Hoggar Institute

عائدا من معرض طهران للكتاب

Tribune Libre - Al-Ahmari Muhammad

كلفنا بأخبار الثورة الإيرانية في سنواتها الأولى وكنا كبقية شباب المنطقة نتقد لمعرفة أخبارها على البعد، فألذ طعوم الحياة للشباب ما كان ثورة واحتجاجا، فلم نر الثورة إلا كهولا، نشهدها اليوم وقد عجزت وسُدّت عليها الطرق، وأصبحت بأمس الحاجة إلى ثورة. فقد انطلقت وأنا في السنة الأولى في الجامعة، وكنا كثيرا ما نتخلص من الدرس ونجرّ الأستاذ للحديث عما يحدث، كنا في قسم التاريخ يحاضرنا الدكتور رشيد الناضوري متخصص في التاريخ القديم، أستاذا زائرا ويتحدث عن الحضارة ـ الإخمينية ـ ثم يقلب الحديث إلى الخميني، ليرضي أمزجتنا المتوثبة لمعرفة ما يدور، وكانت عواصف الثورة تهز العالم، فأنى لنا أن نصبر على هجرة ثلاثة آلاف عام للوراء، وأن نترك ما نرى!

ولم تكن الثورة قد نجحت، وفي ذلك الزمان المظلم من قلة المعلومات كان الناس منجذبين لإذاعات البي بي سي ومونت كارلو وإذاعة إسرائيل بحثا عن خبر صحيح عما يدور على الضفاف الشرقية للخليج. وكان أغرب ما نستغربه آنذاك أن يقود شيخ تغييرا!

كانت علاقات بلادنا بالشاه حيوية أخوية، وكانت الإذاعة مشغولة بأخبار زيارات وزير الشاه ذي الاسم المسجوع: "علي خلعت بري" كانت مادة للسماع في الراديو كثيرا إما قادما أو مغادرا، وقد مللنا ترداد الاسم، وعندما قارب الشاه السقوط أو بعدما سقط صدر بيان من الديوان يؤيد الحكم الشرعي للشاه! فهل كان البيان بإلحاح من الخاسرين أم مجاملة وتسلية لهم، أم كراهية للقادمين؟ كان بيانا محيرا في توقيته منذ ذلك اليوم وإلى اليوم.

لم نكن نتوقع أن تشغلنا أخبار الثورة وحروبها وأفكارها أكثر من عقد من الزمان، وكان أول احتكاك مع الشيعة في أوائل قدومي لأمريكا أواخر عام 1985م فبعد أن أنهى إمام من مكة حافظ للقرآن صلاة العشاء ولما هم بالاستمرار لصلاة التراويح تقدم شاب لبناني بسلاحه وطلب منه أن يترك الإمامة وإلا فرّغ في رأسه رصاص مسدسه. ذهبت بعدها إلى عدة مدن منها مدينة ماديسون في ولاية ويسكانسون، وبعد صلاة الجمعة كان واقفا على باب المسجد شاب يمني يوزع مجلات تؤيد الثورة، ولم أفوّت فرصة الحصول على المنشورات، وكالعادة تبدا عاصفة من النقاش، وكان في المدينة الشخص الثاني من شباب حزب البعث العراقي الذي كان يترنح في أمريكا، وقد تاب صاحبي من بعثيته وتحنبل كغالب سنة العراق، يكبرني ببضع سنين وكان حاذقا ممتعا قبل أن تأكل قلبه صروف الزمان.

ولما أصبحت قادرا على القراءة بالانجليزية لكتب الفكر والسياسة قرأت ما توقعته رسالة دكتوراة لبروجردي نشرتها جامعة سركيوس في نيويورك عن المثقفين الايرانيين والغرب 1996م، وكتب نكي كيدي وغيرها، وكنت أسافر للندن وكان يصلها عدد كبير من كتب مترجمة عن الفارسية وأولها قطع مترجمة من كتب علي شريعتي فقرأت جميع ما تيسر وهو قليل غير أن تلك التراجم ساعدت في تصور ما حدث ومعرفة ما يحدث، وكان للمعارك الكلامية بين السلفيين والإخوان ما يدفع لمعرفة المزيد. فأعطيت الموضوع حقه فيما رأيت منذ نهاية الثمانينيات حتى خرج الكتاب الرائع "من بلاط الشاه إلى سجون الثورة" لإحسان نراغي، ومن قبله كتاب فهمي هويدي "إيران من الداخل" وهو أهم ما ألف باللغة العربية، أما كتاب هيكل "مدافع آية الله" فلم يكن بذاك.

