“السخرية و التحقير لا علاقة لها بحرية التعبير”

مرة أخرى، تعود الرسوم الكاريكاتورية المسيئة إلى الدين الإسلامي الحنيف للواجهة. فقد أقدمت الصحيفة الكاريكاتورية شارلي إيبدو، التي تصدر من باريس على العودة إلى نشر رسوم كاريكاتورية مسيئة للرسول الأعظم، بعد أيام قليلة من تعرضها إلى هجوم انتقامي، نتج عنه مصرع اثني عشر فردا، وجرح عدد آخر، من طاقم الصحيفة المذكورة.

الرسوم الجديدة، نشرت مع حملة تصعيد واسعة وشرسة ضد المسلمين في فرنسا، وتحميلهم مسؤولية الهجمات الإرهابية الأخيرة على فرنسا، وقد عكس تهافت الناس على اقتناء الصحيفة المذكورة، مستوى التعاطف مع الضحايا، حيث قفز مستوى توزيعها من 30 ألف نسخة قبل الهجوم على الصحيفة إلى 5 ملايين في الفترة التي أعقبت الهجوم،

والذريعة التي يتعلل بها الفرنسيون المناصرون لسلوك الصحيفة العدائي للإسلام، هو أن ذلك يتسق مع حرية التعبير التي كفلها الدستور الفرنسي. وهو قول يصعب التسليم به وقبوله على أنه أمر واقع ويتسق مع السياسات الفرنسية فيما يتعلق بحرية التعبير..

والحديث عن الحرية وحدودها هو غوص في موضوع شائك ومركب، وقد ظل ولا يزال موضع سجال منذ القدم، وتعزز هذا النقاش بعد الثورات الاجتماعية الكبرى التي شهدها العصر الحديث، وجرى تغليب مقولة خلاصتها أن “حريتك تنتهي عندما تمس حرية الآخرين”، وفي هذا السياق، نصت الكثير من الدساتير على تجريم ثقافة الكراهية، و قد حدثني أحد القساوسة السويسريين فور حادثة شارلي إيبدو، بقوله ” إن الذي يلعب بالنار، يأتي اليوم الذي يحرق فيه أصابعه”، مردفا أن هذا ليس نكاية في طاقم الجريدة ولا تشفي فيهم ولا حتى تبرأة المجرمين القتلة” ، مذكرا أن هذه الصحيفة تشتم الأديان و لا تنتقدهم ، وهو الأمر الذي سبقه إليه، المفكر المغربي، الدكتور أحمد الريسوني الذي قال في تصريحات لموقع اليوم 24، “كما أن الذي وقع في مصر انقلاب وسيبقى انقلابا إلى يوم القيامة، فالهجوم الدموي الذي استهدف مجلة شارلي إيبدو اعتداء على الصحافيين وعمل مجرم ومرفوض قطعا” .. “وجميع الأعمال الإجرامية من هذا القبيل وبعضها يتم باسم الاسلام كله عمل مرفوض تماما”، ليوضح أن “ما تقوم به هذه الصحيفة لا علاقة له بحرية التعبير، لأنهم لو كانوا ينتقدون الإسلام وينتقدون حتى الرسول (ص) فهذا رأي، لكن السخرية والتحقير لا علاقة له بحرية التعبير، ويجب أن نفرق بينها وبين حرية الإذاية والإساءة والإدانة، لكن لا يمكن الرد على مثل هؤلاء بمثل هذه الجريمة، وهي مدانة في جميع الأحوال”.

وبالتالي يرى العديد من المنصفين و حتى من ديانات أخرى، وآخرهم البابا فرونسوا، و المفكر الفرنسي فرونسوا بورغا، حيث يرى هذا الاخير أنه  ليس في الرسوم الكاريكاتورية لهذه الجريدة خاصة تحليلا نقديا رصينا، أو قراءة موضوعية حتى وإن تعرضت إلى ما هو يقين ومقدس، بل قدح وتحريض على الأديان، ومس بالمقدسات، وإشاعة ثقافة الكراهية، وتعريض بالسلم الاجتماعي، بل و إساءة مشينة لمعتنقي دين ملايين من البشر في أوروبا و خارجها، على حد تعبيره.

ونحن في هذه العجالة نحاول أن نركز على قضايا شائكة، أهمها حرية التعبير، وما ضمنه الدستور الفرنسي ذاته حيالها. وهل فعلا كان الأمر كذلك دائما من قبل الحكومة الفرنسية، أم أن ذلك موقف انتقائي، يعكس موقفا غير حيادي تجاه الأديان. لا مناص من مناقشة تأثيرات ذلك على السلم الاجتماعي في فرنسا ذاتها. وأيضا خلق مناخات تسهم في تسعير الإرهاب، بدلا من العمل على توفير ما من شأنه أن يساعد على احتوائه..

