل وليكن مثالنا في ذلك فلسطينيو الرباط وقادتهم ، ونهضة الأتراك وحكامهم ، لا حيينا إذا وجد اليأس طريقه إلى وجداننا ، ولا شهدنا إذا سلمنا للرداءة مقاليد أنفسنا ، لا تستصغرن المعروف ولو كان شق تمرة ، لا تحقرن حضورا ولو كان ابتسامة ، ولا تستبدلن ما هو أبقى وخير بزخرف من الدنيا يزفه إليك باطل .
وجهة العالم العربي عموما :*
العالم العربي اليوم ليس هو عالم قبل الإسلام وليس هو عالم الأيام الأولى لهجرة خاتم الأنبياء و المرسلين صلى الله عليه وسلم إلى يثرب ، وليس هو عالم أيام بني أمية ولا بني العباس ،ولا هو عالم ما بعد غياب الدولة العثمانية ، إنه عالم عربي فيه من ماضيه الكثير وفيه من عالم اليوم ما هو كثير،عالمنا العربي اليوم يرى صورته في ماضيه وفي حاضره إنسانا جديدا يبحث له عن صورة يقوم بها و تقوم به في عالم اليوم الذي لم تتضح بعد صورته بعد قرن على تلك الصورة التي حدد ملامحها اللاعبون تحت مظلة سايكس بيكو، حيث اللاعبون أنفسهم اليوم لا يسمحون بمكان لغيرهم في تحديد صورة إنسان اليوم، خصوصا حين يعلن الفاتيكان عن رغبته في توحيد الأديان وجعلها تراثية،وحين ينفرد ساسة الغرب في تحديد مفهوم الإرهاب وأدواته، وحين يعلن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أن شعوبا مثل شعوب عالمنا محدودة التفكير، ويراها بعض أكاديميي الغرب تابعة لا معنى لها سوى ما يحدده لها الغرب في حركتها و سكونها، وهو لا يراها بعضهم قادرة على التفكير أصلا، ويصفها بأنها لا تصلح إلا للتلفيق والتقليد ولا تصلح إلا أن تكون أرض تجارب يتحقق من خلالها الغرب من فعالية ممارساته وفضاعة أنانيته ، والغرب أيضا لا يريد لعالمنا العربي أن يقرأ ماضيه في عصر ابن خلدون وفي عصوره الذهبية التي يشهد عليها حاضر الغرب، كما لا يريد منه أن تقرأ مدارسنا وجامعاتنا أعمال العلامة ” أبو الوفا ” في علم الفلك خصوصا ما تعلق بــ ” اللا متساوية الثانية ” ، والتأمل في علاقة قوانين التاريخ بأوجه نشاط المجتمعات عند ابن خلدون ، وهو لا يريد له أن يقرأ تاريخه الحافل بكل ما هو جميل وكل ما هو إنساني تجسدت فيه جمالية الروح وجمالية الرضا وجمالية التفكير ، جمالية لا كجمالية الغرب التي هي جمالية جذبية ،كثيرا ما تستثني الآخرين من عالم الجمال ، بل وتعمل جاهدة على تشويه جماليتهم ، الغرب الذي لم يلجم هلعه وجزعه ومنعه الذي أتى على جمالية العالم فقبحها في أمريكا وآسيا وإفريقيا وعاب عليها إنسانيتها باسم إنسانية أوروبا ، حتى أن فيلسوفنا ابن نبي أخبرنا بذلك مبكرا قبل أكثر من خمسين سنة في وقت اشتدت فيه معاناة الشعوب المستعمرة ، أخذ وقتها يتحسس وجهة عالم فقد وجهته ، فعبر عن ذلك بصورة حدد من خلالها نزعة المستعمرـ بكسر الميم ـ في عالمه ، وموقف المستعمرـ بفتح الميم ـ في سجنه ، حيث قال :” فكيف يتأتى للعالم الإسلامي أن يبحث عن إلهام فلسفته الإنسانية فيما وراء تقاليده العريقة ..؟ إن حديثنا عن إنسانية أوربا لا يكون إلا حديثا عن نزعة إنسانية ” جذبية ” دون إشعاع ، وفي هذه الحالة نراها تعني ” إنسانية أوربية ” في الداخل ، و”إنسانية استعمارية ” في الخارج ، وهذه الأخيرة قائمة على أقبح المعادلات السياسية وأشنعها : ”فالإنسان” في عرفها مضروبا في ” المعامل” الاستعماري يساوي مستعمرا . ” (1) مالك بن نبي ، وجهة العالم الإسلامي ، دار الفكر طرابلس ـ لبنان ـ ص 18 .