منذ أكثر من عام تلقيت دعوة من مؤسسة رسمية أو شبه رسمية في إيران قريبة من وزارة المعارف أو التربية تدعوني لحضور مؤتمر ثقافي، ففتحت الإنترنت باحثا عن هذه المؤسسة، فوجدتها مؤسسة تهتم بالثقافة وتعطي جوائز لمثقفين كان أحدهم "حامد ألجر" وهو أستاذ شهير يدرس في جامعة بيركلي في كاليفورنيا، ويكتب بالانجليزية عن إيران وعن الأفكار في المنطقة، قرأت له أول ترجمة موسعة لعلي شريعتي في مجلة "المسلم المعاصر"، ثم غابت أخباره، حتى قابلت أحد تلاميذه المخلصين في مؤتمر للمستشرقين، فعرفت أنه بدأ في التسعينيات بإصدار سلسلة كتيبات يبدو أنه يفكر في أن تكون موسوعة عن الأفكار الإسلامية منها الجزء الذي كان مثيرا عن الوهابية وقد ترجم للعربية مبكرا، ولم يخل من تحامل ضدها ومبالغة.

ولما بلغتني الدعوة اتصلت بصديق شهير: ما ترى يا صاحبي في زيارة إيران فقد دعيت إلى مؤتمر فيها؟ وكانت العلاقات العربية الإيرانية سيئة وتسوء، فرد علي ناصحا بعدم الذهاب، ثم مر أكثر من عام وإذا الدكتور عبد العزيز الثنيان أحد كبار الناشرين العرب "العبيكان" يتصل: وبعد السلام افتتح المكالمة بمدح آخر كتاب نشرته: "نبت الأرض وابن السماء، الحرية والفن عند علي عزت"، ثم عقب إن الكتاب "جوهرة"، ولكنك أنت الذي تتحدث على لسان علي عزت، ولم يخف تهمته لي بأني اتخذت من علي عزت مطية لقول أشياء في البال، أو نحو هذا، فأكدت أني وثقت النصوص ولم يكن لي إلا دور العرض والترتيب لآرائه، وبدا أنه لم يقبل قولي، فشكرته على المدح وكم يحتاج من يعمل عملا ولو يسيرا إلى كلمة تشجيع، من مثقف بارز. ثم اقترح السفر إلى معرض طهران للكتاب؟ وكان بعد نحو أسبوع، في الشهر الخامس لعام 2010م وأكد لي عزمه، فقلت سبق أن دعوني فلم أذهب ونصحني صديق بعدم الزيارة، وأنت من المعصومين من اللوم، أما نحن ف.. لعلي قصدت لنا نكد المثقفين، قال: "لا تحاكي" أي لا تناقش، أطلق العبارة بكل ما يحمل من إرث بيروقراطي مع أنه يعجبه أن يوحي بأنه ديمقراطي، قلت أعطني وقتا وسأفكر وأرد عليك، سألت القريب المشير فقال: "خذني معك"، قلت وهل كل هذه المغامرة خوفا من خطر المتعة!

ذهبت للسفارة في الدوحة واستخرجت التأشيرة في أقل من أربع وعشرين ساعة، فأول ما وضعت الجواز حوالي الثانية عشرة ظهرا لم يزد الموظف عن أن التفت للورقة ثم قال: للمعرض؟ قلت نعم، فطلب المبلغ حوالي خمسين دولارا، وقال في الصباح تأتي في الساعة الثامنة لأخذ التأشيرة دون بحث حاسوبي ولا سؤال ولا وثائق أخرى، وكان ما وعد به، وقد كنت أتوقع تعقيدا كتعقيد الأوروبيين أو رفضا، ثم اتصلت: "أخذت التأشيرة"، وحددنا يوم لقائنا في طهران الجمعة 7\5\2010م.

