خواطر

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

ما لكم لا تعرفون مالك

في مثل هذا اليوم رحل إلى جوار ربه فارس الفكر الإسلامي الأستاذ مالك بن نبي، هذا الرجل الذي حكم عليه الجزائريون بإعدام ذاكرته وذكره وفكره. صفحة مالك بن نبي في كتاب الجزائر تستحق أن تعنون بكلمة الأمير خالد “نحن أمة تحصي فحولها”، وبربط هذه العبارة أو هذا العنوان بفكر بن نبي ندرك أن مصيبتنا مرتبطة بخصاء فكري وحضاري، أحل بهذه الأمة نوعا من الإحباط وحال دون النهوض المأمول. مالك بن نبي رجل قد لا يكون أوتي من التحصيل الأكاديمي ما يرفع ذكره بين حملة الشهادات لكنه كان إنسانا من نوعية خاصة، إنسان راهن على إنسانية  الإنسان بقيمها وفكرها وإرادتها وشحن بها كل كتاباته وأطروحاته، ثم ربط هذه المعطيات الإنسانية الأرضية بوحي الله السماوي.

لقد أوجد مالك بن نبي منزلة معتدلة للفكر التحرري من نير المستعمر بين منزلتين، منزلة الثورة السلمية “الامتناعية” “الغاندية” التي كثيرا ما حولت الثائر إلى ما يشبه معزة غاندي، يحلبها العدو حلبا قبل أن تسلمه رقبتها صاغرة ذليلة ذبيحة. ثم  لن يكتفي بحلبها، بل يستثمر ويستخدم حتى جلدها. وبين منزلة الغلو التحرري العنيف الذي يخبط خبط عشواء فيأتي على الأخضر واليابس كالذي يتبناه “الثورجيون” الذين يفشلون في التعمير بعدما يحققون التحرير بتضحيات الشجعان الطيبين، فينتجون دكتاتوريات فاسدة تحمل الشعوب إلى الحنين إلى “الكولون”.

فمالك بن نبي بحث أسباب الاستعمار (بفتح الميم) تماما كاتهامه للمستعمر (بكسر الميم) في نظرية “قابلية الاستعمار” التي ما أحوج العرب إلى العودة إليها اليوم وهم يرون كيف يُفشل الغرب وعملاؤه من فلول الطغاة الساقطين ثورات الربيع العربي.

مالك بن نبي أبدع في “الظاهرة القرآنية” وربطها بـ”مشكلة الحضارة”، وأثبت أن حل الثانية لن يكون إلا بالعودة للأولى. وفي ذلك استطاع أن يبين بجلاء وعقلانية عملية أن الإسلام دين حضارة يصلح لكل زمان ومكان وإنسان، وقرآننا ليس “ترانيما” تقرأ في الزردات والهردات والوعدات (بتعبير مولود قاسم)، بل إنه لابد من أن توكل له قيادة الدنيا وتسيير شؤونها للوصول إلى النجاة فيها، وبه يكون أيضا الوصول إلى النجاة من نار الآخرة. وقبل أن يراهن البشر كلهم في تنظيراتهم الحضارية على الاستثمار في الموارد البشرية وأهميه الزمن راهن بن نبي عليهما.

باختصار شديد، مالك بن نبي فحل من فحول الأمة المعاصرين قُطع نسل أفكاره على أيدي التغريبيين و “الفرانكوفيليين”، وطاله من الاغتيال المعنوي ما طال الإبراهيمي في زمانه و مولود قاسم بعده، لأن بأفكار هؤلاء تجفف جيوب الاستعمار وخلاياه النائمة ويستكمل الاستقلال ويحضن من الاغتصاب الذي أستنكره “فرحات عباس” في كتاب “الاستقلال المغتصب”. لقد كانت نظريات مالك بن نبي إنصاف للإسلام و لكتاب الإسلام، وغيرة على المسلمين و بلادهم، و إرشادا منه لهم إلى أن طريق النجاة في الدارين في اتباع بوصلة القرآن الكريم الذي ما استفدنا منه شيئا حينما حولناه إلى مجرد كتاب تعبيدي كأنه إنجيل و نحن نقرأ فيه قوله تبارك و تعالى “ما فرطنا في الكتاب من شيء”.