أيا ما كان فإن المسألة تتصل بهلع الغرب وجزعه ومنعه الناتج عن عدم رضاه الذي لازمه طويلا ، وأيا ما كان فإن إشعاع النزعة الإنسانية الغربية يبقى محدودا بحدود ونزعة الرأسمالية الاستعمارية بكل تجلياتها ، وأيا ما كان فإن عالمنا العربي بكل تفاصيله يبقى في مرمى جشع وهلع الغرب المتمادي في لا إنسانيته ، والغرب اليوم كما كان بالأمس لا يريد لعالمنا العربي في مدارسه وجامعاته أن يقرأ ” مفهوم الثقافة ” عند مالك بن نبي ، وهو بذلك يريدنا أن نقرأ تاريخنا في تاريخه ، وإبداعنا في إبداعه وحضارتنا في حضارته ، وقانوننا في قانونه ، وأعرافنا في أعرافه ،وصورتنا في صورته ، هذا الذي يريده الغرب لعالمنا العربي ، فالعربي في تصور الغرب مضروبا في ” معامل ” التبعية يساوي كائنا مغلوبا على أمره مسحوقا في إنسانيته.
أما عالمنا العربي اليوم في نظر بعض حكامه فهو عالم جد متميز ” عالم جذبي ” لا يتسع لكل العرب ولا لكل ساسة العرب ، وهو بذلك صار عالما لم يتسع لأبنائه المهجرين الذين وسعتهم تركيا واستقبلتهم على حياء ألمانيا وسخرت من قدومهم فرنسا ، عالم عربي دون إشعاع وفوق ذلك فالغرب يريده عالما دون حياة ، أي وجهة لعالمنا هذا في ظروف الفتنة التي عصفت بشامه وعراقه ويمنه ، وأي صورة سيكون عليها بعد حين ؟ المصيبة إذا كنا نرى عالمنا هذا كما رآه بنو أمية يوم تشوهت صورة عالمهم في صورتهم ، فلم يشفع لهم ملكهم ولا جبروتهم ، فهل اعتبرنا من الذي كان بالأمس القريب بين الغرب وبين الرئيس صدام ، حينما رأى صدام حسين صورته في غير صورة عراقه وفي غير صورة شعبه وفي غير صورة أمته ، رآها فقط في عرشه دون أن يرى جزأها المشوه الذي رسمه له عدوه الذي غزا أرضه واستباح عرضه فلم ينفعه عرشه ولم ينفعه جبروته . أي وجهة لعالمنا العربي ونحن نسترجع موقف فيلسوفنا ابن نبي وهو يكتب أوراقه وينظر في صورة أمته من خلال صورة مأساة شعبه ، وينظر في صورة المعلم ابن باديس يخاطب فرنسا الاستعمارية : ” والله لو طلبت مني فرنسا أن أقول لا إله إلا الله ما قلتها ” ، ويرى صورته في صورة الشهيد العربي بن مهيدي الذي خاطب جلاده المحتل : ” أتلقنني الشهادة وأنا أموت من أجلها ” ، لقد نظر مالك إلى عالمه العربي في عالم أمته الكبير ، رآه بمثابة الجسد الواحد ، لا يقوم ولا يستقيم بواحد أو ببعض أعضائه فقط ، وابن نبي أينما قدر نهضة أمته فلم يكن يهمه سوى سلامة عالمه العربي في عالمه الإسلامي وسلامة عالمه الإسلامي بعالمه العربي ، لأن أي كلام عن النهضة بعيدا عن هذا التلاحم والتناغم هو مجرد كلام . إن مركز الثقل في عالمنا الإسلامي من وجهة نظر مالك أو من نظر وجهات أخر ، سواء كان في آسيا أو في غيرها ، فالذي كان يهم مالك هو جسد الأمة الواحدة الموحدة التي استوعبت أقواما وأعرافا وعادات وتقاليد وألسنا لم تكن لتتعارض مع مهمة الجسد الواحد الموحد الذي لم يكن ليجتمع في صورة الجسد الواحد ما لم تتمكن منه وتتمثل فيه عقيدة التوحيد .
