حاجة الأمريكيين إلى منقذ أو ترياق

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

لا أستطيع أن أضمن مسار مثل هذه المقاربة من حيث الاستعداد على مستوى عالم الأفكار، وحتى في علاقة رؤيتنا للحياة من باب عامل القيم، من يستهدف الولايات المتحدة الأمريكية هذه الأيام في استقرارها وأمنها وأمانها، خصوصا أن المملكة المتحدة أو بريطانيا غسلت يديها إلى غير رجعة من الاتحاد الأوروبي لإدراكها أن هذا الكيان يحمل من بذور التصدع والضعف والألغام ما جعلها تبادر بالانسحاب وفك الارتباط، وربما التفكير في وسائل عازلة مستقبلا، وهي في الوقت ذاته غير مطمئنة إلى حليفتها التاريخية الولايات المتحدة الأمريكية لأنها لم تعد متأكدة من صلاحية وصحة عوامل إتحاد هذه الولايات وتناغمها ودرجة استجابتها لإثراء وبلورة أسباب النجاح والرقي رغم كل العقبات التي كانت قائمة . إن الولايات المتحدة الأمريكية اليوم تعاني كما عانت كثير من الكيانات التي ملأت الدنيا هيبة ورعبا وخوفا، فهي اليوم كمن يتعرض لعملية تسميم، والسم في هذه الحالات يمرر من أقرب نقطة للمستهدف، والمستهدف يؤتى من الداخل، بمعنى من خلال الدوائر الأقرب إليه، لقد استهدف بعض رؤساء الدول وملوكها من أقرب الناس إليهم أو من مندسين داخل الدوائر الضيقة ضمن النسيج العائلي، أو مفاصل السلطة الخفية، وبقي بعد ذلك السر محفوظا، بل بات من قبيل الغائب الذي لا يرجى حضوره . الولايات المتحدة قوية بمجتمعها الذي قام واستقوى لما اطمأن الأسود إلى الأبيض، والجنوب إلى الشمال، والمسيء إلى المحسن، والنصراني إلى المسلم، والمهاجر إلى المواطن، واجتهدت النخبة في مد جسور التواضع والقبول، وساعد على ذلك هجرة كثير من أمخاخ أوربا وآسيا و إفريقيا، خصوصا خلال الفترة العصيبة التي مرت بها أوروبا خلال الحربين العالميتين من القرن الماضي . لعلكم بعد هذا، ستتطلعون إلى معرفة مصدر الخطر الذي لاح إلى الأفق وبات يهدد هذه الولايات الأمريكية، فهو يراها اليوم ولايات، بل كانتونات، ليس على شاكلة الاتحاد السويسري، بل ربما يريدها ولايات من دون ولاء، وغايته أن يضمن إليه كل ولاء، فهو يجتهد إلى تجريدها من عوامل الولاء إلى الاتحاد الأمريكي، وكأنه يريد أن يحول ولاء أبنائها مكرهين إلى وجهة غير وجهة الاتحاد، وجهة تتميز أكثر بالانغلاق، تأخذ ولا تعطي، تتميز عن كل الكيانات بفكرها المنغلق جدا الذي لا يسمح بعملية الاختراق، يتميز أيضا بمرونة في التموقع، خصوصا أنه يتجنب الأضواء حتى وإن كانت جدا خافتة، هذا الفكر هو مصدر السم المسرب لكيان الاتحاد الأمريكي، إلى الحد الذي بات فيه الأمريكيون لا يفهمون ماذا يجري بالذات في عقر دارهم، بل داخل مكاتبهم الخاصة وأروقتهم الضيقة، ومن نتائج ذلك صار الأمريكيون لا يفهمون طبيعة ( الجرأة ) الروسية على الاقتراب من خصوصية الاتحاد الأمريكي، هذه الخصوصية التي لم تكن محل مساومة أيام الحرب الباردة في ظل الاتحاد السوفييتي، دون أن يتمكن إلى حد اليوم وبالأمس القريب الساسة والخبراء الأمريكان تبرير ذلك، يمكن أن تكون عملية التسميم قد فعلت فعلتها بهيبة ورهبة الأمريكان . لا أستطيع أن أضبط عقارب الساعة بخصوص مرجعية عالم اليوم في ظل عملية خلط الأوراق والتلاعب بأمن الإنسانية وأمانها، وعلى هذا الأساس لا يمكن التأكد من قدرة الأمريكيين على المناورة قصد التخلص من الأخطار المحدقة باتحادهم ووحدتهم واستقرارهم وسلامتهم.