فالدستور الفرنسي يكفل حرية التعبير، و القوانين الفرنسية تجرم ثقافة الكراهية، ولا تعتبر القضايا التي تمس الأمن والثقافة الفرنسية مجرد وجهة نظر..

ولكي لا نغرق في التنظير، نشير إلى قضايا معينة يجرمها القانون الفرنسي. فالنازية فكرا  وسلوكا مجرمة في فرنسا. فقانون حرية التعبير لا يتيح للفرنسيين تشكيل أحزاب تستلهم أفكارها من العقيدة النازية.  والقوانين الفرنسية لا تجيز التشكيك في المحرقة اليهودية “الهولوكست”، بل ولا حتى التقليل من عدد ضحاياها. ولدينا في هذا السياق، حوادث لاعتقالات ومحاكمات كثيرة لكتاب ومفكرين تجرؤوا على التشكيك في حادثة المحرقة النازية لليهود، وهي حادثة لم تكن فرنسا طرفا فيها، ولا تحمل بأي شكل من الأشكال وزرها. ومع ذلك حالت بشكل حاسم دون التشكيك فيها، أو التقليل من حجمها ..

عن ذلك مثال دامغ حي، قضية المفكر الفرنسي الراحل الكبير، روحيه جارودي تعرض للمساءلة والتحقيق والاعتقال، ليس لأنه نفى حادثة المحرقة، بل لمجرد أنه شكك في صحة الأرقام التي يذكرها الصهاينة، لعدد ضحايا المحرقة من اليهود، والتي تشير بياناتهم إلى أنهم تجاوزا الـ6 ملايين فرد. وقد اشتهرت حادثة ملاحقة المفكر جارودي، وتعرضت السلطة الفرنسية لانتقادات حادة واسعة من قبل مفكرين ومثقفين ومهتمين في داخل فرنسا ذاتها وخارجها، بل و حوكم كتابه في محكمة جنيف بسويسرا و برء من ذلك، رغم ذلك لم ترحمه مخالب الصهيونية العالمية حتى في موته، فدبرت له مكيدة ” عائلية” و أحرقت جثته نكاية فيه و في إسلامه، حتى لا يدفنه المسلمون في فرنسا و يترحموا عليه، والقصة لا زالت لغزا عند أصحابه و أحبابه منه أستاذنا المفكر الجزائري الدكتور العربي كشاط، كما بين ذلك في أحد شهادته لأسبوعية البصائر الجزائرية..  

فلماذا إذن لا يشمل القانون الفرنسي تجريم “قضية الرسوم الكاريكاتورية” التي لا تسيء إلى علاقة فرنسا بالعالم الإسلامي فحسب، بل تسيء إلى ملايين المسلمين في أوروبا، جلهم من العرب يحملون الجنسية الفرنسية، ويفترض في الدستور الفرنسي أن يوفر لهم حقوق المواطنة، بما في ذلك الحماية، وكفالة حقوقهم الدينية وعدم التعرض إلى عقائدهم ومقدساتهم.

وليس منطقيا التعلل بما حدث من هجمات إرهابية واعتبار ذلك ذريعة للتهجم على الإسلام والمسلمين. ففعل الإرهاب مجرم ومدان. وإسقاطاته هي على الجميع من غير استثناء، وهو لم يقتصر على أتباع دين دون غيره. والمسلمون هم أول ضحاياه، وهم الذين يقتلون بالعشرات يوميا على يد نظم و دول وحركات تمونها قوى إقليمية و غربية في سورية والعراق واليمن وليبيا ومصر و أفغانستان و باكستان و غيرها..

وعلى هذا الأساس فإن التعامل مع الإرهاب ينبغي أن يوجه إلى الإرهابيين دولا وتنظيمات وأفرادا، باعتبارهم قتلة ومجرمين، دون أن يسقط ذلك على شعب بعينه أو دين أو عرق، وإلا تحولت العقوبة إلى حالة جماعية تشمل أزيد من مليار مسلم، هم أول من يعانون من جرائم الإرهاب على تعدد ألوانه وأشكاله..