أي وجهة لعالمنا العربي اليوم في مواجهة رؤية الغرب له ، الغرب المتباهي برأسماليته ، ورؤية بعض حكام عالمنا العربي المتباهين بعروشهم ، الذين لا هم لهم سوى هم الهم وسوء الظن وقلة الأمل وشدة الجزع . أي وجهة لعالمنا العربي ؟ الطريق لا يقف عند سؤالنا عن وجهتنا ، إنه لطريق طويل لا يقف عند عرش سلطان أو عند سلطان فقد عرشه ، أو عند حالة كحالة انقسامنا ، الطريق طويل وهو مع ذلك جد قصير لا ندري ولا نعرف مجاهيله ، وجهة عالمنا العربي نراها في وجوه ساستنا ، في إقبالهم وإدبارهم ، في سكونهم وفي حركتهم ، في سرهم وفي علانيتهم ، نراها في شعوبنا فهي جدا مثقلة ومنهكة غير يائسة تتطلع إلى شعاع من نور ، فلنتخلى عن سيء أنانيتنا وقبحنا ونتحلى بثوب الرضا فهو رأس مالنا ونلبس لباس الصائم وهو صائم والمصلي وهو قائم وحلة المنيب التائب ، عندها فقط تتغير صورتنا في عالمنا وصورة عالمنا في صورتنا ، حينها نرى قيمة عروشنا في قيمة شعوبنا وقيمة شعوبنا في قيمتنا وقيمتنا في قيمة رضانا حينها فقط يمكننا تحديد وجهة عالمنا العربي في وجهة عالمنا الإسلامي ووجهة عالمنا الإسلامي بوجهة عالمنا العربي جسدا واحدا موحدا معافى قويا سليما غانما ، حينها فقط يحترمنا الآخر ويقدر قيمتنا وحينها فقط تتحدد قيمة عروشنا وحينها فقط نسترجع ذوقنا وحسنا وجماليتنا بين العالمين موحدين في أغلى وأبهى صورة .
هل يمكن أن تتحول قطر فتحقق المطلوب ؟ *
إذا كانت دول الحصار ، خصوصا السعودية والإمارات ، لأن البحرين هي تابع بامتياز ، فعلى مستوى السلطة أي الملك وحاشيته ، فلا تصلح إلا أن تكون إقليما تابعا ، أما على مستوى غالبية الشعب فلا يمكن أن تشذ عن طبيعة ما ينتظر باقي العرب من تحديات . لعلكم تتساءلون بخصوص موقع النظام المصري رفقة دول الحصار ، إن الدور المحدد له من طرف الإدارة الأمريكية لا يعدو عنصر تشويش وتدليس وتحييد ، والغريب في المسألة هو موقف الإدارة الإيرانية إعلاميا وسياسيا من النظام المصري ، مثلهم مثل موقف إخوان اليمن ـ حزب الإصلاح ـ من حكام السعودية والإمارات ، فمن غير المفيد لهؤلاء وأولك التعلق بالوهم ، إن الصراع القائم بين الإخوان المسلمين كتنظيم دولي نواته تنظيم إخوان مصر من جهة ، وإيران كدولة من جهة ثانية ، هو صراع مصطنع لا يخدم أمة التوحيد في شيء ، وإذا كان لا بد من تنافس بين مشروع ومشروع فليكن وفق السلوك الحضاري لأمة التوحيد ، على أساس أن ما ينتظر أمة التوحيد من تحديات لا تسعه الرؤى الطائفية والحزبية في شيء يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ” حديث نبوي شريف ، رواه البخاري . لذلك ولذلك فقط إن الموقف المطلوب اليوم تحديدا تجاه الأنظمة القائمة والجاثمة على أرواح الناس وعقولهم في مصر والسعودية والإمارات ، يمكن أن نستمده من مواقف من عاشوا للمبادئ وماتوا عليها ، كموقف الإمام عبد الحميد بن باديس يوم قال : والله لو طلبت مني فرنسا أن أقول ” لا إله إلا الله ” ما قلتها .
