أذكر أنني عندما طلبت من المجاهد الصديق الوطني المسلم رحمه الله سعيد أيت مسعودان سنة 1992 أن يكتب لي كلمة عن المصاب الذي ألمّ بالأمة و الوطن بفقد الصديق المشترك الأستاذ مولود قاسم (كشهادة اضمنها في كتابي المعروف عنه الصادر سنة 1993).. قال لي رحمه الله، و الكلام موجود في الكتاب “عندما التحقت بالثورة من قاعدة الحلف الأطلسي بألمانيا سنة 1959 ذهبت إلى مكتب جبهة التحرير الوطني، فوجدت مولود قاسم هناك في استقبالي، فيما قال لي : أن هذا اليوم هو منعرج تاريخي حاسم في حياتك، و أن للإنسان الحٌر الشريف في حياته مواقف و لقد اتخذت الموقف الأصعب، لكنه الموقف الأصوب بالتحاقك بصفوف الجهاد..”

فكل شيء يفنى إلا موقف الخزي و العار لأهله، و موقف المجد و العزة و الفخار لأهله كذلك… فلا ينتهي مع موت صاحبه، و سيظل ملتصقا به و يلاحقه حتى بعد موته و لا تمحوه الأيام أبدا، و الأمثلة الحية كثيرة ( انظروا إلى حال أبناء خونة الثورة، كيف يلعنون أباءهم الحركى اليوم في فرنسا عن خيانتهم لوطنهم الجزائر… كما يلعنهم الفرنسيون أنفسهم كذلك و يحتقرونهم.. لأن الذي يخون وطنه في نظرهم لا ينتظر منه الخير لأوطان الآخرين، أي الفرنسيين) هذا هو الكلام الذي يحضرني و أنا أتوجه بهذه الكلمة إلى نواب الشعب و الأمة في وطني، الذين وضع القدر بين أيديهم مصير وحدة الشعب و الوطن مثلما وضعها على بعض أهلهم في هذا الوطن سنة 1954 و 1962، فكانوا في المستوى و سفهوا أحلام الجنرال دوجول و رهانه على وحدة الجزائر و مصيرها…

و اليوم يعيد التاريخ نفسه معهم بالتصويت على هذا الدستور الملغّم بمادته “الثالثة مكرر”.

إننا نذكركم (و ذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين منكم إن شاء الله)

إلى الذين يصوتون ب”لا” للخيانة أهنئهم، و الذين يصوتون ب”نعم”أعزيهم و أعزي الجزائر فيهم و أحملهم كل الدماء التي ستسيل في المستقبل القريب نتيجة هذا التصويت ب”نعم” لدستور الفرْنسَة و التقسيم، و لا تنفع الندامة حين يقع الفأس في الرأس !

و إذا كان الدستور الوطني الحالي الذي لم يطبق أبدا منذ صدوره سنة 1963 في مادته الثالثة التي تنص صراحة بأن “اللغة العربية هي اللغة الوطنية و الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية” و لم يرتفع صوت أي مجاهد واحد في ذلك الوقت يعترض على المادة أو يطالب بأية لغة أخرى، لا محلية و لا متوسطية… فإنه اليوم سيشهد التاريخ القريب جدا أن هذا الدستور سيطبق لأول مرة بالدماء في مادته الثالثة مكرر في بعض مناطق الوطن، و انتم، نواب الشعب و الأمة، الذين ستتحملون وحدكم أمام الله و التاريخ و الشهداء وزر الدماء التي ستسيل لصالح الجنرال دوجول في قبره انتقاما من كل شهداء نوفمبر و وحدة الشعب و الوطن و أمانة الشعب الجزائري الذي أوصل بعضكم إلى البرلمان… و من فوائد هذا الدستور الملّغم انه سيميز نواب الشعب و الحضارة و الوفاء و الشرف، من نواب النزوة و الرشوة و “الشكارة” و العلف !! و تذكّروا كلام مولود قاسم لأيت مسعودان رحم الله الجميع.. و كل من عليها فانٍ و لا يبقى إلا التاريخ الشاهد الحق على كل واحد منا في الدنيا قبل الآخرة و الحساب العسير على شهادة الزور المضاعفة يوم القيامة.

