Hoggar Institute

تسييس الحياة العامة في الجزائر، صراع مصالح أم صراع مشاريع؟

Tribune Libre - Benmohammed Naïm

تتهم المدرسة الجزائرية والمنظومة التربوية بشكل عام بتفريخ الفكر الظلامي والإرهاب وأنها المنتجة لكل شر، كما أنها تستثمر في أولاد المجتمع لتحقيق مشاريع تدميرية والقائم على بث هذا الفكر والتحضير للتدمير هو المعلم، الأستاذ، المربي... لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا هذا التحامل على المدرسة وعلى المعلم بالذات؟

لقد أثار تساؤلي هذا ما قالته السيدة سعيدة بن حبيلس رئيسة أو ممثلة الحركة النسائية الجزائرية للتضامن مع الأسرة الريفية أثناء النقاش الوطني حول التنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية من 29 سبتمبر إلى 3 أكتوبر 2006 بقصر الأمم بنادي الصنوبر بالجزائر العاصمة حيث قالت: "وفي صدد الحديث عن المدرسة لا بد من الإشارة إلى عدة مواد أساسية لتربية النشء نذكر على سبيل المثال مادة حقوق الإنسان والتربية المدنية والأخلاقية التي تزرع حس الوطنية وقيم السلم والتسامح والتضامن في نفوس أبنائنا مع العلم أن المدرسة تأثرت أكثر من غيرها بالمخطط الجهنمي الهادف إلى ضرب كيان الدولة وبناء مجتمع تسوده الظلامية (L’obscurantisme) حيث تعتبر النساء عبيد خلقن لإنجاب الأطفال فحسب... وصرختي هذه نابعة من تخوفي على مصير أبنائنا ومستقبل مجتمعنا لأن تصرفات بعض إطارات التربية تعتبر خطيرة بحيث لا زال لحد الآن البعض منهم يرفض تحية العلم الوطني ويجبر البنات على لبس الحجاب وغيرها من التصرفات التي تتجافى ومبادئ حقوق الإنسان وهذا رغم تعليمات وزارة التربية".

ونود الإشارة هنا إلى أن الاتهام ليس بالجديد وإنما له جذور نابعة من الصراع بين المفرنس والمعرب فالأول هو الأصل، هو المتقدم الحداثي والثاني هو المتخلف، المتعصب، الرجعي الظلامي. كما أنه في أصله ليس بالمشكل الاجتماعي وإنما هو مشكل سياسي كان له نتائج اجتماعية ولذلك فإن محاولة جعله ظاهرة اجتماعية تاريخية هو محاولة لتشويه التاريخ من جهة وانتقاص من وجود الظاهرة نفسها واختزالها في نتائجها.

وسنحاول طرح تساؤل جدلي ومناقض للأول وهو لماذا لا يُعتبر المفرنسون التغريبيون سبب الأزمات التي مرت وتمر بها الجزائر وعدم استطاعتها الخروج من نفق التخلف ولا حتى رؤية الضوء في آخر النفق؟

أليس المتفرنسون هم من حكموا البلاد والعباد منذ الاستقلال؟ أليسوا هم من صاغ كل توجهت البلاد التنموية؟ ألم يكونوا ولا يزالون متغلغلين في جميع هياكل ومفاصل الدولة الجزائرية وحتى مع وجود طفرات بترولية لم تستطع الجزائر الانتقال إلى مصاف الدول المتقدمة؟ أليسوا هم من يتحكم في عصب الاقتصاد الوطني؟ أليسوا هم من ينتج فكريا وثقافيا ويقدمون صورة الجزائر في الداخل والخارج؟ أليسوا، أليسوا... فلماذا لا يعتبرون هم سبب تخلفنا وأنهم هم الظلاميين الذين يرفضون الديمقراطية ويعاقبون الغير باسم الحرية؟ ألا يجسدون الأقلية الظالمة؟ ألا يحاكمون المجتمع كله بفعل أقلية هم من صنعها آمن بها وعمل على مواجهة المجتمع بأسره بسببها؟

إن الخطاب المتطرف يوجد في كل بلاد العالم حتى أن هناك من يرى أن العالم يسير نحو مزيد من الخصوصية والتطرف ولقد وقفت على ذلك بنفسي فالكوري لا يحب رؤية الياباني، والسويدي لا يحب الروسي والمصري يكره الخليجي وحتى في الدولة الواحدة توجد مشاكل التطرف والتعصب ففي فرنسا قبلة الجزائريين التغريبيين يوجد التعصب العرقي والتمايز الاجتماعي والعنف بشتى أنواعه بين فئات وشرائح المجتمع المختلفة وذلك بسبب عوامل عديدة على رأسها العوامل الاقتصادية والنظرة الدونية التحقيرية التي تمارسها بعض المجموعات النافذة والمكرسة إعلاميا.

إن الحالة الجزائرية لا تتعلق بمشكل لغة بقدر ما تتعلق بالمصالح المترتبة عن هيمنة سياسية، اقتصادية، ثقافية، اجتماعية للمتحدثين باللغة الفرنسية وبالتالي فإن اقتصاد قائم على الريع من جهة وعلى الندرة من جهة أخرى يعمل على قيام صراع على المصالح وعلى إعادة التوزيع والاقتسام العادل للثروة تمظهر في الجزائر في شكل صراع لغوي بين المتفرنس والمعرب وبين اللائكي والديني. ولذلك نقول أن الجزائر في الحاضر تعاني من صراع بين تمثلات اجتماعية موروثة من جهة ومصطنعة من جهة أخرى للقضاء عليها من الواجب على الدولة فتح مجال لحرية التعبير وللرأي والرأي الآخر وأن لا تكون طرفا فيه هذا من جهة ومن جهة أخرى فتح المجال السياسي لكافة أفراد المجتمع من دون تزكية أو دعم أو مساندة لجهة على أخرى، أي أن الدولة تصبح حكما وليس فاعلا.

وعليه نود التأكيد على أن سياسة الإقصاء والتهميش ثم التهويل والتعظيم من قبل الأقلية النافذة صاحبة الامتيازات – وهو في حد ذاته تعصب – أنتجت تعصبا وتطرفا مقابلا من قبل أقلية أخرى منتمية للأغلبية الصامتة أو الصابرة الباحثة عن العدالة الاجتماعية، هذا الأمر أدى إلى نعت المجتمع كله بالتطرف وهو منه براء لأن الذي يبحث عن العيش الكريم الهنيء ليس متطرفا بل هو إنسان حي.

نعيم بن محمد
4 جوان 2009