إن دول الحصار ، وتحديدا السعودية والإمارات ، وفق ما تواعدوا عليه مع بني صهيون ، لا تقبل بقطر إلا أن تكون إقليما تابعا يأتمر بأوامرها وينتهي بنواهيها ، لذلك فإن قطر بين أمرين لا ثالث لهما إما وإما ، إما أن تنصاع وتقبل بطاعة السلطان وتقسم بين يديه على وجوب الامتثال ، وإما أن تختار طريقها إلى الانعتاق فتتحرر إلى غير رجعة .
مدى استعداد قطر للتحول : *
هل يليق و يصلح بقطر أن تحافظ على نمط الحكم القائم منذ أمد بعيد ، فالمتتبع للشأن الخليجي لا يمكنه أن يميز بين كياناته إلا شكلا ، أو ديكورا ، لذلك فإن قطر مرشحة للتحول تحولا جذريا يبعدها عن التأثيرات والمخاطر التي يمكن أن تطال الكيانات الأخرى ، فترسم مسارها ضمن محيطها وعمقها الحضاري ، وحتى يتسنى لها ذلك لا بد من توافر شروط نفسية وموضوعية .
1 ـ الشروط النفسية :
عندما يخرج أمير قطر أو وزير خارجيتها ليخاطب الناس ، تأكدوا أنه لا يتوجه بالخطاب لسكان قطر فحسب ، ولا إلى أعضاء الأسرة الحاكمة فقط ، فكأنه يتوجه بالخطاب ، أو هو يحاول أن يتوجه إلى أبعد من ذلك كله ، ليس الهدف هو الإدارة الأمريكية ، أو الاتحاد الأوروبي ، أو حتى هيئة الأمم المتحدة ، تلك دوائر يمكن أن يتواصل معها بالطرق المألوفة ، وسهل على قطر أن تتواصل وتبذل ما بوسعها لتحويل اهتمامات تلك الدوائر إليها ، وإذن : من هم المستهدفون بالخطاب أكثر ؟ المستهدف بالخطاب هو فضاء خاص ، لم تتمكن دول الحصار من إخضاعه وضمان ولائه ، لم يكفيها في سبيل ذلك الأموال الطائلة والفتاوى ( الدينية ) المعلبة ، إنه فضاء خاص ، أولئك هم أحرار العالمين العربي والإسلامي ، خصوصا الموحدين من أتباع أنبياء الله ورسله ، مثل هذا الفضاء تحتاجه قطر في مسارها على طريق التحول الحضاري ، فهل هي على استعداد للوصول إلى قلوب الناس وعقولهم على حد سواء ؟ تصوروا أمير قطر يتوجه إلى هذا الفضاء الخاص بالقول الفصل : ” إنني جئت لأضع على كاهلكم مسئولية المستقبل ” ، هذه الكلمات حينما تقال في قطر ويتوجه بها صاحبها لهؤلاء المستمعين ، إنما تعني أن مشكلة التحول على طريق النهضة أصبحت ذات شأن عظيم في ضمير العالمين العربي والإسلامي ، وذات مغزى في نفوس المسلمين والمسيحيين على محور ـ طنجة جاكرتا على وجه الخصوص ، ولكن من أين لقطر حل مشكلة كهذه .. ؟ إن للمشكلات الاجتماعية صبغتها التاريخية ، وهذا يعني أن ما يصلح لقطر اليوم قد ينعدم تماما مستقبلا ، وهو ما تم التعبير عنه من قبل : بحاجة قطر إلى التحول والتماثل العاجل للشفاء من الأمراض المتحكمة في أوصال دول الحصار فلو صح هذا بالنسبة لقطر في المستقبل القريب وصار ممكنا في حدود ما هو متاح ضمن الإمكان التاريخي ، فإن فائدته تنعدم إذا اكتفت قطر فقط بالبحث في إمكانية استجابة باقي الكيانات الخليجية لمنطق الحوار قصد الامتثال للشفاء .