فعلى حضرات النواب المحترمين أن يفكروا جيدا و أن يستشيروا أو يستحضروا أرواح الشهداء أو من هم على شاكلتهم من عائلاتهم في الفصيلة الوطنية إن قبلوا الفرنسة أو التقسيم الحتمي للوطن العظيم… و إعادة النظر (تبعا لذلك) في نتائج الاستفتاء على تقرير المصير الذي فرضه الجنرال دوجول على قادة الثورة كما تعلمون، فقبلوا به و تحدوه بموقف الشعب الجزائري حينئذ، و لو نجح دوجول ب “لا” للاستقلال، لكانت الجزائر اليوم فرنسية مثل باريس و مرسيليا، مثلما قال الرئيس الحالي صاحب هذا الدستور في عهدته الأولى في بروكسال سنة 2000، و أكده وزيره للخارجية سنة 2010، و الذي هو الآن رئيس المجلس الدستوري.

و لكن الشعب الجزائري صوت ب “نعم” للاستقلال الوطني الكامل عن فرنسا بنسبة 97,5٪ على مستوى كل ولايات الوطن دون استثناء، و المحاضر الرسمية موجودة في كلا الدولتين على الضفتين. و قد صوت على ذلك كشعب واحد كما تنص عليه اتفاقيات افيان (انظر بن يوسف بن خدة و رضا مالك) و ليس كشعوب جزائرية متناحرة كما كان يصفها الجنرال دوجول.

إذا كان هذا ممكنا في نظركم، فالغوا الاستقلال الناتج عن الاستفتاء المذكور و إننا نتحدى فرنسا أن تقبل لكم بذلك الإلغاء اليوم و هي تقتل أبناءنا “الحراقا” على حدودها البرية و البحرية !

إن الدستور المنتظر الذي يدعي في ديباجته، أن مرجعيته هي بيان نوفمبر في الهوية و الوحدة الوطنية (الترابية و الشعبية)، و الهوية بذاتها تعني التميز و التميز يعني بالضرورة الاستقلال عن الآخر، بدليل أن الجزائر كانت فرنسية (ثلاث ولايات ما وراء البحر) و لكنها طالبت بالاستقلال و الانفصال، و دفعت من أجل ذلك أغلى ثمن دفعه شعبٌ حرٌ في التاريخ المٌعاصر و هذا لا يحتاج إلى أي دليل أو تذكير لأي عاقل سليم غير زنيم !! و لو لم تكن الجزائر ذات هوية متميزة عن فرنسا، كما ينص البيان النوفمبري، لما طالب شعب الجزائر الموحد بالاستقلال، و لكن الشهداء طالبوا و دفعوا الثمن الغالي و كان لهم ذلك بالقانون و بالاستفتاء الدوجولي المذكور على تقرير المصير.

أذكّركم، علميا و تاريخيا و سياسيا و وطنيا، و أؤكد لكم، للمرة الألف، أن خلق أية لغة من العدم و ترسيمها يعني خلق هوية ضرار جديدة، أو خلق عدة هويات بتعدد اللغات المٌرسمة في الجزائر، و هي غير واحدة و لن تتوحد أبدا حتى حول الحرف الذي ستكتب به هذه اللغات، و بالتالي فإن كل من يرسم لغته المحلية يصبح له هوية متميزة، و من ثمة يكون له الحق الدولي في المطالبة بالاستقلال و الانفصال على غرار أكراد العراق و سوريا و تركيا و إيران، و جنوب السودان، و كتالونيا و كرسيكا و الباسك و أوكرانيا و الكبيك و قبرص و شمال بلجيكا و دول البلقان و سويسرا… و عكسها أمريكا (مع استفتاء جورج واشنطن) فرنسا (مع صرامة قانون طاليران) و ألمانيا و ايطاليا و الصين و “الدولة المحتلة لفلسطين” و اليابان و كل البلدان القوية ذات السيادة.

فالهوية المتميزة قانونا و ثقافة تعني الاستقلال كما قلنا و الاستقلال يعني بالضرورة الانفصال بتقرير المصير ” السلمي” أو بالقتال مثل حالة الجزائر سابقا، و هو ما سيتكرر حتما مستقبلا بالحرب الأهلية “بين الجزائريين”، أو بالتدخل الدولي المنتظر على الطريقة العراقية بالقانون الفرنسي الذي حضر لنا هناك سنة 1991عن طريق بارنار كوشنر، للوصول إلى الجزائر اليوم بهذا الدستور الملغم كما قلنا قبل حين و كما كتبنا في حينه سنة 1991، انظر جريدة الشعب ( في 21 افريل 1991) مقال بعنوان “زعيم كيبيكستان في الجزائر”.

أحمد بن نعمان
2 فبراير 2016

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version