عندما يدرك الناس أن الدولة تدار لحساب عصبة وليس لحساب أمة

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

تمر بلادنا الاسلامية في الفترة الراهنة بحالة مقلقة للغاية، حالة الركود السياسي، أو تحت رحمة سلطة الأمر الواقع، أو ما يطلق عليه في بعض اللغات الغربية ” الستاتيكو”، Statu quo

و “الستاتيكو”، هو مصطلح يستخدم في العلوم السياسية للدلالة على الجمود وعدم التغيير لبقاء الحال على ما هو عليه، وتبقى السلطة أو الحكومة أو الرئيس الذي يفرض على الشعب ولا يستطيع تغييرها بل يتقبلها ويتعامل معها على اعتبار أنها أمر واقع، و بالتالي تفرض سلطة الأمر الواقع بالقوة دون إجماع شعبي، لتبقى المغانم مغانما والمغارم مغارما، يصدق فينا قول القائل” عجَبًا لأمَّة ربُّها نورُ السموات والأرض، ولكنها تعيش في الظلام”..

أما في دول الغرب وتحديدا في القارة الأمريكية فمصطلح ” الستاتيكو” لا محل له من الاعراب في قوامسهم، سلبا أو إيجابا ومثال ذلك ما يجري هذه الأيام في الاروقة السياسية للجارتين كندا و الولايات المتحدة الأمريكية.

الحكومة الكندية، تقنن رسميا لمعاقبة مرتكبي الإسلاموفوبيا

في الوقت الذي تقنن فيه رسميا الحكومة الكندية، معاقبة مرتكبي الكراهية ضد الإسلام والمسلمين، أمريكا تضيق عليهم و تصادر حقوقهم؟ ففي كندا حيث نص مجلس العموم في جلسته الأخيرة هذا الاسبوع، وبموافقة 201 نائباً مقابل رفض 91 نائباً، على:

– إدانة الإسلاموفوبيا وأشكال العنصرية المنهجية والتفرقة الدينية كافة،

– الطلب بأن تتولّى اللجنة القائمة بشأن الإرث الكندي دراسة كيف يمكن للحكومة أن تطوِّر مقاربة حكومية شاملة للحدّ من أو لتقويض العنصرية المنهجية والتفرقة الدينية في كندا، بما يتضمّن الإسلاموفوبيا،وعلى أن تتخذ اللجنة من التوصيات ما قد تستعمله الحكومة من أجل تحقيق انعكاس أفضل للحقوق والحريات المكرّسة في قوانين الدستور بما في ذلك الميثاق الكندي للحقوق والحريات، الذي سمح بتنصيب وزراء من أصول إسلامية في كندا، وهذا هو معنى التجديد في سلطة التسيير والكفر بمصطلح “الستاتيكو” الذي تفرضه القوى المغرضة أحيانا على ساسة شعوبنا الاسلامية.

أمريكا تشدد الخناق على المسافرين من دول إسلامية

في ذات الوقت تحديدا، ها هي مغامرات جار كندا، دولاند ترامب الرئيس الأمريكي الجديد، يحاصر الإسلام و يضيق على المسلمين، إذ منع بقرار أخير هذا الأسبوع مواطني دول عربية جديدة من حَمل أجهزتهم الإلكترونية في الطائرات المتوجهة إلى أمريكا، وخص ترامب في لائحته الجديدة المغرب ومصر والأردن والكويت وقطر و والسعودية وتركيا والإمارات، إذ حظر القرار “نقل الأجهزة الذكية للمسافرين على متن تسع شركات طيران”. ويأتي قرار ترامب الأخير هذا، بعد قرارات سابقة في تشديد الخناق على المسافرين من دول إسلامية، ما أثار غضبا في أمريكا تمثل في مظاهرات واحتجاجات أمام المطارات، قبل أن تتطور إلى مواجهة مباشرة بين الرئيس الجديد والقضاء. وانحنى ترامب مؤقتا أمام العاصفة، فأصدر “أمرا تنفيذيا جديدا يحظر دخول المسافرين من ست دول مسلمة إلى الولايات المتحدة، واستثنى العراق منها”.