2 ـ الشروط الموضوعية :
فالواقع أننا لو تأملنا خصوصية قمة التعاون الإسلامي التي احتضنتها اسطنبول للمسنا تقاربا بين القادة الذين استجابوا ولبوا الدعوة بتمثيل يليق بالمقام ، ونظرة منسجمة إلى حد بعيد مع تطلعات الأحرار ، وكأننا نشهد ولادة طبيعية لتصور ورؤية طبيعية صادرة في وسط تاريخي واحد ، إن مثل هذا التحول على أرض الواقع يوفر إمكانا موضوعيا يساعد على أن يختار كل كائن من هذه المكونات طريقه ضمن الكيان الجمعي المنبعث على طريق التحول الحضاري ، إن المسألة اليوم لا تقتصر على عمل فردي أو عرضي لا أثر له في واقع الناس ، اليوم يمكن الحضور من خلال سياسات شرعية تأخذ ما هو متاح من استعدادات وإمكانات .
المطلوب من قطر : *
المطلوب لا يأتيها من الخارج ، بل ينبغي أن ينبع من داخلها ، أي من داخل العقل القطري ، ملف التحول ليس بالأمر الهين البسيط ، فهل يستطيع القطريون أن يكونوا سلطة دون سلطة ، بمعنى سلطة متميزة قواما وأداء ، القطريون لهم الحق في امتلاك أسباب الرخاء والأمن ، وخصوصا حكامها كأسرة متميزة مهمتها الأساس الاضطلاع بقيادة قطر في سبيل تحقيق الأمن والرخاء ككيان سياسي ، اجتماعي واقتصادي خاص يمتد إشعاعه للعالمين العربي والإسلامي على وجه الخصوص ، والمستضعفين عموما ، يتجاوز إكراهات الأنظمة الاستبدادية ، بغرض مقاربة التحول الديمقراطي كسلوك حضاري ينظم نشاط الحاكم والمحكوم على سبيل الإلزام . من دون شك ، إن القيادة الجماعية المتاحة على مستوى الأسرة الحاكمة في قطر يمكن أن تصنع لها امتدادا وإمدادا ، امتدادا من حيث البعد الدستوري فتتحول إلى نظام ملكي أو أميري دستوري ، نظاما دستوريا على طريق التحول الحضاري ، ليس المطلوب أو المقصود هو تسليم السلطة في قطر لباقي العرب ، أو أن يسمح لأنظمة أخرى ، سواء تعلق الأمر بدول الحصار أو غيرها بالتدخل في الشأن القطري ، لا يمكن ائتمان هؤلاء وأولئك بأي حال من الأحوال ، أما إمدادا فالمقصود هو رؤية قطر للعالمين العربي والإسلامي ، إذ يمكنها أن تكون صمام أمان لمقاربة مسألة التحول الديمقراطي للشعوب العربية والإسلامية المسحوقة تحت وطأة الاستبداد . بكل تأكيد مثل هذا التحول المرتقب ، يمكن أن ترحب به دول كتركيا وإيران وماليزيا ، وتبغضه أنظمة كالسعودية والإمارات ومصر ، أما باقي العرب والمسلمين فدورهم غائب ، وفي أحسن الأحوال سيكون موقفهم الانتظار كمن ينتظر في غير محطة ومن دون تحديد لمدة الانتظار.
