جمال الدين حبيبي الذي أزعجهم حتى في مماته

Pinterest LinkedIn Tumblr +
ما كنت لأكتب عن وفاة والدي رحمه الله جمال الدين حبيبي، لولا أن بعض وسائل الإعلام الجزائرية بالأخص، راحت تروي حكايات كاذبة عن وفاته، وادّعت أنه كان طريح الفراش، وعانى من مرض عضال منذ مدّة طويلة، في حين يعلم الجميع أن قلم المرحوم لم يتوقف عن الكتابة إلى آخر لحظة في حياته، فهو وبعكس الإدعاءات، كان يُناضل بالكلمة، ويُجاهر بمواقفه الوطنية والقومية، ولم يكن يُفكّر إطلاقا في أخذ قسط من الراحة، لأنه وببساطة، كان يُؤمن بأن الجزائر لم تنل استقلالها كاملا، وأنه يتوجّب مواصلة النضال بالقلم.

كما أنه وفي ظلّ تكالب القوى الغربية والصهيوأمريكية على أمتنا العربية والإسلامية، كان يرى أنّه من الواجب عليه أن ينخرط بكل ما أوتي من قوّة من أجل الدفاع عن سيادة وكرامة الشعوب العربية والإسلامية، حقيقة أنني كنت أتعجّب في بعض المرّات من المواقف التي يتخذها بخصوص العديد من القضايا الوطنية والإقليمية والدولية، وأسأله ببراءة، عمّا إذا لم يكن قد أخطأ في حساباته، وكان يجيبني بهدوئه المعهود، قائلا لي “بُني لا يجب أن ترى ظواهر الأمور، بل عليك الغوص في بواطنها، ومعرفة من يُحرّكها، وذاك وحده من يسمح لك بمعرفة ما هو آت”، وبالفعل كنت أقف على صدقية توقعاته، ورؤيته لما يجري في الساحة، فعند بروز إرهاصات ما سُمّي بالربيع العربي، كان يقول لي دائما، إن مستعمري الأمس، قد خطّطوا لإجهاض الثورات الحقيقية للشعوب، وأنهم سيعملون المستحيل لدسّ السموم في صحن “العسل الديموقراطي” للحيلولة دون انتقال شعوبنا إلى الديموقراطية الحقيقية التي تنشدها، لأن هذا الغرب وبعكس ما يُظهره لنا، يعمل على تركيع هذه الشعوب لنهب ثرواتها وخيراتها، وأنه في حال ليبيا، فإن الأمور لم تُحسم باغتيال العقيد معمر القذافي، لأن المقاومة هي من ستقول الكلمة الأخيرة، أمّا بشأن سوريا فإن المعادلة مغايرة تماما، فلن يقو لا الغرب ولا أمريكا ولا إسرائيل وحلفائهم من أمراء الشرّ على زعزعتها، لأن سوريا بلد الحضارة، وهي قلب الأمة العربية النابض، وبالفعل، أجد نفسي اليوم أعايش الأحداث التي توقّعها، لكن فيما يتعلق بالجزائر، فقد كان يقول دائما، “لقد حرّرناها من فرنسا..فمن ذا الذي إستعمرها”، فبرأيه أن السلطة القائمة، لا تُمثل الشعب الجزائري، بقدر ما تُمثل شكلا جديدا من الإستعمار الجديد، وبأدوات داخلية، فالسلطة هذه عملت ولا تزال تعمل على اغتيال الطاقات الحية في الجزائر، واستراتيجيتها في ذلك، هي الكذب على الشعب، وتسخيره لخدمة مصالحها وليس العكس، ولم يكن يستغرب كثيرا، عندما تتأزم الأوضاع بين الحين والآخر، لكنه كان يتمنى دائما، أن تُؤدي تراكمات الأزمات، إلى استنهاض همم الوطنيين، وتكاثفهم وتلاحمهم، من أجل الإسراع بإخراج الجزائر من النفق المُظلم، وبالتالي استعادة الشعب لسيادته واستقلاله، وهو الأمر الذي كما قلت، أجبره على مواصلة النضال بالكلمة، عبر كتابة العديد من المقالات، التي لم تكن تجد من ينشرها، سوى الصحافة والمواقع في الخارج، أما الصحافة الجزائرية المكتوبة والتي سمّاها في إحدى مقالاته ب”صحافة أهل الكفّ وسياسة الهفّ في الجزائر”، فإنها ناذرا ما كانت تتجرّأ على نشر مقالاته، خوفا ربّما من أولي نعمتها، والمتحكّمين في خطّها وسيرها، وهذا برأيي ما جعل بعض العناوين في الجزائر، تُروّج كذبا لخبر “وفاته بعد مرض عضال ألزمه الفراش مدة طويلة” لأنه حتى وفاته أزعجت وأقلقت هذه الصحافة المأمورة، فآخر مقال كتبه تحت عنوان “أمراء قطر ينتشون بإراقة دم السوريين” كان بتاريخ 23 ديسمبر 2011، أي ستّة أيام فقط قبل وفاته، فالمرحوم جمال الدين حبيبي، ظلّ إلى آخر لحظة في حياته واقفا كالجبل، وكان يُحضر لجمع مقالاته وكتاباته لنشرها في كتاب، وهو الكتاب الذي أتعهّد شخصيا بإصداره بإذن الله، مع تضمينه بعض الوثائق التي يتوجّب أن ترى النّور ليطّلع عليها الشعب الجزائري، كما أُطمئن مُحبّي المرحوم جمال الدين حبيبي، بأن مسيرته النضالية لن تتوقّف، وسنُواصل على دربه، وسنقول كلمة الحق كما كان يقولها دائما، ولن يمنعنا من قولها أيّ كان، لسبب بسيط، هو أن جمال الدين حبيبي، واصل مسيرة النضال التي بدأها والده القائد الثوري “سي الميلود حبيبي” رحمه الله، منذ ثلاثينات القرن الماضي في صفوف الحركة الوطنية، وطوال سنوات الثورة المجيدة وبعدها، ولا يُعقل أن تتوقّف هذه المسيرة مهما كلّفنا ذلك من ثمن.

زكرياء حبيبي
إبن المرحوم جمال الدين حبيبي
3 يناير 2012

Share.

About Author

Avatar

تعليق واحد

  1. Avatar
    Abdelkader Dehbi on

    RE: جمال الدين حبيبي الذي أزعجهم حتى في مماته
    [rtl]”إنا لله و إنٌا إليه راجعون”

    بكلٌ خشوع وانحناء أمام هذا المصاب الجلل، وبكلٌ صدق، أسأل الله عزٌ وجلٌ أن يغفر لأخينا السيد جمال الدٌين ويتغمٌده برحمته التي وسعت كلٌ شيء. وأن يلهم ذويه الصٌبر والسٌلوان.

    عبدالقادر ذهبي. [/rtl]