حاجة الولايات المتحدة لبريطانيا

يمكن أن يتبادر، أول ما يتبادر إلى الأفهام، حاجة الاتحاد الأمريكي إلى السلاح أو المال، أو التكنولوجيا، أو مساعدة مادية، المسألة ليست كذلك، خصوصا أن الرئيس دونالد ترمب أكد ( سخاء الإدارة الأمريكية ) تجاه الخارج في عهد من سبقه إلى البيت البيض، وأهمية تخفيض الدعم الذي كانت تقدمه، والحاجة إلى تلقي المال مقابل الخدمات والتسهيلات التي تقدمها أمريكا لأصدقائها على وجه الخصوص، وإذن ما الذي تحتاجه الولايات المتحدة الأمريكية من بريطانيا، وليس من فرنسا، لأن هذه الأخيرة ليست أحسن حالا من الذي عليه الاتحاد الأمريكي، بريطانيا يمكن أن تقدم الكثير للإتحاد الأمريكي بجميع ولاياته، إن بريطانيا التي تسببت في وعد بلفور قبل مائة سنة تحديدا، ودعمت الكيان الصهيوني كثيرا، وجدت نفسها في دائرة المستهدف من هذا الكيان المنغلق، لعلكم تذكرون التسريبات التي وردت عن قناة الجزيرة الإخبارية بخصوص الجوسسة والترتيبات القائمة من أجل الإمعان في التحكم في مفاصل الدوائر الفاعلة داخل المجتمع البريطاني، وخصوصا دوائره السياسية والمالية، وحتى الاجتماعية، أليس كذلك ؟ إن النخبة على مستوى المملكة المتحدة على قدر كبير من اليقظة وهي جد متمرسة في هذه المسائل، وما السبق الذي سجلته بخصوص فك الارتباط بالاتحاد الأوروبي سوى دلالة كافية على احتياطاتها القائمة والفاعلة، النخبة داخل النسيج السياسي والجمعي البريطاني لم تنخدع بالطبخة الجديدة المنبعثة من أعماق التاريخ، التي يعكف عليها الفاتيكان في أيام الناس هذه، وكثيرا ما اعتكف، ليس لعبادة الله سبحانه، ولكن طمعا في العودة إلى سابق عهد الكنيسة، خصوصا الكاثوليكية أيام السنوات العجاف والظلام الحالك الذي أحاط بالقارة العجوز لقرون، كانت الكنيسة العدو اللدود للفكر والعلم والعلماء، وحتى في أوج عطاء الفكر العلماني، ليس اللائكي بطبيعة الحال، لأن الفرق جد كبير بين هذا وتلك، الفكر العلماني الذي أبطل مفعول سطوة الفكر الديني الكنسي وليس فكر النصارى الأحرار الذين كانوا بحق النواة الأساس للفكر العلماني السليم، من لا يذكر، ربما الكثير منا لا يعرف ” ميشيل سرڨيه “، هذا المفكر أحرق بسبب الفكر الديني الكنسي الذي كان وراء محاكم التفتيش، أما نص قرار المحكمة فهو الآتي : ” نحكم عليك، ميشيل سرڨيه، بأن توثق وتسحل حتى ميدان شامبيل وتربط على عامود الفضائح وتحرق حيا أنت وكتبك المطبوعة والمخطوطة، تحرق على نار هادئة حتى يمتد عذابك ويتحول جسدك إلى رماد . وهكذا ستنتهي أيامك لتكون عبرة لمن يسلك طريقك ” (1) . الرجل لم يقل إلا حقا، ذنبه أنه عارض فكرة التثليث، الرجل النصراني كان موحدا، لذلك حكموا عليه بالحرق، هذا هو الفكر الديني الكنسي الذي يطل على الإنسانية رواده اليوم من خلال الفاتيكان أملا في تخليصه، ليس من جرم التثليث وكل ألوان الشرك التي لم تقنع أحدا سواهم، وكانت سببا في إلحاد كثير من الناس إبان القرن العشرين على وجه الخصوص، شعار الفكر الكنسي اليوم هو تخليص الإنسانية من خطر الإسلام، أتدرون لماذا أعدموا ميشيل سيرقيه ؟ لأنه استشهد بالقرآن الكريم تفنيدا لدعوى التثليث وتأليه سيدنا عيسى عليه سلام الله، المؤرخ البريطاني الشهير إدوارد جيبون سكنه كثير من الألم والحسرة حين قال : ” اشعر بالخزي والفضيحة حتى الأعماق من حرق ميشيل سرڨيه، أكثر مما يمكن أن تثيره الجبانات الآدمية لكل من تم حرقهم في محاكم التفتيش في إسبانيا والبرتغال ” (2) . أحرقوا المفكر واحرقوا أوراقه، الأوراق التي لم تكن لتسقط لأن الفكر الديني الكنسي أعجز ما يكون أن يطمس النور المنبعث من رماد تلك الأوراق الذي أشع إسبانيا والبرتغال وكل أوربا فيما بعد، لقد توارت الكنيسة لمدة عن الأنظار حيث كانت مثقلة بجرائم إبادة أهل الفكر والعلم من أمثال عالمة الرياضيات” هيباثيا ” ( 370 415 م ) ابنة الفيلسوف الفيثاغوري ثيون، المعلمة قضت تحت التعذيب بإحدى الكنائس، لأنها لم تؤمن ولم تسلم بالبهتان . أمثال هيباتيا وميشيل سرڨيه، أو تلك المصابيح المضيئة داخل المجتمع البريطاني اليوم هي أكثر جرأة على كشف خيوط ما يحاك ضد أوروبا وأمريكا والمجتمع الإنساني ككل، لعل النخبة داخل المجتمع البريطاني تمد الاتحاد الأمريكي بما يلزم من ترياق لأجل التخلص من خطر السموم التي تم تمريرها بدهاء ومكر رهيب.