إن مثل هذا الطرح بخصوص حاجة قطر ، والحاجة إلى قطر ، إلى نقلة على طريق التحول الحضاري ، يبقى في حاجة إلى كثير من التفصيل ، وهذا من مهمة قادة قطر الذين أثبتوا للعالم امتلاكهم لكثير من المؤهلات والقدرات الذاتية حيث أثبتوا من خلالها أنهم فعلا ينطلقون من داخل عقولهم ، وفوق ذلك قدرتهم على توظيف كثير من الإمكانات والخبرات التي استوعبتها قطر ، والتي يمكن توظيفها أكثر من داخل المؤسسات التي تحتاجها دولة قطر الشقيقة على طريق التحول الحضاري . أيها الأحرار كم عزيمتكم هي اليوم قوية ، وكم هي ساحتكم اليوم نقية من الجزع الذي تعاني من ناره كثير من الساحات الأخرى ، شبابها يئن تحت وطأة لهيب الفتنة التي أعمت القلوب التي في الصدور، فلم نعد نعرف ما نقول ولم نعد نعرف ما نفعل حتى تشابهت أيامنا في سوادها وشؤمها وحسرتها الذي هو سواد قلوبنا وتشاؤم رجالنا وحسرة حرائرنا ، الحاقدون على أمتنا ينتظرون كي تتحول ساحاتنا كلها إلى صورة مشابهة للرقة والموصل ، خصوصا أنهم فعلوا الكثير من أجل ذلك وهم اليوم يفعلون .
الأحرار مطالبون أكثر من أي وقت مضى بالتواضع بعد الرضا ، مطالبون بالجلوس وتحسس الأرض حتى نتحسس القلوب التي في الصدور ، والجلوس اليوم قبل الغد قصد ضبط هلعكم في جانبه الإيجابي الذي هو الأصل في مسألة الهلع فتستحضرون خوفكم من الله وخوفكم على أنفسكم وأعراضكم وأموالكم ، من أن يحولكم الحاقدون إلى دائرة فتنة ، ولا يكون لهم ذلك إلا إذا تمكنوا من هلعكم في جانبه السلبي الذي هو الاستثناء في مسألة الهلع فيتحكموا في جزعكم ومنعكم فتستحضرون انتماءاتكم الضيقة وألوانكم السياسية البالية التي لم تعد تسعكم ، وبعضا من أفكاركم التي ثبت لكم كسادها ، فإما الأول وهو شأن الموحدين الذين هم على صلاتهم دائمون وبشهادتهم قائمون ، فبذلك وبذلك فقط يحالفكم النصر بإذن ربكم فيتحقق فيكم قول الله سبحانه :” يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ، والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم ، ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها ” الآيات 7 ـ 8 ـ 9 ـ 10 من سورة محمد .
إن عالمنا مقبل على كثير من التحولات المتصلة بعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وعلى مستوى علاقة الحاكم بالمحكوم فإن عالمنا مثقل بكثير من الركام المتولد نتيجة اتساع دائرة المظالم والمفاسد، عالمنا لم يعد يحتمل بقاء أنظمة استبدادية ظالمة، وأكثر من ذلك فإن مثل هذا التحول مرتبط بآجال واستحقاقات مرتبطة بنواميس الكون وقوانينه ، إن الظلم مؤذن بخراب العمران ، وإن مثل الخراب الذي لحق بأرض الشام الطيبة لن تخطئ آثاره الظالمين بأي حال من الأحوال .

بشير جاب الخير

Share.

Leave A Reply