لفت انتباهي في مطار طهران نظافته وسلاسة الاجراءات، وقد كان بجانبي في الطائرة التي أقلتني من الدوحة تاجر هندي هندوسي عاش في منطقة الخليج العربي أكثر من ربع قرن، ثم افتتحت شركته الأمريكية "بيبسي كولا" فرعا في إيران فذهب إلى هناك، وقد أثنى كثيرا على أخلاق الإيرانيين وتعاملهم وأنهم لا يغشون وتعاملهم رفيع وطعامهم جيد وأرضهم جميلة، كدت أقول يكفي "هجاء". وحدثني عن جبال شمال طهران العالية التي يكسوها الثلج أكثر العام، فرفع حديثه عن صدري غما وقلقا كثيرا من بلاد غريبة، ولما رأى الحمص في الصحن قال: "في طهران لا حمص ولا تبولة ولكنك ذاهب إلى بلاد الكباب"، وكان ما قال، فالطعام في إيران في الجملة جيد، و بحسب المكان. كما لم أجد أن بالامكان الحصول على المال من النوافذ البنكية المنتشرة، فهي فقط للبنوك الإيرانية، ولا تتوفر نوافذ للبنوك الأخرى، وكان هذا أول وجوه الحصار التي تواجهك هناك، غير أني كنت قد توقعت هذا واحتطت لنفسي.

ثم وصل أمير الرحلة ورفيقه الدكتور عبد الله المعيلي في فجر اليوم التالي والتقينا في المعرض، لأنهم وصلوا متأخرين ولم يناموا، أما أنا فباكرت الكتب. وقد أوصلني للمعرض الشاب نفسه الذي لقيني في المطار وهو شاب كردي سني نبه لغته العربية جيدة يقول تعلمها مبكرا فقد كان حريصا على تعلمها وكان يستمع للراديو وللبرامج الدينية العربية ليحسن لغته، واللغة العربية في إيران منتشرة إلى حد ما في صفوف المثقفين وبخاصة المتدينين، واللغة الفارسية تكتب بالحرف العربي ومملوءة بالكلمات العربية، حتى إنك تستطيع معرفة الموضوع في الجريدة وأحيانا التوجيهات الموجودة في اللوحات دون ترجمة. فمثلا وزارة الاقتصاد اسمها: "وزارة أمور اقتصاد" ومحل تعمير أو إصلاح الهواتف الجوالة: اسمها: "تعمير موبايل" وهكذا. حتى لتذكرك بعض العناوين الكثير من الفصيح العربي المنسي، ففي عنوان الجريدة عن لقاء للناشرين يتحدث الولي الفقيه إليهم بأن "عرصة الثقافة عرصة جهاد" عرصة أي حلبة، أو ميدان كما في: "عرصات القيامة".

تعطي الحكومة الإيرانية اهتماما كبيرا بمعرض الكتاب، فمثلا يزوره المرشد الأعلى للجمهورية، وقد صوّروه وهو يمر على عدد من الناشرين، ويقبل مصحفا ناولته إياه إحدى البائعات، ويستقبل الناشرين في قصره، ويعقد معهم لقاءا، وفي آخر يوم يكرم رئيس الجمهورية الناشرين. أما القسم العربي من المعرض فيقع في خيمة واسعة يزيد طولها عن مائة متر وعرضها نحو عشرين مترا فيها ناشرون عرب كثيرون أغلبهم من السنة، وتحديدا من مناطق الشام بيروت ودمشق وعمان وقليل من غيرهم كمصر فهناك من الناشرين الرسالة والمؤسسة العربية، ومن دور النشر السلفية التي رأيت كتبهم دار ابن حزم وابن كثير وآخرين، كالعبيكان، والشبكة العربية، ومكتبة الإحسان وهي مكتبة إيرانية كثير من كتبها سنية إن لم يكن أكثرها حيث يهتمون بكتب الشافعية والأحناف.

كما أن علماء آسيا الوسطى ـ من الأحناف وعلماء وطلاب أفغانستان وباكستان وغرب إيران وجنوبه وشرقه في كردستان وعربستان وبلوشستان وهم يزيدون عن خمسة عشر مليونا ـ يحبون الكتب التراثية العربية، ويقبلون عليها، ولكنها قليلة وغالية السعر عليهم، وكثيرون من تلك المناطق المجاورة يقبلون على المعرض وعلى الكتب الفارسية، لأن اللغة الفارسية غنية بالتراجم عن اللغات وخاصة كتب الأدب كالروايات الغربية وكتب الفكر والفلسفة. وهذا مؤشر ثقافي كبير فحيث تنتشر كتب الرواية تتراجع كتب الدين، ويتراجع التدين، وتشير إلى التحولات الثقافية العلمانية في المجتمع.