دور تركيا المرتقب

ماذا يمكن أن تقدم تركيا للأوربيين الذين اعترض ساستهم على انضمامها إلى اتحادهم، الذي سرعان ما طلقته بريطانيا، بل كأنها خلعته، تصوروا لو كان الأتراك منغلقين تجاه عمقهم الثقافي والحضاري الذي يئن إنسانه اليوم ضمن دائرة التخلف، لكان الغرب احتواهم وسلبهم هويتهم، أو ربما احتواهم الاتحاد السوفييتي مثلا، لأن انغلاق الأتراك لم يكن ليحدث في غياب فكر منغلق أو فلسفة منغلقة خاصة بهم، وفوق كل هذا لم يكن الأتراك يريدون شرا بأوروبا، وإلا فإن الفرصة كانت جدا مواتية أيام العز العثماني للزحف على القارة العجوز واحتوائها بالقوة، ولكانت الإبادة عنوانها أيام الفتوحات القادة السياسيون والعسكريون على السواء آنذاك لم تكن تعنيهم أرض الأوربيين ولا ما تحتويه، لم يكونوا يرغبون في احتلالها وسحق شعوبها مثلما فعل الاستعمار الغربي بعد ذلك حين احتل أرض المسلمين وأحرق أطفالهم ونهب خيرات أرضهم، وأباد الملايين . تركيا اليوم لا تحمل مشروعا يهدد أمن أوروبا، أو أمريكا واستقرارهما، والبريطانيون يدركون ذلك جيدا، ومجلس العموم البريطاني مقتنع بذلك، إن بريطانيا يمكن أن تجد اليد التركية ممدودة كفاية لمواجهة الأخطار المحدقة بأوروبا والاتحاد الأمريكي على السواء، إن الذي أغضب مجلس العموم ويغضبه هذه الأيام أغضب تركيا مرارا، والإساءة للبريطانيين خصوصا، والأوروبيين عموما سبقتها الإساءة للأتراك وكل المسلمين، إمكانية مساهمة تركيا إلى جانب بريطانيا ليس حديثا عابرا ولا هو من قبيل ما يتداوله الإعلام المرئي والمطبوع، إن تركيا اليوم تضطلع برسالة من صميم محفوظات التاريخ تبرئة للذمة وإيمانا بقضية الإنسانية العادلة في سبيل التخلص من أوحال الاستبداد .