نقولها ببساطة وتجرد ، نعم لحرية التعبير، لا ثقافة الكراهية، نحن مسلمو الغرب  ومواطنوها نرفض سياسة الانتقاء وازدواجية المعايير، والكيل بمكاييل مختلفة. وينبغي في كل الأحوال ألا تدفعنا هذه الحوادث إلى التشرنق والعزلة، رغم شراسة الهجمة علينا. فسبيلنا إلى التقدم والتنمية والنهضة، هو أن نكون في خضم الحراك العالمي الرحب والمتحرك في الوطن الواحد و القارة الواحدة ، همنا ” الاحترام المتبادل والاخوة الانسانية للعيش في سلام كمواطنين لا غير”..

فنحن فعلا ، كجالية مسلمة في الغرب ومواطنون عموما مدعوون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لنؤكد للعالم أجمع، أن الإسلام دين أمن وسلام وطمأنينة وحوار وعدل وحقوق، لادين عنف وإرهاب ودماء، وأنه دين اعتدال وحضارة، لا دين قتل على الهوية، دين واحد لا واسطة فيه بين العبد وربه، دين كان من صلب رسالته “لا تقتلوا صبياً ولا امرأة ولا شيخاً كبيراً ولا مريضاً ولا راهباً ولا تقطعوا مُثمراً ولا تخربوا عامراً ولا تذبحوا بعيراً ولا بقرة إلا لمأكل ولا تغرقوا نخلاً ولا تحرقوه.”

بالأمس القريب ـ بعد أحداث سبتمبر اللئيمة ـ كانت أصوات العقل والوسطية تتنادى مطالبة علماء الأمة ومؤسساتها العريقة، لتجديد الخطاب الديني، للفصل بين خطاب الإسلام الحقيقي، وبين التطرف والارهاب والدم، لا إسلام الجُميعات المختطفة للدين، المخترقة والتي تعمل لصالح أجهزة الاستخبارات العالمية تحت غطاء الدين.

وتجديد الخطاب الديني تقوم عليه ببصيرة المؤسسات الدينية العريقة، والجامعات، ورموز الثقافة العربية، للعمل على ترشيده، دون المساس بمضامينه وثوابته، والتجديد الذي نريده هو التجديد في الآليات والوسائل والاساليب، دون الامتداد إلى الأصول الثابتة، فالإنسان يتجدد بالمعرفة والوعي والتعارف وهذا التجدد يضفي عليه إمكانات وقدرات أفضل من غيره في الفهم والتفسير والتحليل والتعليل، خاصة وان النص القرآني فيه إعجاز علمي يتطلب أحيانا معرفة الرأي العلمي، وأحيانا يستنبط ويشتق من القرآن مجموعات من القيم، ومجموعات من القضايا ذات الصبغة العلمية، التي تجعل العلماء أكثر خشية من الله تعالى بسبب حجم معرفتهم وإدراكهم كنه الأشياء، الامر الذي أدركه مفكرونا أمثال المرحوم مالك بن نبي، الذي جعل كل أعماله تحت ظل الآية الكريمة “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”، والآية الكريمة هذه من سورة الرعد آية عظيمة، كما بينها المفسرون في كتبهم كالطاهر بن عاشور وبن باديس وسيد قطب، فهي تدل على أن الله – سبحانه- لكمال عدله، وكمال حكمته، لا يغير ما بقوم من خير إلى شر، ومن شر إلى خير، ومن رخاء إلى شدة، ومن شدة إلى رخاء حتى يغيروا ما بأنفسهم، فإذا كانوا في صلاح واستقامة ثم غيروا غيِّر عليهم بالعقوبات والنكبات، والشدائد والجدب والقحط والتفرق وغير هذا من أنواع العقوبات، جَزَاء وِفَاقًا[النبأ: 26]، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ[فصلت: 46]، وقد يملي لهم سبحانه ويمهلهم ويستدرجهم لعلهم يرجعون، ويستقيمون على الطاعة فيغير الله ما بهم من بؤس، ومن فرقة ومن شدة، ومن فقر إلى رخاء، ونعمة واجتماع كلمة، وصلاح حال بأسباب أعمالهم الطيبة، وتوبتهم إلى الله – سبحانه وتعالى-. وفي الآية الأخرى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ[الأنفال: 53].

وإلى الله – سبحانه وتعالى- نرفع أكف الضراعة ليرحمنا بدفء منه لرص صفوف الاخوة بين أبناء الوطن الواحد و يحفظنا من كل شر و بلاء في هذه الأيام الشتوية المقرفة ، وما ذلك على الله بعزيز، إنه نعم المولى و نعم النصير.

محمد مصطفى حابس
28 جانفي 2015

التعليقات مغلقة.

Exit mobile version