أما عن القاعة الرئيسة للمعرض، فهي مخصصة للكتب الفارسية، وللبعثات الثقافية الحكومية، ومن الحاضرين العرب الإمارات وعمان، في الطابق الثاني، وكان بعض العرب يحضرون في السنوات الماضية ثم قاطعوا، ولعل تلك القاعة الرئيسة من أكبر ما رأيت من قاعات المعارض وأجملها، مزدحمة جدا بالكتب والزوار، ومع ذلك كان الدليل يقول لنا إنها الآن أقل ازدحاما من يوم الجمعة بكثير، ويذكرون أعداد الزوار بالملايين ولكن تلك الأماكن يصعب تصور أن مليونين زاروها في يوم الجمعة كما قال الدليل. وقد قرأت في جريدة "طهران تايمز" عن عدد زوار العام السابق 2009 بأنهم كانوا خمسة ملايين زائر، وعن تلك القاعة أنها عادة ما تكون مصلى العيدين الفطر والأضحى، وبجوارها مسجد لم يتم ومنارات هائلة الارتفاع، بدأ بناؤها في بدء الثورة ثم لم يستكمل إلى الآن!

من المناقشات التي نشرتها جريدة طهران تايمز، سخط الملالي من لباس النساء في القاعة، لأنهن يلبسن لباسا غير محتشم في مكان الأصل فيه أن يكون للصلاة، اسمه الأصلي: "مصلى الخميني"، وهناك مطالبات بإعادة أو نقل المعرض إلى منطقة المعارض الأوسع، وأحد الآيات احتج وطالب أن يسمح الرئيس بمحتسبين على الأبواب يمنعون غير المحتشمات من دخول المعرض، فهو يقول إنهن حولنه إلى معرض أزياء أو "موضة" ونقلت الصحيفة عن بعض العلماء الذين قدموا من قم بأنهم عادوا بقلوب مكسورة مما شاهدوا في المعرض. وهناك نقاش في البرلمان بشأن هذا، ومطالبة بتغيير وزيرة الثقافة ومطالبة من بعضهم الا تكون الوزيرة إمرأة، أو تحول صلاحية الإشراف على المعرض إلى المشايخ لأنه يعقد في "مصلى".

وقد حضر المعرض كما تقول الجريدة نفسها 1129 ناشر، من ثمانين بلدا، بزيادة عن العام السابق. وهناك مناطق خاصة بالناشرين الأجانب وقاعات خاصة بكتب الأطفال، وبالكتب الأكاديمية. وقد منعوا -إلى جانب بعض الكتب السلفية- كتبا لبعض الشعراء لما يرون فيها من فساد أخلاقي. أما عن الكتب العربية الممنوعة فكان من الممنوع كتب الشيخ القرضاوي وقد صدر المنع بسبب نقده الأخير للشيعة، ومنعوا النسخة العربية من تفسير الشيخ السعدي ويسمحون بتداول طبعته الفارسية، لأن الطبعة العربية عليها مقدمة لتلميذه ابن عثيمين، ولأن له كلام صعب عنهم، فقد كان ممنوعا، أما كتاب الشيخ عائض القرني "لا تحزن" فقد رأيت أحد كبار الآيات يقلبه في مكتبة العبيكان ثم مدحه أحد شبابهم لهذا الآية وقال إن الكتاب مليئ بالآثار أو نحوه، فقام صاحب المكتبة بإرسال نسخة هدية للآية. ومن الممنوع أيضا كتاب للعريفي انتقاما لنقده للسيستاني.

أما الحضور العربي في المعرض، فلم يكن كبيرا في حدود 50 ناشرا أو مكتبة عربية تقريبا، وكانوا في الخيام في الخارج إلى جوار الناشرين الأجانب وهم من الغربيين غالبا كانت بضاعتهم من الكتب العلمية الأكاديمية إلا قليلا. ولم أجد عندهم من الكتب الإنسانية ولا الأدبية ولا السياسية ما يذكر.

ويعاني الناشرون من تذبذب أمزجة المراجع فيما يتعلق بفسح الكتب ونشرها فقد يسمح شيخ ويأبى آخر، فيضيق ذلك فرصة وصول الكتب بسهولة، علما بأن الكتب لا تنبش غالبا من داخلها عن محتواها فتجد في معارضهم كتبا شديدة النقد عليهم، وقد وجدت كتبا تمتلئ بنقدهم ونقد عقيدتهم، والتشنيع على الرافضة، ولعل السبب قلة من يتابع النصوص العربية.