بداية الانحدار أو كلمة السر تجاه التاريخ

لم يكن ساسة بريطانيا، وتحديدا النخبة على مستوى مجلس العموم يتوقعون ما حدث أو دبر ذات يوم من خريف 2001، لأنهم كانوا يتوقعون طي صفحة القرن العشرين على أمل الجديد السعيد الذي يمكن معه تسليم مشعل قيادة العالم لأبنائهم من دون ضجر ولا ألم، الذي حدث أخاف كثيرا من الأدمغة وأهل الرأي، وجعلهم لا يطمئنون كثيرا على المستقبل القريب، فبدل أن تنحو الولايات المتحدة الأمريكية منحى يكون في مستوى تطلعات العالمين إلى السلم والأمن والأمان، والانفتاح على كل فكر يسر الأنفس ويمحو عن الأبصار غشاوتها، خرج إلينا القوم بالخبر (اليقين) الذي ما انفك العالم يجر آثاره الوخيمة، مفاده أن ( وعد بلفور) لم يأت أكله وأن الوعود التي اقتطعها وأخذها الإسرائيليون على مدى قرن من الزمن زورا وتضليلا لم تشبع نهمهم، وما على الولايات المتحدة الأمريكية سوى التفرغ، بل القيام بما هو واجب تجاه ( مظلومية ) بني إسرائيل وليكن مثالهم في ذلك قرار الفاتيكان بتبرئة اليهود من دم المسيح عليه السلام، ولن يتأتى ذلك إلا بعقد جديد، لذلك لا نستغرب وجهة ساسة ( الغرب ) هذه الأيام نحو الفاتيكان، هذه هي كلمة السر، أوالعلامة الأساس التي تنذر بقرب تهاوي سلطان الولايات المتحدة الأمريكية،هذا الذي تفطن له جهابذة الفكر على مستوى مراكز صنع القرار البريطاني الذين وقفوا على آثار الوعد البلفوري المشئوم، ومنهم من نبه إلى أهمية التخلص من تلك اللعنة التي باتت تلاحقهم، والعمل من أجل التكفير عن تلك الخطيئة،هذا الذي نتمناه من مجلس العموم البريطاني ومن حذا حذوه خدمة للمملكة المتحدة والاتحاد الأمريكي وكل الإنسانية التي تتطلع إلى الأمن والأمان . وكما حدثت الهجرة من بريطانيا إلى أمريكا ذات يوم، وانتقل بعدها مشعل المدنية على طريق النهضة من أوروبا إلى العالم الجديد، فإن الترياق سيأخذ طريقه هذه المرة من بريطانيا إلى الاتحاد الأمريكي، لأن بريطانيا تغار ولا تقبل أن تذهب تلك النهضة أدراج الرياح، خصوصا أن بريطانيا كشفت بسهولة كذبة أفريل التي روجت كثيرا للخطر الداهم من الشرق الذي يشكله المسلمون على أوروبا وأمريكا، وفوق ذلك صوروا تركيا بوابة لذاك الخطر، بريطانيا هذه المرة تبدو منكفئة غير متفتحة على ما يروج، لأنها أدركت أن إسرائيل والفاتيكان وراء الكذبة، وأنها تستهدف أول ما تستهدف المنظومة المؤسساتية في حدود دائرة الحكم البريطاني، وأن عملية تخويف الإنسان الأوروبي والأمريكي وحتى الإفريقي من الإسلام كشف خباياها الأوروبيون أنفسهم . وما هو غائب اليوم، الدور الذي كان منتظرا من الألمان إلى جانب بريطانيا، هؤلاء الذين اكتووا بنار الحربين المدمرتين اللتين شهدهما العالم خلال القرن الماضي، لا أدري كيف تم تجاوز فكرة تفعيل الصراعات المصطنعة داخل الجسم الأوروبي وقتها ؟ هل الألمان اطمأنوا كفاية من تلك البذور القاتلة التي لم يرحم أصحابها أي عرق من أعراق أوروبا ؟ واليوم الذي نشهد فيه تباهي بوتين وتعاليه ونشوته أمام أقرانه الأمريكيين والأوروبيين على حد سواء، لا يسعنا سوى التأكيد على فقدان الإنسان الغربي ثقته بنفسه وثقته بقياداته وبمؤسساته التي أبدعت كثيرا في مجال المدنية، فبدل الاطمئنان أخذ الشك طريقه فملأ كثيرا من الفراغات، والأخطر أن الشك صار ممزوجا بكثير من الخوف على مصير أوروبا وأمريكا، ولم يعد يظهر القائد المحنك الذي يقطع الطريق على المغامرين، بل بقي الباب مفتوحا أمام كثرة من المغامرين الذين يسوقون للداخل الأوروبي والأمريكي أطنانا من الأوهام، وبدل الوصول إلى الوعد الذي يصدقه الإنسان الأوروبي ومعه إنسان القارات الأخرى، تحول الوعد إلى مجرد خدعة وأكثر من ذلك فهي خدعة مفتعلة الغرض منها إرباك الجميع في سبيل إرضاء الإسرائيليين والكنسيين المتعطشين إلى دماء أمثال هيباتيا وميشيل سرڨيه . لا شك أن وعد الرئيس ترمب بتحويل عاصمة الإسرائليين من تل أبيب إلى القدس واحدة من الوعود المقدمة كعنوان للمغامرة التي عكف على نسج خيوطها الفكر أو الفلسفة المنغلقة، أملي أن يتفطن البريطانيون والأمريكيون وكل أحرار أوروبا إلى ذلك قبل فوات الأوان، إن عالمنا منهك هذه الأيام ومكره أمام الذي يحدث للإنسانية داخل حدود اليمن والعراق والشام، والكل على موعد مع التاريخ، والأمل كل الأمل أن تقوم بريطانيا بتصحيح المسار بعد قرن على وعد الخيانة والعار.