مفاوضات الأسرة

عندما تعري “تسيبي ليفني” نظراءها من حماة القضية الفلسطينية على وسائل الإعلام كما عرتهم و عروها في غرف النوم أثناء ما أسماه عادل إمام في مسرحية الزعيم ” المباحثات” الفراشية. ندرك أهمية الروح الوطنية و الانتماء و التماهي و التضحية في سبيل الوطن، و كيف تختلف بين ” بني صهيون” و “بني عربون”. وإن كنا لا و لن نطالب حماة قضية فلسطين أو أي قضية عربية أو إسلامية أخرى أن تتصدر بناتهم و زوجاتهم للدفاع عنها و التضحية في سبيلها بالنهود و الفروج لأن ذلك في ديننا و عرفنا عيب وحرام و قذارة.

يبد أننا و نحن نرى و نسمع مدى جرأة و إقدام وزيرة خارجية الكيان الصهيوني و كيف تتنازل لتضحي بفرجها خدمة لقضيتها غير الشرعية، و هي مستعدة للتضحية بما هو أكثر (طبعا لأن هذه الصهيونية فرجها ليس أغلى ما تملكه)، بينما نرى في المقابل حماة القضية العربية يبيعون الأقصى المبارك مقابل لحيظات متعة في حضن الشقراء الصهيونية متمسكين بفلسفة الأعراب الأشقياء “اهتم بفرْجك و انس فرَجك (بتسكين الراء الأولى و فتح الثانية)”.

لا أظن أن هناك زمانا أسوء مما نحن فيه، فقد باتت الخيانة نفسها تستحي من خيانات خونة اليوم، فعلى وقع فضائح “لوردات” رام الله الفسدة الماجنين أكاد أعتذر للسادات الذي نعتناه بالخيانة، و هو الذي خان و باع القضية في مقابل شخصي هو جائزة “نوبل” وآخر قومي هو معونات أمريكية ممثلة في بضعة أكياس “قمح مسوس” أو قل “سوس مقمح” عافت ماشية و خيول “سام الكوبوي” أكلها، بينما باع ويبيع رموز القضية وعرابوها ومحتكري حقوق الدفاع عنها – بل مقرصني حقوق الدفاع عنها – باعوها بثمن بخس مخز.

هكذا ضاعت الأندلس على يد بني الأحمر و “عبيد الله الخليع” بخلاعته و مجونه، ضاعت على يد ملك لم يكن أكثر من عبد “موس و كأس”، و اليوم نتطلع لاستعادة الأقصى و فلسطين من أيدي المغتصبين قتلة الأنبياء، و قد عرفوا من أين تؤكل أمتنا من غير سيف ولا حتف في مفاوضات الأسرة التي يحقق الكيان الصهيوني فيها أكثر ما يحلم بعشره بالجيوش و السلاح، و تتكفل امرأة واحدة لتنتقم لهزيمة بني جنسها في “يوم كيبور” التي تمت في 6 ساعات في معركة أخرى “ليلة فجور” على السرير لن تدوم أكثر من 6 دقائق، هذا إن الجيش المعادي يتمتع بذكورة كاملة، أما إذا كانت ذكورته كرجولته فنقول عظم الله أجرك في الأولى كما في الثانية.

لقد كان الناصر صلاح الدين الأيوبي عليه رحمة الله يستحي من الله أن يبتسم لأنه يعتبر الإبتسامة قبل تحرير المقدس من يد الصلبيين إثما، وكان يراقب جنده في المخيمات ليلا فإذا وجدهم متسامرون غير قائمين ليلهم بالتهجد أنكر عليهم ما هم فيه قائلا : “من هنا يأتي الله بالهزيمة”. فيا مولانا السلطان الناصر ليتني أسألك إذا كان سمر الجند قبل المعركة يثمر هزيمة فماذا يثمر المجون و النوم في حضن العدو ليلة المعركة؟؟       

