الجزائر هي الجزائر، سواء تصورها البعض جزرا، أو أرادها البعض الآخر جزيرة مهملة غارقة في أوحال القوى الإستعمارية، فقد عادت الى أبنائها و بناتها بمشيئة الله الذي بارك لها في دماء شهدائها، فارتوَت و ارتوت حتى عادت من بعيد جزائر واحدة ببحرها و صحراءها و تلالها شامخة بحمد الله كما تصورها القائد الفذ العربي بن مهيدي، و هو يوحد الله مبتسما و ساخرا من موقف جنرالات فرنسا، فزلزلهم في كبريائهم،  و ألهم بناته و بنيه أن كبرياء المستبد لن يدوم، كم هو عظيم و جميل بالنسبة للذين حفظوا الوصية، و كم هو أعظم و أجمل للذين عملوا بها.

أما و أن الشعب قد عاد من قريب، فيجب أن نتواصى بسلوك السلمية، و نستشف واحدا من ركائزها و قواعدها، ألا و هو الاصطفاف المدني الذي يغنينا في هذه المرحلة العصيبة بالذات عن الذين يروجون للعصيان المدني، و قد تمت الإشارة إلى ذلك في مقالة “منعطفات الحراك الوطني”. و بحثا عن بعض ملامح الإصطفاف المدني يمكننا الإستئناس بالذاكرة التاريخية لشعبنا المتميز في سكونه و في حركته، في غضبه و في حلمه، و أجدني في عجالة من أمري أمام المجتمع الفايسبوكي الذي لا يلتفت إلا قليلا الى مثل هذه المداخلات و المقاربات، و إذ أحيي فيهم حرصهم على متابعة الأحداث شبرا بشبر، أتوخى منهم الإجتهاد قليلا فيقرأون و يكتبون و يعبرون بضمائرهم، و حاجتهم، كما هي حاجتنا إلى بناء رؤية و وجهة نظر و منظور كلي متوازن.

و من صميم الذاكرة التاريخية المشحونة بكثير من الألم و الأمل، نستحضر هامة من هامات الجزائر، ذلك الأسد الجريح بقدر جراح شعبه الشيخ البشير الإبراهيمي الذي عانى من وحشية المحتل الغاصب، و من عقوق الحاكم المستبد، كيف لاحت صورته المتميزة و هو يتأمل في وجه أمه الجزائر يمسح عن شفتيها غبار المحنة التي لازمتها طويلا، فتراه الأم الحنون في مرآتها، دامعا من غير دمع، متألما من غير جرح، تسأله عن دمعه و عن جراحه، تسأله عن ذاكرته و عن حاضره، قائلة: إني أراك هائما مرتبكا، ماذا أصابك يا بني؟ لم أعهد فيك مثل هذا أمام شراسة الإستعمار، فاقترب منها و أخذ يقبل يديها و يسلم على جبينها، فقبلته وعانقته سائلة إياه عن الإخوة والأحباب، والجيران والأصحاب، فأخبرها بلطف: أما الدموع المحبوسة فبسبب مرافقة الأيتام، وأما التألم والارتباك فهو من شدة ألم الفراق، ليس فراق الدنيا و زخرفها، بل لفراق تلك الثلة المتفردة من أولئك الذين ساومهم الإستعمار بمثل الذي ساومت به قريش ذات يوم أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث واجهته بكثير من المكر و الخداع:” أرأيت أحمد؟ تعني محمد، يؤذينا في نادينا، وفي مسجدنا، فانهه عن أذانا، فقال أبو طالب: يا عقيل، ائتني بمحمد، فذهب وأتى به، فقال العم لابن أخيه: يا ابن أخي، إن بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم، وفي مسجدهم فانته عن ذلك، فحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره إلى السماء ثم قال: يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته.

فقال أبو طالب: ما كذب ابن أخي، فارجعوا.” 

يستحضر الشيخ البشير الإبراهيمي مثل هذه المعاني، فيفتح عينيه و يحدق و يحلق ببصره في وجه البنين و البنات، والشيوخ والأمهات، يجلسن حول الأم الحنون، ثم يقول: لم أنس هذا، إلا أن الذي أخشاه، أن تلعب بكم الدنيا فتغركم، فتنافسوها، فتهلككم بمن كان قبلكم، ثم قرأ بين يدي الحاكم و المحكوم، نص الحديث الذي رواه البخاري و مسلم، عن عقبة بن عامر :”أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على أهل أحُد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال:إني فرط لكم و أنا شهيد عليكم و إني والله لأنظر إلى حوضي الآن وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها.”صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المقصود بالصلاة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي كصلاة الميت، أي دعاؤه لأهل أحد، و قد كان هذا بعد سبع سنين من استشهادهم رضوان الله عليهم.

و إن مثل الموقف الذي وقفه الشيخ البشير الإبراهيمي بين يدي الحاكم المستبد الذي استولى على مقاليد الحكم بعد سبع سنين من ثورة نوفمبر المظفرة، جلب له الإقامة الجبرية، وقد اختار الإبراهيمي الاصطفاف المدني في سبيل البحث عن الحرية و الكرامة.