العالم يتغير

نبدأ من الضربة الأمريكية لسوريا والموقف الروسي تجاهها، الولايات المتحدة اختارت مكان الضربة بعناية فائقة، مثل هذا الهدف تم تحديده من قبل، إضافة إلى أهداف أخرى، لا أتصور أن الغرض من هذه الضربة هو إحراج روسيا، السبب هو أن روسيا حليف للغرب في توجهه الرئيسي الذي هو أولوية الأولويات، ولا يمكن أن تقبل إسرائيل ولا حليفتها الولايات المتحدة الأمريكية بأي تأجيل، خصوصا أن الفاتيكان يحرص كل الحرص على ذلك، دون أن نهمل شبه الإجماع من قبل الاتحاد الأوروبي على ذلك، أولوية الأولويات هي محاربة الإرهاب، والإرهاب ليس هو داعش، لأن الولايات المتحدة الأمريكية بمفردها قادرة على سحق هذا التنظيم في وقت قياسي لا يتوقعه كثير من المراقبين العسكريين، الإرهاب في نظرهم هو الإسلام، وما دام الغرب غير قادر على تجريد المسلمين من عقيدة التوحيد، فلا بد من مواجهة هذا التحدي، والحل حسبهم يكمن في تنصير العالم، ومثل هذا لا يمكن أن يتحقق إلا بتنصير المسلمين،وذلك لن يتحقق إلا إذا اقتنع المسلم بأن مصدر الخوف والقتل آت من الإسلام، والخلاص يكمن في قبول التنصير، هذا الذي يريده الفاتيكان تحديدا . لذلك فإن الضربة التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية تجاه سوريا ليس سوى عملية خلط للأوراق لاستدراج أطراف إضافية إلى ساحة الحرب على أرض الشام على وجه الخصوص، حقا إن قصف الأبرياء في خان شيخون بالكيميائي تصرف إجرامي خطير لا يمكن تبريره ولا استساغته، لا نشكر الولايات المتحدة على تصرفها، لكن القول هو : اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرج المستضعفين في سوريا والعراق واليمن من بينهم سالمين، ذلك أنه لا إسرائيل ولا الولايات المتحدة الأمريكية ولا روسيا سوف يرضيها وقف الاقتتال بين الإخوة المتحاربين .

