كيف كانوا وكيف أصبحنا !

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

عرفت بعضًا من مشايخ القرية التي أنحدر منها، وبعض الأمهات…وكأنهم مصابيح انطفأت وحلّ بعدها الظلام…وجوههم تضيء نورًا من كثرة الورع والوقار…

 لا يتحدثون في الدين ولا في الدنيا بأقوالهم… فالدين الذي قرأنا عنه في الكتب وتعلمنا بعضًا منه في المدارس… كان يسري  في أفعالهم اليومية، سواء تعلق الأمر  بالعبادات أو بالمعاملات…

قليلو الكلام ، كثيرو الأفعال…

لم يكن أحد  منهم يوصينا أو يأمرنا بشيء ، ويفعل النقيض… أو كان يحتم علينا شيئا من الفضائل عن طريق القوة…

كنا نتأسى بأفعالهم التي نلمسها في ملبسهم ومأكلهم ومشربهم وفي تعاملاتهم المختلفة…ومع كلّ الذي كنا ولا نزال نقوم به ، لم  نطبق عشر ما كانوا يقومون به.

الى اليوم نشعر أمامهم أننا صغار.

كان بعض مشايخ القرية يتنقلون على البغال و الحمير لزيارة الأهل والأقارب في قرى أخرى   بمناسبة العيد… وفي مناسبات أخرى …

لم تكن تمنعهم الثلوج  ولا الطقس المتقلب من القيام بالواجب… كانوا يحرسون على صلة الرحم ويوصون بها …

هم مدرسة في القيادة  والتسيير والاقتصاد وفي الأخلاق والنظافة والاعتماد على النفس والتكافل الاجتماعي…

لم نكن نسمع لا بالشرطة ولا بالمحكمة في وقتهم…ولا نعرف الاستيراد.

كان غطاؤنا وغذاؤنا مصنوع بالبيت.

مع أننا لم نكن نمتلك تلفازا ولا يتوفر بيتنا على الطاقة الكهربائية الا أن البسمة لم تكن تفارقنا،  والمرح هو ديدننا.

لم أكن أرى من يتخلف عن زيارة مريض أو حضور جنازة أحد من أبناء القرية بل كنت أرى بعيني من يذهب  الى قرى مجاورة لحضور مناسبات مختلفة وكان التواصل قد بلغ أسمى عطائه قبل أن يبدأ في الانحدار…

أدرس اليوم بعض المقالات أو الكتب العلمية وأشاهد برامج ثقافية في قنوات دولية أحيانا…يسعى أصحابها لبلوغ ماكنا نفعله بالفطرة.

لقد أعمت الدنيا الكثير من الناس ووصل الأمر ببعض العائلات الى قطع صلة الرحم بسبب نزاع حول قطعة أرض، أو على بعض فضلات اليورو التي تركها الوالد أو الوالدة…

أما التواصل فهو منعدم في الكثير من البيوت.

كنا ننتظر من التكنلوجيا أن تقرب البعيد فإذا باستعمالها السيء والسلبي أبعدت القريب !

نورالدين خبابة
24 أكتوبر2016

Share.

تعليق واحد

  1. صدقت
    الأخ نور الدين ، إحساسك في محله ، كم كان الإنسان وقتها يعيش معاني الأخوة والجوار ، دون أن يتكلم بها أو يسميها ، أو يرفع لها شعارا أو لافتة ، كانت الأسرة تجمع ، والقبيلة تجمع ، والقرية تجمع ، الأم تجمع ، والأب يجمع ، ومعلم القرآن يجمع ، والمعلم في المدرسة يجمع ،التواضع والقبول كان القاعدة والأساس ، صدق معنا الأب والأم والمعلم والعشيرة والحي والوادي والدشرة والمزرعة ، لأننا كنا فعلا أحرارا ، أما ، في أيامنا هذه ، صار من يتوجه للناس ، عبر شاشة التلفزيون بالكلام ، كأنه يقصف بيوتهم ومدارسهم ، ويحرق مداشرهم ، ويخرب مزارعهم ، فكيف يمكنه أن يصدق معهم فهو يتطفل عليهم في كل حين ، لذلك اختلت الموازين ، ولم نعد نشعر بما كنا نشعر به بالأمس القريب فلنصدق مع أنفسنا ، في بيوتنا ، ومداشرنا ، ومدارسنا ، ومزارعنا ، وقرانا ، ومدننا ، حينها فقط نكون أهلا ، يمكن أن يتحقق فينا قوله تعالى : ” إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ” ، وحينها فقط نكون أهلا للعناية الربانية التي لا تغيب . الأخ نور الدين ، أنار الله دربك ، أشعر بكثير من المرارة التي أراك تتجرعها ، الصبر هو مفتاح الفرج ، لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا ، فتتحول المرارة دواء أحلى من العسل .