تشومسكي:”أمريكا المصدرة الأولى للإرهاب”

ما يجري اليوم على ألسنة الساسة في الغرب عموما و ليس ترامب و اليمين المتطرف عموما من الكيل بمكيالين للإسلام والمسلمين، أمر معلوم ومعروف وقد كتب عنه منذ عقود علماء من الغرب، كما كتب عنه علماء الشرق، و من علماء الغرب-من باب وشهد شاهد من أهلها- ننقل ما كتبه المفكر اليهودي ناعوم تشومسكي، في كتابه “من يحكم العالم” وتحت عنوان فرعي “النخبة.. صنفان” يؤكد تشومسكي أن قناعات الولايات المتحدة الحالية لها جذورها التاريخية، حيث شرعن الرئيس الأميركي “وودرو ويلسون”(1856-1924) الحروب في سبيل نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان والقيم الليبرالية. وتحاول الولايات المتحدة توظيف مقدراتها العسكرية وفائض السلاح تجاه مناطق النزاعات والصراعات التي ساهمت في اشتعالها بنيران الفتن الطائفية والحروب، حيث تتصدر أمريكا قائمة الدول المصدرة للسلاح. كما يؤكد تشومسكي “ان الظروف التي تسوق الناخبين باتجاه ترامب هي نفسها التي كانت وراء صعود الفاشية في القرن الماضي”. كما شرعنت لنفسها ما أسمته الحروب الاستباقية وحق التدخل إذ يعتبر تشومسكي أن احتلال العراق كان “جريمة القرن الحادي والعشرين الكبرى”، مؤججة “نيران الفتن الطائفية بين العراقيين وبعد أن انسحبت القوات الأميركية بات الفائز الوحيد هو إيران”.
 
أمريكا تسعى لخلق حالة جديدة لما بعد داعش

تحت عنوان “الولايات المتحدة المصدرة الأولى للإرهاب” يؤكد تشومسكي خطأ الولايات المتحدة باعتقادها أن مقتل قيادات الجماعات المتطرفة سوف يقضي على الجماعات، ويؤكد أن ما أسمته الولايات المتحدة “الحرب على الإرهاب” والذي بدأت شرارته في أفغانستان قد انتشر كالنيران في الهشيم ليمتد لدول أخرى من دول الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا، مما كلف الإنسانية ثمنا دمويا باهظا نتيجة هوس الولايات المتحدة بالهيمنة، ودعمها لمراكز وفروع الإرهاب الحقيقي. ومما أكد عليه تشومسكي  في ذات السياق، “أن الولايات المتحدة تسعى لخلق حالة جديدة لما بعد داعش، وتخطط لولادة تنظيم جديد أكثر وحشية وقسوة واستنزافا للموارد لتنفيذ مخططاتها الخبيثة في المنطقة”.

حينما يصرح ساسة في الغرب بأنهم لا يعادون الإسلام

ومن مفكري الشرق، يطيب لنا الاستنارة بما كتبه في العقود الأخيرة الدكتور مصطفى محمود في كتابه “الإسلام السياسي والمعركة القادمة” ، هذا العالم الموسوعي الذي جمع بين علم الأبدان و علم الأديان، إذ كتب رحمه الله: “حينما يصرح الساسة في الغرب بأنهم لا يعادون الإسلام وانهم ليسوا ضد الإسلام كدين، فإنهم يكونون صادقين بوجه من الوجوه إذ لا مانع عندهم أبدا من ان نصلي ونصوم ونحج ونقضى ليلنا ونهارنا في التعبد والتسبيح والابتهال والدعاء، ونقضي حياتنا في التوكل ونعتكف ما نشاء في المساجد ونوحد ربنا ونمجده ونهلل له فهم لا يعادون الإسلام الطقوسي، إسلام الشعائر والعبادات والزهد،  ولا مانع عندهم حتى في ان تكون لنا الآخرة كلها فهذا أمر لا يهمهم ولا يفكرون فيه بل ربما شجعوا على التعبد والاعتزال وحالفوا مشايخ الطرق الصوفيه ودافعوا عنهم ولكن خصومتهم وعداءهم هي الإسلام الآخر “..

خصومة ساسة الغرب وعداءهم هي الإسلام الآخر ؟

يقر المفكر الطبيب مصطفى محمود بسبب الداء و الدواء،

حيث يقول “خصومتهم وعداءهم هي الإسلام الآخر..

الإسلام الذي ينازعهم السلطة في توجيه العالم وبنائه على مثاليات وقيم أخرى..

الإسلام الذي ينازعهم الدنيا ويطلب لنفسه موقع قدم في حركة الحياة..

الإسلام الذي يريد ان يشق شارعا ثقافيا آخر ويرسى قيما أخرى في التعامل ونماذج أخرى من الفن والفكر..

الإسلام الذي يريد ان ينهض بالعلم والاختراع والتكنولوجيا ولكن لغايات أخرى غير التسلط والغزو والعدوان والسيطرة..

