بين أولمبياد لندن وأولمبياد مار دلبلاتا!

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

الكثير من الجزائريين فرحوا بفوز الشاب مخلوفي، ابن الجزائر العميقة، بتلك الميدالية اليتيمة في أولمبياد لندن. ولقد تحول الإنجاز الشخصي لذلك الشاب، الذي يستحق الاحترام والتشجيع، إلى ورقة يحاول البعض أن يواري بها سوءة الرياضة الجزائرية. بل ذهب آخرون إلى اعتبار ميداليته إنجازا من إنجازات فخامته، على الرغم من أن الذي أشرف على تدريب وإعداد هذا الشاب منذ ستة أشهر هو مدرب صومالي (نعم صومالي).

في الحقيقة تفاصيل قصة البطل مخلوفي وأولمبياد لندن لا تعنى الكاتب، ولكن هل سمع الجزائريون بأولمبياد أخرى، جرت في مدينة أخرى في العالم، تسمى مار دلبلاتا Mar del Plata؟

لا أعتقد أن الكثير من القراء سمع بهذه المدينة… ولا كاتب المقالة قبل الآن. إنها مدينة شاطئية أرجنتينية جميلة (اسمها يعني “بحر الفضة”) تقع على المحيط الأطلسي وتبعد حوالي 400 كم عن العاصمة بيونس إيرس. احتضنت هذه المدينة منذ أيام أولمبياد آخر لا يسمع عنها الشباب الجزائري، ولم يتعود أن يسمع عنها الشعب الجزائري ولا حتى كثير من نخبه. إنها أولمبياد العقول، إنها المنافسة التي يُكتشَف فيها علماء المستقبل وصنّاع الحضارات ونوابغ الأمم، إنها الأولمبياد العالمية للرياضيات، المنافسة التي لا تحظى بأية تغطية أو اهتمام إعلامي يذكر، ولكنها هي المنافسة التي تكشف مدى استثمار الأمم في مواردها البشرية.

هذه الأولمبياد التي تنظم سنويا خلال شهر جويلية تحت مسمى الأولمبياد العالمية للرياضيات ترسل فيها كل دولة فريقا مكونا من خيرة تلاميذها من مستوى الثانية والثالثة ثانوي (ستة تلاميذ) ليتنافسوا في أيام معدودات على حل مجموعة من التمارين في الرياضيات. هذه التمارين المختارة بعناية فائقة لا تحتاج أية معلومات متقدمة غير تلك الذي يتلقاها التلميذ في المرحلة الثانوية، لكن حلها يعتمد على ذكاء المتنافس ومواهبه وحدسه وقدراته التحليلية، وعلى التدريب الذي تلقاه هذا التلميذ في التعامل مع هذا النوع من المسائل.

في هذه الأولمبياد أيضا هناك الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية، وفيها ترتب الدول حسب نتائج كل فريق. فيا ترى ماذا كان نصيب الجزائر في هذه الأولمبياد ومن هو “مخلوفي” أولمبياد الرياضيات؟
 
 لا يوجد “مخلوفي” في الرياضيات لأن الجزائر لم تشارك أصلا! بل إن الجزائر لم تشارك في هذه المنافسة العلمية منذ سنة 1997 إلا مرة واحدة كانت سنة 2009. ولهذا الغياب، وهذه المشاركة قصة عجيبة ومحزنة في آن واحد كان قد تعرض لها الأستاذ خالد سعد لله آنذاك في أحد مقالاته وسأعاود هنا اختصار ما جرى للكشف عن وجه آخر من مأساة الجزائر وتقزيمها والجريمة التي ترتكب في حق أبنائنا.

في سنة 1991 نظمت هذه الأولمبياد في السويد وشاركت الجزائر بفريق ولكن بسبب تمديد هذا الفريق لإقامته في السويد لم يتمكن من تسديد فاتورة هذا التمديد وبقيت عليه مستحقات تقدر بـ 2000 يورو ، راسلت الجمعية السويدية المنظمة الجهة المعنية (وزارة التربية الجزائرية) لسنوات من أجل تسوية هذا المبلغ لكن لم تعر الوزارة الأمر أي اهتمام، فما كان من الجمعية السويدية إلا مخاطبة اللجنة العالمية سنة 1997 والتي قررت بدورها تجميد مشاركة الجزائر حتى تسدد ما عليها من ديون.

من سنة 1997 إلى 2009 لم يلق موضوع حرمان الجزائر من المشاركة في أولمبياد الرياضيات أية اهتمام من طرف وزارة بن بوزيد، ويبدو أن الأمر لاق استحسانا وأراحهم من هموم التحضير والتصفيات وكشف عورة المدرسة الجزائرية. لكن في سنة 2008 أرادت مجموعة من الأساتذة الجزائريين إحياء تقليد أولمبياد الرياضيات لتكتشف هذه المجموعة حيثيات قصة حرمان الجزائر من المشاركة في هذه التظاهرة بسبب 2000 يورو. نعم إنها 2000 يورو، فالبلد الذي أنفق 500 مليار من أجل ميدالية ذهبية واحدة في لندن وأرسل الطائرات في غزوة أم درمان وأحضر إليسا و”مستر بين” عجز عن دفع 2000 يورو!