و إن شباب اليوم،في حراكه الوطني، و الحمد لله، لم يظل الطريق بالرغم من السنين العجاف التي طواها الزمن من عمر أجيال الجزائر.

*نموذج آخر: 

هامة بمنزلة الشيخ الفضيل الورتلاني رحمه الله،الذي لا نعرف عنه و لا يعرف عنه أطفال مدارسنا و طلبة معاهدنا الجامعية إلا القليل. لقد عبر الأستاذ عن صفوة و صفاء الصحوة الاجتماعية و الثقافية التي شهدتها الجزائر قبل الاستقلال، أي إبان الإحتلال الغاشم، فقال:”لقد قام الفوج الأول من رجالنا الذين شيدوا جمعية العلماء بهدم الضلال و الباطل هدما شغلهم عن كل شيء، و لكن قاموا بذلك ومعهم زاد عظيم من الذخائر الخلقية الإسلامية، تعاون على تثبيتها فيهم الفطرة السليمة، والتلقين المحكم، ولو اعتمدوا على علمهم الغزير وبيانهم البليغ وحدهما لما نجحوا في هدم الضلال العريق والبدع المستحكمة، أما هذا الجيل الناشئ في معمعان الحركة، فقد فتح عينيه في غبار المعركة و شهد مراحل الانتصار، ولكنه لم يفقه أسباب النصر و أسلحته النفسية، فظن أن ذلك الهدم هو الغاية و أن معاوله هو العلم و البيان، فالتفت إليهما و سعى في تحصيلهما و غفل عن السلاح الحقيقي للهدم والبناء معا، و هو قوة الروح و متانة الأخلاق و استكمال الفضائل، وأن الهدم ليس مقصودا إلا للبناء، وأن البناء لا يتم إلا بوسائله الصحيحة و أدواته، وأن القدرة على الهدم ليست دليلا على القدرة على البناء، وأن أسلافنا ما أعلوا ذلك البناء الشامخ للإسلام إلا بعد أن بناهم الإسلام على فضائله، و طبعهم على أخلاقه، و يأهم للاستخلاف في الأرض، و هذه الغفلة عن هذه المعاني قلّ نصيب هذا الجيل منها، وأخشى أن تؤدي الغفلة عنها إلى ضعف فيها، ويؤدي الضعف إلى تحلل و انهيار، ونكون قد هدمنا باطلا و لم نبن حقا، بل نكون قد هدمنا الباطل و الحق معا، و هي أخسر الصفقات.”عن جريدة البصائر لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الاثنين06-12شوال 1437ه/11-17 جويلية 2016، العدد 815.

سبحان الله، فكأن الرجل الحر، يقول لنا، منبها و محذرا: أحذروا الدنيا أن تنافسوها، وفي الوقت ذاته يحذرنا أشد من ذلك، فاتحا أعيننا وقلوبنا أمام مخاطر بذور الكلمة التي نطق بها إبليس، و يا ليته لم ينطق، وقالها ابن آدم، ويا ليته لم يقلها:”أنا خير منه”.

ما أروع هذه الصورة من صور الاصطفاف المدني، و ما أروع مثل هذه التوجيهات. 