محاكم التفتيش الناعم

باشر حكام “مدريد” حملة جديدة من محاكم تفتيش جديهما ” فرناندو” و “إزابيلا”، حملة لم يكتفوا فيها بطرد المسلمين و التنكيل بهم كما فعل أجدادهم، بل يريدون من ورائها الاستثمار في المعاناة و التخلف، وذلك بأن بمراودتهم عن أنفسهم ليتركوا دين الحق و يلتحقوا بالنصرانية الكاثوليكية. في الحقيقة هذه المناورة العنصرية البغيضة ليست في حد ذاتها جديد الصليبية الإستعمارية، فكل أفكارها و عقائدها و سلوكاتها مرتبطة بالدين و بالصراعات الدينية، لأن هذه الصراعات نفسها من السنن الجارية وليست من قبيل الخوارق أو الطوارئ، ولأنها صراع حق و باطل بدأ منذ بدء الخليقة. صراع إبليس الرافض للسجود لآدم انصياعا لله مع علمه أن ذلك سجود تكريم لا سجود عبادة، وإن سجوده لآدم امتثالا لأمر الله لا ينقص من قيمة الساجدين (الملائكة) شيئا. و الأنانية و العزة بالإثم هي من تحول الإنسان إلى شيطان، و هذا ما يقدم عليه الإسبان الذين عرضوا على المسلمين جنسيتهم والعيش في أوروبا “إلدورادو” الشباب المسلم المحبط في بلاده.

لقد طرد قوم سيدنا “لوط” آل “لوط” بتهمة أنهم “أناس يتطهرون”. و هو نفس الذي فعله “فرناندو” و “إزابيلا” لنفس ” التهمة” (الطهر)، وهل هنالك من دين طاهر كالإسلام !!؟
أما اليوم فإن أوروبا العجوز التي رقت في كل مناحي الحياة و تقدمت و تطورت باتت في مسيس الحاجة للأيدي العاملة للحفاظ على عجلة تنميتها، لأنها تعاني فقرا في الشباب تماما كما يعاني المسلمين نعمة الوفرة التي لم يعرفوا قدرها ولا سبل الاستفادة منها جراء فساد الأنظمة الحاكمة.

فلما بات لزام على الغرب الصليبيي أن يستعين بسواعد المسلمين لاستمرارية حضارته كما بناها بالأمس بسواعد السود الأفارقة، كان عليه أن يشترط على من “يستعبدهم” أن يتركوا دينهم، لعلم الرجل الأبيض المستعمر أنه لن يكون سيدا على مسلم يعتقد اعتقادا جازما أن السيد هو الله، ولا عبودية لسواه ولا معبود بحق غيره. لإن محرر العبيد لم يكن “أبراهام لينكولن” بل هو محمد صلى الله عليه و سلم، و الإسبان لا يريدون نصارى جدد كما يظن الحمقى الموتورين ببهرج الحضارة الشاذة، إنما يريدون عبيدا يبنون بهم صروح الحضارة و المجد من خلال استقطاب شباب “نجس” من نسل الطاهرين الذين طردوا إبان محاكم التفتيش، وما تريده مدريد بهذا التجنيس أو “التنجيس” هو محاكم تفتيش ناعمة و عملية فرز مقيتة أشد عدوانية و تطرفا من الهجرة الانتقائية التي سنها القزم الصهيوني “نيكولا ساركوزي” في فرنسا، ولا تختلف عن “قانون كريميو” التنصيري في جزائر الاحتلال.

إن من يحتاج للتبصر في هذا الشأن هو الشباب المسلم، فلا لوم على الإسبان إن هم أرادوا خدمة بلدهم و دينهم، و استنوا بسنن أوليهم، ومن شابه أباه فما ظلم. أما شبابنا هم الذين وضعوا حبال الانبهار بالحضارة الغربية في رقابهم و حول قلوبهم حتى رانت عليها، ووضع حكامهم في أجيادهم حبالا أخرى من البطالة و الظلم و التهميش و الإقصاء سهلت على الأوربيين جرهم منها إلى ترك دين الإسلام. لابد لهذا الشباب ألا يختار بين جهنم بلادهم و جنة إسبانيا، لأن الاختيار الحقيقي هو بين العيش عبيدا نُجّسا في جنة أوروبا أو أن يكونوا أطهارا أخيارا في جنان رب العالمين. و عليهم فقط أن يقارنوا بين عظماء أوربا الذين تطهروا من الباطل النصراني و اختاروا الإسلام و بين الأشرار الأنجاس الذين ارتدوا عن الإسلام و اختاروا العبودية لعبيد الصليب.        

عبد الله الرافعي
30 أكتوبر 2013

Share.

Comments are closed.