قرر هؤلاء الأساتذة جمع هذا المبلغ وتسديد الدين، ولكنهم ما إن اتصلوا بأحد الأثرياء -الذين مازال العلم يحظى بشيء من الاحترام لديهم- وقصوا عليه القصص حتى تكلف بدفع المبلغ بمفرده. ولأن الجزائر هي الدولة العربية الوحيدة التي لا يوجد بها إمكانية تحويل مبالغ إلى الخارج فلقد تكفل أحد الأساتذة المقيمين بالخارج بعملية التحويل، وهذا وجه آخر لمأساة الجزائر. رفعت اللجنة العالمية الحضر عن مشاركة الجزائر وتلقت وزارة التربية خطاب دعوة المشاركة في أولمبياد 2009 بألمانيا. لم تكلف وزارة بن بوزيد نفسها عناء البحث عن حيثيات تسوية القضية، بل أكتفت بإرسال فريق من مجموعة من التلاميذ للمشاركة في هذه الأولمبياد (دون أية تحضيرات ولا تدريبات) والذي أحتل المرتبة الأخيرة من ضمن 104 دولة مشاركة، بينما احتلت إيران المرتبة 15، والبنغلاديش 67، والمغرب المرتبة 74، وجاءت الكويت والإمارات في المؤخرة ولكن قبل الجزائر على كل حال.

إن التلاميذ الجزائريين الذين شاركوا في هذه الأولمبياد قد لا ينقصهم الذكاء مقارنة بنظرائهم من دول أخرى، لكن حتما ينقصهم التعليم والتدريب وصقل المهارات. فأولمبياد الرياضيات تحولت إلى ميدان تنافس علمي حقيقي بين الدول التي تريد أن تنهض بشعوبها وترتقي بها، ففي هذه الدول يتم تحضير التلاميذ واختيارهم قبل الموعد بشهور عديدة، بل سنوات، ويتم تدريبهم من طرف أساتذة مختصين يسهرون على تنميه مهارتهم وصقلها.

كانت مشاركة 2009، بعد غياب 12 سنة، الأخيرة للجزائر لتتوقف بعدها عن المشاركة على الرغم من عدم وجود أي مانع، لكن الناظر إلى النتائج التي حققتها الجزائر في هذه الأولمبياد يدرك لماذا تمتنع وزارة بن بوزيد عن المشاركة في هذه المنافسة التي ستكشف حتما عورات وسوءات المنظومة التربوية الجزائرية ومدى الانهيار الذي وصل إليه التعليم الجزائري. وهنا ربما من المفيد إجراء بعض المقارنات وعرض بعض الإحصائيات التي تكشف كيف تستثمر أمم ناشئة في أبنائها وتدفعهم إلى أقصي حدود التفوق العلمي، وتباري وتتفق بهم عن الأمم العريقة في علم الرياضيات بينما تغرق الجزائر في ظلام الرداءة التربوية وسياسية الكم على حساب النوع.

لقد شاركت الجزائر في أولمبياد الرياضيات 13 مرة، احتلت في آخر مشاركتين (97 و 2010) المرتبة الأخيرة عالميا، وما قبل الأخيرة في سنة 91 و90، بينما كانت أفضل مشاركات الجزائر سنة 86 و 88 حيث حصلت على المرتبة 21 بفضل ميدالية فضية و برونزيتين.

أما إذا عدنا إلى دول إسلامية وعربية أخرى فسنلاحظ فرقا شاسعا كمًا ونوعا. فإيران، تلك الدولة التي يصفها البعض بالدينية والظلامية، غدت تحقق نتائج خارقة، فلقد شاركت 27 مرة بداية من سنة 85 ، واحتلت المرتبة الأولى عالميا سنة 98، وفي حصيلتها 36 ميدالية ذهبية، و 77 فضية، 31 برونزية. ومنذ أزيد من 15 سنة وإيران تحتل مراتب متقدمة جدا، غالبا من العشر الأوائل.

أما تركيا فلقد غدت في السنوات العشر الأخيرة تحصد الذهب وتحتل مراتب متقدمة جدا أيضا. كما أن جارتينا المغرب وتونس -وإن كان أداهما ليس بنفس أداء إيران أو تركيا- فوضعهما أفضل بكثير من وضع الجزائر المخزي. هناك في جعبة المغرب 4 ميداليات فضية و32 برونزية في 30 مشاركة، أما تونس فشاركت 21 مرة وحصدت ذهبية واحدة و 4 فضية و13 برونزية.

ربما تجدر الإشارة هنا إلى مشاركة سوريا هذه السنة، نعم سوريا، وحصول أحد أعضاء فريقها على إشارة شرفية!

