خواطر

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

“البافلوفية “المقيتة

ربما من الطبيعي جدا ان يشكل قطاعا ما اوجاع رأس للحكومات أكثر من سواه، ويكون أكثر طبيعية اذا ما كانت مشاكل القطاع الموبوء ذات صلة بتغيرات البوصلة العالمية. بحيث لا تحل تلك المشاكل إلا في إطار نسق دولي أو وفق ما تمليه مصالح الدول المعنية بالمشكل أو المشاكل، أما أن يكون القطاع المريض في دولة ما ذا طابع محلي ومشاكله محلية بحتة فذاك ما يفرض إعادة نظر جذرية تفضي ـ أول ما تفضي ـ إلى بروز أصبع اتهام تشير بلا ريب ولا شك إلى أن الموكل إليهم مهمة الحل هم جزء من المشكل، إن لم يكونوا هم المشكل عينه.

لقد بات من ناقلة القول الحديث عن مشاكل “المظلومة” التربوية عند كل مستهل موسم دراسي، وأضحى الوعد والوعيد سجالا سمجا بين الوصاية والنقابة )أو النقابات(  وتتخذ ملامح هذا الصراع ـ بل ونتائجه ايضا ـ منحى دراماتيكيا ضحاياه التلاميذ الأبرياء، الذين يتترس بهم هذا الطرف وذاك، على غرار الدروع البشرية في الحروب القذرة. أو قل عنه مصير الشجيرات و اللينات الغضة التي تدوسها سنابك الفيلة المتصارعة.
إن  ما لا مجال لاستيعابه بحال أو عذر الطرفين فيه، و الوصاية بشكل خاص، هو أن المنظومة التربوية الجزائرية يفترض أنها بمنأى عن لعبة الرهانات “الجيوستراتيجية” الدولية والإقليمية، ما يعني أن مشاكلها وطنية صرفة وحلولها كذلك. فإلى ما الإضرابات والاضطرابات إلى ما؟ وهذا التشنج والضجة على ما؟

إذا كان حسن التشخيص هو نصف العلاج فإننا لا نذيع سرا إن قلنا أن الحكومة لم تهتد )حتى لا تقول لا تريد أن تهتدي( إلى ترياق ناجع ينهي أوجاع المنظومة التربوية التي هي أوجاع التلاميذ مستقبل الأمة وأمل الشعب، فالمدرسة هي أهم قطاع للاستثمار، وأي بلد فشل في هذا الاستثمار محكوم عليه بالتخلف حتى ولو امتلك جيش الأطلسي ونفط الخليج وتكنولوجيا اليابان. وليست الطريقة “البافلوفية” التي تنتهجها الوصايا والنقابة معا بالطريقة المثلى لحل المشاكل، بل على العكس من ذلك. لا نتيجة ترجى من هكذا صراع عقيم يعصف بمستقبل شعب بأكمله في معركة يكون الخسران فيها لكل الأطراف، الحكومة ممثلة بوزارة التربية والمعلمين بنقاباتهم والتلاميذ بالتبعية. لأن وعود الوزارة سراب ووعيد النقابة “بزنسة” رخيصة. ولله درك يا نشء الجزائر.

نكوص ثم ردة

اذا كان يعاب على المرجعيات الدينية “المتسلفة” أنها اهتمت بنواقص الوضوء وزهدت في نواقص الإيمان حتى جرت الأمة فكرا وحضارة إلى دورات المياه ونستها هناك، فضلا عن ذلك الرضا المريب و غير المبرر من أمريكا عليها، والذي يناقض روح آية سورة النساء “ولن ترضى عنك اليهود و لا النصارى حتى تتبع ملتهم” … فإن نظراءهم  من المرجعيات الأزهرية انتقلوا من النكوص والقذارة التي كانوا يطلقونها زمن مبارك إلى فتاوى الكفر والردة التي يطبعون بها زمن انقلاب السيسي. لا شك أن الكثير قرأ بعض الفتاوى التي جادت بها قرائح “حاخامات” الأزهر من قبل “إرضاع الكبير” ونحوها أيام مبارك، لكن في زمن الانقلاب لابد ان ينقلب كل شيء على عاقبيه وهو ما تم حينما عمد عاملو الانقلاب في “قطاع الدين” إلى قلب الثوابت الفقهية والعقدية أيضا. فها هو سعد الهلالي يتقمص دور أبي زيد الهلالي في ساح الفتية ويصعق الناس بالتكرم على رأس الانقلاب وخادمه على الداخلية السيسي ومحمد ابراهي، وينصبهما نبيين كريمين بمقام موسى وهارون عليهما وعلى رسولنا السلام. وجاءت تلك الفتوى الكفرية صراحا بواحا كتتمة لمثيلتها التي اطلقها قبله مفتي “الدمار”علي جمعة في حق الإخوان الكفرة الخوارج الذين كفرهم بسبب “نتانة ريحهم” !
 
وهذه المساخر التي تفوقت فظاعتها وسفالتها على ثالثهما أحمد كريمة الذي ادعى قبلهما أن المجون والعري في مشاهد السينما هو بالضبط ما امتدحه القرآن الكريم في سورة الرحمان وأسماه “البيان” !! هذه الترهات وأخرى وغيرها هي التي تعمل على تكريس و تعزيز صورة الإسلام بكونه دين تخلف وإرهاب معا. مع أن المصطلحين لا علاقة لهما ببعضهما البعض إلا من حيث الأضرار بهذا الدين وتحبيط أتباعه.