الإسلام السياسي -كما يحلو لبعضهم تسميته- أو الإسلام الذي يتجاوز الإصلاح الفردي إلى الإصلاح الاجتماعي والاصلاح الحضاري والتغيير الكوني؟

هنا لا مساومة ولا هامش سماح وإنما حرب ضروس.. هنا سوف يطلق الكل عليك الرصاص وقد يأتيك الرصاص من قوى سياسيه داخل بلدك الإسلامي نفسه.. “

تاريخنا بين قادة الفتح، وقادة الفكر

هذه أفكار أستاذنا المرحوم مصطفى محمود أصبحت واقعا معلوما بل ومعيشا بين الناس، وقد كتب غيره نفس القناعات بأساليب أخرى، أمثال مالك بن نبي في سلسلة كتبه والشيخ محمد العزالي في جانب آخر من مؤلفاته ومن المعاصرين  محمد سليم العوا ومحمد عمارة و غيرهم كثير.. هذه الأفكار التي كنا قد ألمحنا لها في كتابات اللواء الركن محمود شيت خطاب في مقالاتنا السابقة حول مفهوم “الاستعمار الفكري”، و هو العالم الموسوعي الذي جمع بين علم التاريخ  كباحث ومنظر،  وعلم  الواقع “المسلح” كضابط  متمرس في الجيش العراقي، حيث كتب حقائق غاية في الأهمية عن وضعنا الحالي، و كيف يعيد التاريخ نفسه، حيث كتب يقول رحمه الله “حمل رسالة الإسلام الخالدة إلى العالم في أيام الفتح الإسلامي العظيم نوعان من القادة: قادة الفتح، وقادة الفكر.

وكان قادة الفتح يعدلون ولا يظلمون، ويُفُون ولا يغدرون، ويجمعون ولا يفرقون، ويوحدون ولا يشتتون، لذلك اطمأنت الأمم إلى حكمهم لأنه أنقذهم من الظلم والبغي والعدوان.. وكان قادة الفتح قادة الفكر يبشرون بعقيدة سمحاء، ويترجمون نظرياتها عمليًا على أنفسهم، فكانوا التطبيق العملي لنظريات الإسلام حية تمشي على الأرض بأعمالهم.. فكرة وتضحية وجهادًا و فداء..

وانقضت أيام الفتح بعد أن امتدت دولة الإسلام من الصين شرقًا إلى أعماق أوروبا غربًا إلى سيبيريا شمالًا إلى المحيط الهندي جنوبًا. وانحسر مد الفتح الإسلامي بعد أن بلغ نهايته وحقق أهدافه، ولكن مد الفتح الفكري الإسلامي بقي طاغيًا حتى بعد ضعف المسلمين.

متى يفهم الاستعمار، أن القوة لن تدوم أبدًا، وأن الفكر هو الذي يدوم؟

وفي تاريخ الحرب قبل الإسلام وبعده عبر ودروس، فقد استولى الإسكندر وهانيبال وحكام الفرس واليونان والرومان والفراعنة… إلخ على كثير من مناطق العالم في فترة معينة من فترات الزمن.واستولى الصليبيون وموسوليني وهتلر.. إلخ على كثير من مناطق العالم في فترة معينة من الزمن.

ولكن مجرد انهيار حكم هؤلاء جميعًا أعقبه انهيار آثارهم من البلاد التي فتحوها..

أما الفتح الإسلامي، فهو وحده بقي فتحًا (مستدامًا) منذ كان حتى اليوم، لأن قادة الجيوش كان يدعمهم قادة الأفكار، فانهارت الجيوش وبقيت الأفكار. حتى الذين استطاعوا التغلب عسكريًا من غير المسلمين على المسلمين، تضاءلوا أمام العقيدة الإسلامية بعد حين، فاعتنقها منهم كثيرون وأصبحوا من روادها وحاملي رسالتها بين الناس. لماذا؟

لماذا يصبح الفرد منا، غير قادر على التضحية من أجل الوطن ؟

يجيب العلامة شيت خطاب بقوله” لأن المسلمين الأولين على الرغم من انهيارهم عسكريًا، كانوا يعتدّون بعقيدتهم ويؤمنون بأنها عقيدة بناءة لا تدانيها ولا تقاربها عقيدة أخرى.

وقوة السيف قد تطفئ فترة، ولكن قوة العقيدة أقوى من كل قوة وأبقى على هذا الزمن من كل سلطان.. ومضى عهد الاستعمار القديم، وجاء عهد الاستعمار الجديد.. لقد آمن الاستعمار الجديد، أن القوة لن تدوم أبدًا، وأن الفكر هو الذي يدوم..

أما ضياع بوصلة مسلمي اليوم و في عقر دارهم، فيصدق فيه مقولة المفكر عبد الوهاب المسيري، التي يقول فيها ” عندما يدرك الناس أن الدولة تدار لحساب نخبة وليس لحساب أمة؛ يصبح الفرد غير قادر على التضحية من أجل الوطن وينصرف للبحث عن مصلحته الخاصة”  ذلك داء أمتنا اليوم،  و عزاؤنا أن الله يدافع عن الحق و يعليه مصداقا لقوله تعالى{فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض} [الرعد: 17].

محمد مصطفى حابس
31 مارس 2017

Share.

About Author

مصطفى حابس Mustapha Habes

Comments are closed.