لكن المفاجئة الحقيقية في دورة هذه السنة هي السعودية، فأول مشاركة للسعودية كانت سنة 2004، وكانت دائما تحتل ذيل القائمة لكنها منذ سنة 2009 بدأت تحصد الميداليات إلى أن احتلت المرتبة 29 هذه السنة متقدمة حتى عن فرنسا وألمانيا وإسرائيل، وأصبحت في جعبة السعودية ميداليتان فضيتان و 7 من البرونز من المشاركات الثلاث الأخيرة، وهو ما يمثل قفزة نوعية ومفاجئة. في الحقيقة على الرغم من تدني مستوى التعليم في السعودية إلا أن أولمبياد الرياضيات أصبحت تحظى باهتمام القائمين على شأن التعليم في هذا البلد لما تمثله هذه المنافسة من “بريستيج” ووجاهة ودليل على نجاح المنظومة التعليمية أمام الرأي العام. لهذا فإنهم بذلوا جهودا كبيرة من أجل اختيار خيرة التلاميذ وإخضاعهم لتدريب مكثف من طرف مختصين، لكن للأسف دون أية اهتمام بجوهر العملية التعليمة أو إعادة نظر في المنظومة التربوية بشكل تكون فيه نتائج الأولمبياد معبرة حقا عن مستوى التعليم.

 الجدير بالذكر أيضا أن هذه الدول التي تتفوق في الأولمبياد وتحقق قفزات علمية تدرس أبناءها بلغتهم الأم، ولم نجد من بينهم من يحاول أن يعلق إخفاقات الماضي على لغة التدريس، لأن التجربة أثبتت أن الخلل كان في مكان آخر.

لقد أردنا من خلال التعرض لهذا الموضوع لفت الانتباه لوجه أخر من مأساة الجزائر، فلقد دأب أصحاب القرار في الجزائر منذ ما يزيد عن عقد على إيهام الشعب بإصلاحات هي أقرب إلى الإفساد وتضخيم نتائج النجاح وإرضاء المجتمع وتكديس الطلبة في الجامعات بشهادات بكالوريا مطعون في مصداقيتها ومعدلات مضخمة بشكل يجعلنا نطرح تساؤلات وجيهة: لماذا لا ترسل الجزائر هؤلاء الطلبة المتفوقين للمشاركة في أولمبياد الرياضيات كما يشارك نظرائهم من دول أخرى حتى نقف فعلا على مدى نجاح إصلاحات بن زاغو وبن بوزيد؟ إن التحدي الحقيقي لبن بوزيد أو من سيخلفه هو أن يرسل فريقا من أفضل ستة طلبة في الجزائر للمشاركة في الأولمبياد القادمة في كولومبيا (بعد تدريبه). إننا لا نقول هذا انتقاصا من قدرات أبنائنا وشبابنا، لكن التفوق العلمي ليس وليد الذكاء الفطري لوحده بل هو نتاج منظومة تعليمة سليمة وتدريب وصقل للمواهب الفطرية، وهو الأمر الذي تفتقده منظومتنا، لأن منظومة دروس الدعم والعتبة وألوان المآزر والحشو والتلقين وتضخيم النتائج لا يمكنها إلا أن تدفن المواهب لا أن تصقلها.

إنه لمن سخريات القدر فعلا، وإنه لأمر يدمي القلب أن نجد بلدا تفتك به الحرب الأهلية كسوريا يشارك بفريق متكامل… وفي المقابل نجد بلدا آخر يمتلك فائضا نقديا قياسيا، وينفق ملايين الدولارات من أجل تسويق حالة الاستقرار والتنمية إعلاميا، ويتغني وزراء التعليم فيه بعدد الناجحين والمتفوقين، لكنه يعجز أو يستحي أن يرسل بضعة تلاميذ لينافسوا كما ينافس قرنائهم من دول أخرى! أم أن الأمر مقصود مع سبق الإصرار والترصد؟

إن أولمبياد الرياضيات هي منافسة علمية شريفة لا تكلف الأموال ولا تحظى باهتمام إعلامي يذكر، فهي خالية من صفقات الإشهار وحقوق البث المشبوهة وخالية من فضائح المنشطات، لا مكان فيها للمحاباة أو الوساطة، يستوي فيها الغني مع الفقير، لكنها منافسة تكشف عن مدى اهتمام الأمم بمواردها البشرية وتقديرها لمكانة العلم. إنها منافسة يلتقي فيها علماء المستقبل وصناع الحضارات، لهذا فإنه لا يجب أن نتفاجأ إذا كانت إيران تسعى لاستكمال مشروعها النووي المستقل بينما تغرق جزائر البترول والغاز في الظلمات.

على الشعب الجزائري إدراك أن كل المؤشرات والقرائن تدل أن ما يدبر لأبناه، في وضح النهار وليس بليل، يتعدى حدود الاجتهاد والخطأ بل هو عملية هدم منظم لأركان الوطن ومحاولة لإرجاع الشعب الجزائري إلى ما يشبه الأهالي إبان الاستعمار الفرنسي، ولكن هذه المرة تسودهم أمية بشهادات علمية وهمية. اللهم قد بلغت فأشهد…

سين جيم
14 أوت 2012

Share.

About Author

Avatar

Comments are closed.