بالله عليكم نسأل ما الفرق بين “داعش والجيا ” اللتان قتلتا وتقتلان، وأرهبتا وترهبان بـ “قال الله، قال الرسول”، وبين الانقلابين وأذنابهم الذين يفعلون الشيء نفسه و الجرم عينه بأسلوب نفسه أي “التكفير”؟
منذ يومين… يبدو ان مفتي مصر أو شيخ الانقلاب علي جمعة حن إلى الظهور بعدما انقطعت عنه دورة الطمث الإعلامي للأسابيع، خرج لينبش القبور ويثني على عبد الحليم حافظ الذي غنى لرسول الله (ص)” أبو عيون جريئة ” حسب ما ادعاه هذا الرويبضة. والله ما من جرئ على دين الله ومقام رسول الله إلا انت يا “أبو فتاوي خسيسية”.  هكذا هو حال الأمة المؤسف اليوم، التكفير سلاح المتصارعين والفتاوى على الهوى قنابل المتناشزين  و انزلاق سحيق في أتون متاهات السفسطة الصفيقة باسم الدين الذين أضاعه أدعياؤه الذين هم أعداؤه من العلماء “العملاء” و “العوالم” و دعاته الداعين إلى الويل و الثبور و عظائم الأمور. لقد ضاع المسلمين حينما ضاع دينهم بين دعاة الجمود من المتسلفة و دعاة الجحود من المتسفطة.

تدعيش “العرب وترهيب  الغرب

القضاء على أسامة بن لادن أدى إلى أفول نجم أسطورته القاعدية، ولم يشفع لها حتى الظهور المحتشم لخليفته الظواهري. فلم تعد القاعدة ظاهرة في عهد الظواهري، ومع احتراق “كارت” القاعدة الإرهابي طفق الأعداء مهرعين لإنتاج فزاعة جديدة يرهبون بها الناس لسنوات معدودات لاحقة. فاخترعوا “داعش” التي صنعت على أيدي وأعين “الموساد” و “السي آي إي “بغرض ” تدعيش” حياة البشر بكل بقاع الدنيا. والمصيبة أن “داعش”  كما القاعدة ضحاياها في معظمهم، بل 97%  منهم مسلمين. وبالتالي فالقاعدة و “داعش” سيان، مهمتهما قتل المسلمين باسم الإسلام وبأيادي المسلمين للإساءة للإسلام. غير إن “داعش” التي “دعشت” حياة العراقيين ببرهم وفاجرهم وتمادت في إرهابها السريالي على خلفية فتاوي غربية و التي ليست أفظعها فتوى تحطيم بيت الله الحرام، أهدافها أخطر وأشر وبالا على الإسلام والمسلين من القاعدة.

ولفهم هذه الأهداف “الداعشية” المدمرة لابد من الوقوف على ملابسات ظهورها في الإطاريين الزماني والمكاني. إن تنظيم “داعش”  الدموي ظهر في سورية في فترة زمنية كانت فيها المعارضة تسيطر على 35% من البلاد وتقارع الجيش الأسدي على 30% أخرى، ما يعني أنها ظهرت لتفك الخناق عن الأسد وتدق الأسافين بين فصائل المعارضة كي تؤجل سقوط نظام دمشق واستيلاء الإسلاميين على الترسانة العسكرية السورية، بحيث تغدو هذه الأسلحة المغنومة من جيش الأسد خطرا محدقا بالكيان الصهيوني. وقد نجحت – أو نجح الأمريكان و الصهاينة – في تحقيق هذا الهدف الذي أطالوا به عمر نظام الأسد من غير محبة فيه.

وبعد ما حققت “داعش”  الأمريكوـ صهيونية هدفها هذا يممت مرة أخرى بإيعاز من المخابرات الأمريكية والصهيونية تلقاء العراق لـ”تدعيش” وترهيب الناس هناك. والمحير أن من يريد الاحتلال والسيطرة يقصد رأسا عاصمة البلاد، وذلك ما لم تفعله “داعش”  التي اختارت وسط وشمال العراق الغنيين بالنفط لابتزاز العصابة الكردية الحاكمة ودفعها لمراودة علوج أمريكا عن أنفسهم و هم الذين خرجوا من نافذة بغداد حتى يعودوا إلى العراق بشبه شرعية عن طريق باب أربيل حماية لـ”بشمركتها”. فالمحصلة النهائية من كل ما يجري بالمنطقة من “تدعيش” حقيقي للمسلمين وترهيب إعلامي لغيرهم، هو بسط نفوذ أمريكي جديد في الشام والعراق بقوة نصف ناعمة. وهي تتمة للحرب الصهيوصليبية المستعرة ضد الإسلام منذ سقوط المعسكر الأحمر، لكن هذه المرة بوضع بصمات إسلامية على آلة الجريمة المستخدمة في ضرب المسلمين.

عبد الله الرافعي
8 سبتمبر 2014

Share.

Comments are closed.