نعود إلى المشهد بالقول:كيف هي أحزابنا التي فرقتنا في جمعنا، و شتتتنا في تركيزنا، وغشتنا في مشاريعنا، وكرست الرداءة في واقعنا؟ لا أحب الاعتماد على الحلول الجاهزة والمعلبة، والأحكام المسبقة، لذلك وجب العودة إلى وصية كتبها شهداؤنا بدمائهم، ألا وهي وثيقة بيان أول نوفمبر، من خلال أحد رجالات الاصطفاف المدني، و الإجماع الوطني، الأستاذ عبد الحميد مهري رحمه الله، في ورقة تاريخية، قدمها أمام ندوة مركز دراسات السلم لمؤسسة قرطبة_ جنيف 13_14 نوفمبر 2008، أي قبل عشر سنوات من الآن. قال الأستاذ مهري :”بسم الله الرحمان الرحيم، الحديث عن الوضع في الجزائر اليوم يقتضي أن نتفق أولا على منهجية لتناوله، إما أن نتناول تفاصيل الحياة السياسية في المستوى الرسمي والشعبي، أي نتناول القضايا التي تطرح داخل نظام الحكم الآن وتطوراته ومراحله، أو أن نطرح الموضوع الجوهري العام و هو نظام الحكم ككل ومدى استجابته لمطلب الثورة الجزائرية في بناء دولة ديمقراطية واجتماعية في إطار المبادئ الاسلامية. تقديري، وهذه وجهة نظر ربما خاصة، أن نظام الحكم الحالي بني بتراكم غير مدروس وغير خاضع للنقد في تطوراته، وكل من ساهم بطريقة من الطرق في مسؤوليات الحكم ساهم في بناء هذا النظام، حتى مَنْ صمتَ في بعض الظروف ساهم أيضا في بناء هذا النظام. فنظام الحكم الحالي هو نتاج تجربتنا بعد الاستقلال. تقديري الخاص أن هذا الحكم على ما فيه من السلبيات والايجابيات وصل إلى مداه وإلى حدوده وأصبح عديم الفعالية، حتى و إن استمر فإنه عاجز عن حل مشاكل الجزائر وعن تحديات المستقبل، لماذا؟ تقديري أيضا أن المطلوب بعد الإستقلال كان تكريس الجهد العام لبناء أسس الدولة الجزائرية وفق المنظور الذي نادت به الثورة قبيل إعلان الكفاح المسلح، وهذا العمل كان يتطلب إبقاء صيغة الجبهة، أي صيغة جمع كل الطاقات الجزائرية وتشريك كل الجزائريين في وضع أسس الحكم، أي في وضع أسس الدولة تحتضنهم جميعا. الذي وقع بعد الاستقلال أننا، بدرجات، مختلفة، اعتبرنا أن الاستقلال هدف يجمع كل الجزائريين، أما بناء الدولة فلا يحتاج لكل الجزائريين ومن هنا دخل الإقصاء كعامل أساسي في بناء الدولة الجزائرية بدل الجمع الذي كان قائما أثناء فترة الكفاح المسلح، و تقديري أن العلاج، أي علاج الحالة هذه والخروج إلى نظام حكم وإلى أسس دولة تشمل جميع الجزائريين، يتطلب العودة إلى منطق جمع الجزائريين أي السعي إلى إيجاد الجامع بين الجزائريين الذي يمكن من بناء نظام حكم صالح للحاضر و المستقبل. إذن النقاش يمكن أن يدور في مستويين: المستوى العام و الجوهري و يتناول الحكم وتجربة الحكم ككل، والمستوى الأدنى أوالتفصيلي الذي يتناول سلبيات الحكم كما نعيشه اليوم. وأعتقد أن للإخوان بدون شك تجارب شخصية ومباشرة في معالجة هذه الأمور، وتقديري أن الاستماع لكل واحد من الإخوان سيزيد هذا اللقاء ثراء، وأننا في النهاية يجب أن نقدم منظورا واضحا يمكن أن يجمع كل الجزائريين ويضع خطوات العاملين في هذا الحقل على طريق الصواب. و شكرا”.

لا أدري كم هو عدد الجزائريين الذين قرأوا هذه الورقة التاريخية، وكم هم الذين وقفوا على ما فيها من جواهر؟ لا أدري، والله لا أدري، لقد دق السيد مهري ناقوس الخطر، و أشعل للجزائريين في ساحتهم ما يشبه قنديل الأمل، لم يدعنا إلى التناحر والتنافر بل دعانا إلى الإجتماع، كمن يدعو أبناءه إلى هبة إجتماعية متفردة تاريخا وأخلاقا، محذرا ايانا من خطاب الإقصاء.  هذا هو منطق السيد عبد الحميد، وهذا هو منطق الاصطفاف المدني. إن كل ما في الجزائر جامع لكل الجزائريين، وكل ما يفرقهم هو غريب عن الجزائر بمنطق الجغرافيا وبمنطق التاريخ 

نداء: 

إلى الشعب الجزائري في حراكه الوطن. 

أيها الواقفون على الجمر، حتى أن الجمر لم يعد جمرا.

و السلميون في جمعهم، حتى أن العالم عشق جزائريتكم .

أيها القضاة و الأطباء و المحامون والطلبة و العمال و التجار والفلاحون، الحاضرون من أجل القضية الوطنية. أنتم ، عربا و أمازيغ، الحاملون لروح الأخوة و معاني القيم الإنسانية، خاوة خاوة .

أنتم الذين ستصدرون حكمكم على حراككم و هبتكم التي فاجأت و أفرحت و أدهشت الكثيرين.

رسالتكم واضحة: الغرب سيندم على دعمه للاستبداد.

أنتم في حراككم جمع مختلف و متميز في يقظته و صبره  وحلمه، فلا تسمحوا لأي كان أن يعكر عليكم صفوكم أو يستهدفكم في طمأنينتكم بأي شعار أو سلوك ينال من سلميتكم.

أنتم في هبتكم متميزون و مجتمعون و عازمون على استرجاع روح قضيتكم، فلا تقبلوا عن بيان أول نوفمبر بديلا، فهو سبيلكم إلى بناء مجتمع الحرية و الكرامة.

أنتم في اصطفافكم المتميز، فلا تقبلوا عن الاصطفاف المدني بديلا، فهو طريقكم إلى كل الاستحقاقات في سبيل بناء دولة المواطنة الديمقراطية الاجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية. 

يا أحرار الجزائر، لا تخافوا من الأفكار، الخوف كل الخوف من الأصنام والأوثان، فهي عدو كل الشعوب والأوطان .

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version