العالم سيشهد بعض المفاجآت التي لن تكون متوقعة، خصوصا بالنسبة للذين يربطون مصير الأبرياء من أطفال ونساء بالقوة الضاربة لأمريكا وروسيا، العالم مقبل على الجديد لأن الظلم بلغ حدا لا يطاق والأنظمة في البلاد العربية والإسلامية لم تعد تحتمل الاستمرار، ليس لأن الحكام سينزلون أو يتخلون أو حتى يسقطون من على كراسيهم،بل لأن الحمل بلغ حدا لا يطاق، لذلك فإن الولايات المتحدة ستقدم على أفعال تصب في هذا المضمار بالذات، وهذا سيعجل بتغيير في موازين القوى، ومن ثمة ستتغير بعض المعطيات، إلا أن الأساس في عملية التغيير سيكون ضمن ما نص عليه القرآن الكريم : ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ” الآية 11 من سورة الرعد .

السيد عبد الباري عطوان يقول عبر صحيفة رأي اليوم بتاريخ 4 أفريل 2017 : ” الضربة الصاروخية الأمريكية لسورية لن تسقط الأسد لكنها ستخلط الأوراق وربما تشعل حربا إقليمية أو عالمية .. هل قدمت روسيا صواريخ أس 400 للجيش السوري ؟ ولماذا كان بعض العرب أكثر المرحبين ؟ ومن سيشعل عود الثقاب ؟ ” . القول بأن الضربة الأمريكية لن تسقط الأسد، ليس لأن ذلك في غير مقدور أمريكا، بل لأن أمريكا لا تقبل ذلك، ولأن إسرائيل قبل أمريكا لم يشبعها عدد القتلى من الأبرياء ولا درجة الدمار الذي لحق بدولة سوريا، ويكون مثل هذا الكلام صحيحا لو أن أمريكا عجزت في يوم من الأيام على إسقاط الرئيس صدام حسين رحمه الله، وإذن فإن مثل هذا الكلام عاطفي جدا . أما القول بغرض خلط الأوراق فهو صحيح، الغرض منه إشعال حرب إقليمية، وليس عالمية، إقليمية بمعنى إستدراج أطراف إضافية من العرب والمسلمين لساحة الحرب المدمرة إمعانا في إلحاق الهزيمة بالمسلمين، وهذا يتوافق مع برنامجهم : ” القضاء على الإرهاب ” . وبخصوص ترحيب بعض العرب، فإن ذلك من صميم البلية، أما صواريخ أس 400، فإنني أستغرب التعويل على ذلك، واعلم أن روسيا ستقف نفس الموقف الذي وقفته يوم هاجم الأمريكيون العراق،هذا لو أرادت أمريكا فعلا إسقاط نظام الأسد، وهي للأسف الشديد لا تريد ذلك، واعلم أن الروس لا يستندون إلى عقيدة تدفعهم إلى التضحية من أجل الأسد، ولا نظام الأسد، ولا حتى من أجل سوريا قبل هذا الوقت، فما بالك وسوريا كدولة ومجتمع وتاريخ وممانعة صارت إلى ما صارت إليه . أما من يشعل عود الثقاب، فإن النار مشتعلة منذ ست سنوات، والمحترقون بلهيبها بالملايين . وقبل أيام قليلة اعتبر بعض إخواننا موقف أمريكا من الأسد حين صرح وزير خارجية ترمب بأن مصير الأسد سيقرره الشعب السوري، بالموقف المفاجئ، لأن إخواننا كانوا وما زالوا يبنون مواقفهم على أساس تصريحات الأمريكيين، ليس إلا، ثم من يستطيع أن يقترب من أطفال سوريا ونسائها ويسأل عن العدو والصديق، وإلى أي جانب يجب الوقوف ؟ رفض العدوان الأمريكي وإدانته غير كاف إلا إذا قلنا للظالم من أي جهة : يا ظالم، رضي بإسقاط الأسد أو فضل الاحتفاظ به . هل نفع مع العراق مثل هذه المواقف التي لم تستند إلى مبدأ،إن مثل هذا سيجعلنا ننتظر شيئا من روسيا، وفاتنا أن نقول لروسيا : يا ظالمة، ألم تقصف روسيا وتقتل أطفال ونساء سوريا بالأمس القريب ؟ إن الغرب وأمريكا تحديدا يستدرجون العرب والمسلمين أكثر لحرب إقليمية أكثر قتلا وأشد دمارا خدمة لأغراض إسرائيل والغرب الرأسمالي الليبرالي، ليس إلا . فهل من موقف يسمو فوق الطائفية القاتلة والقومية الباهتة ويتجاوز أغراضنا الضيقة، يأخذ في الاعتبار تطلعات المستضعفين والمسحوقين، ويفوت الفرصة على المستبدين، خصوصا الذين انقلبوا على اختيارات شعوبهم وسحقوا الأبرياء بالمدرعات في الساحات العامة على مرأى ومسمع الغرب الليبرالي ومنظماته ( الحقوقية ) .

العرب بكل تأكيد لن يتغيروا من تلقاء أنفسهم، فهم غير آبهين بالقراءة التي أمرنا بها الله سبحانه، ولا هم حاضرون ليأخذوا مكانا يليق بهم من وجهة ما هو من علم التاريخ، الحكام العرب أفقدوا شعوبهم كثيرا من الأمل، ولم يعودوا يقاسمونهم شدة الألم، وأكثر من ذلك فهم غارقون، فهل تتكرم إسرائيل أو الرئيس ترمب بإخراجهم من الأوحال ؟ أم أن شروط التماثل للشفاء غير حاضرة الآن ؟ بالنسبة للحكام، والمحكومين على السواء ؟ هل ننتظر رفقة حكامنا الحل من خارج عقولنا، أو نترقبه منحة من لدن الولايات المتحدة وروسيا، فيعيدوا الاستقرار ليمننا وعراقنا وشامنا وكل أوطاننا؟ لا يجب أن نفقد الأمل، مثالنا في ذلك فلسطينيو غزة وقادتها، ونهضة تركيا وحكامها، لا حيينا إذا وجد اليأس طريقه إلى وجداننا، ولا شهدنا إذا سلمنا للرداءة مقاليد أنفسنا، لا تستصغرن المعروف ولو كان شق تمرة، لا تحقرن حضورا ولو كان ابتسامة، ولا تستبدلن ما هو أبقى وخير بزخرف الدنيا يزفه إليك باطل . صبرا حرائر خان شيخون والموصل، لقد أحرق الظالم أكبادكن، وعول بعض حكامنا على عاطفة ترمب لتعيد لكن البسمة، فهل بقي لحكامنا عربا ومسلمين من كبد أو عاطفة ؟ من منا هو خارج دائرة الاتهام، وقف الاقتتال بين الأشقاء فرض عين أم فرض كفاية، إلى من نتوجه بهذا السؤال، لرابطة العالم الإسلامي، أم إلى الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين، هل القوم في عطلة أم أن مثل هذا السؤال يجب أن نتوجه به إلى القائمين على الأزهر الشريف، أم أن الفتوى في مثل هذه المسائل لم تعد من اختصاص مثل هذه المنابر، ربما سيطلع إلينا طالع يدلنا إلى الفاتيكان لعله يستدعي القوم إلى حوار، ليس على شاكلة الحوار من أجل ” توحيد الأديان “، ولكن من أجل التكرم علينا بالسلام والأمن والأمان.

بشير جاب الخير
9 أبريل 2017
 
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الإحالة : ( 1 )، ( 2 ) الدكتورة زينب عبد العزيز، مقالة تحت عنوان : ميشيل سرڤيه أو جبروت التعصب الكنسي، 30 03 2017، معهد الهوقار جنيف ـ

Share.

Comments are closed.