ومن مجرد الإطلاع على القاعة الفارسية الرئيسة، ترى مظهرا رائعا للإقبال على القراءة وتنوع دور النشر وكثرة الرواد وكثرة الناشرين، لا أعلم إن كان في العالم النامي ما يقارن به، ويقال إن معرض القاهرة أكبر ولكنه ليس أرتب ولا أنظف. أما رواد المعرض من خارج البلاد فهم غالبا من الناطقين بالفارسية في المناطق المجاورة من باكستان وأفغانستان وأذربيجان وغيرها.

بعد ثلاثين عاما من الثورة، لم تتخل البلاد عن الشعارات، فالشعارات ملح الثورات، ولكن لما يطول الزمن تفقد طعمها وأهميتها، وفي الميادين وعلى الطرق الرئيسة تجد تلك اللوحات الكبيرة وفيها كلمات ترحيب فمثلا في مدخل طهران يقول ترحب بك في "أم القرى" وقد ترجم لي المترجم المعنى بأنها تعني "عاصمة المسلمين"، وشعارات تجدها أيضا عن "إمام المسلمين"، مع إشارات متناثرة كثيرة على أن البلاد هي المرجعية الإسلامية للعالم. وبعض الشعارات لها معان جميلة، مثل: "العاقل يعمل والهبل يأمل" وكلمة أخرى تنتشر على السيارات وغيرها وهي دعاء بخروج الإمام المنتظر " اللهم عجل لوليك الفرج" وكلمات منتشرة كثيرة مثل "إمام زمان" وشارع "إمام زمان" أما كلمات: فاطمة وحسين ومعصومة وعلي وآل البيت فتلوح لك في كل زاوية.

ولعل من الجدير بالفهم في الثقافة الإيرانية الجديدة، ما أحدثه حزب البعث العراقي من صياغة لفكر الثورة أثناء الحرب وبعدها، فقد كانت الثورة كما تدل أدبياتها الأولى قبل الحكم وفي بدايته أنها كانت تتجه للوحدة الإسلامية، وكان كبار مفكريها وصائغي توجهها من أمثال شريعتي (الذي تأثر به الخميني كثيرا بالرغم من أنه في سن ابنه ـ راجع راي تقية، إيران الخفية الفصل الأول) ومطهري ومنتظري يتجهون للعالمية الإسلامية، وللتسامح القومي وللجذور العربية الإسلامية للثقافة في فارس، غير أن الخصم والموقف العربي اضطر الثورة وإمامها وممارساتها لأن تعتنق العقيدة القومية الأوربية المتطرفة، دون إعلان، وتبقي الكثير من التوجهات الإسلامية في الخارج في دائرة الدعاية. وذلك المرض أشبعه بحثا قبل حدوثه علي شريعتي في التشيع العلوي والتشيع الصفوي، إذ يرى أن الصفويين أوقفوا الفتوح العثمانية في أوروبا، بسبب ما فتحوه عليهم من حرب في فارس والعراق.

ويبدو أن من الصعوبة أن تتخلص إيران من سموم القومية التي ترسخت واختلطت بالدين، رغم ما تسببه هذه التوجهات القومية من متاعب لها مع الجوار ومع الأجناس غير الفارسية في داخلها كالعرب والكرد والبلوش والأذريين، والتشيع لن يكون كافيا ولا مقنعا لهذه القوميات التي التحقت بمذهب الدولة ولكن الدولة لم تستوعبها سياسيا. وخطاب المناوئين للحكومة بقي في حدود التخفيف من التطرف السياسي والديني ولكنه لا يلمس قضايا كبيرة تهم المنطقة، وإن كان يظهر أنه أكثر تسامحا، وتركيزا على هموم الداخل.

أكراد إيران يعانون من مواجهات مستمرة مع الحكومة وبخاصة المجموعات القومية المحاربة منهم، وقد تشيع نحو ثلاثة أخماسهم كما قيل، والمتشيعون الجدد فيهم تعصب شديد للمذهب الذي جدّ عليهم واعتنقوه، كما أخبرنا أحدهم، والبقية ممن بقوا سنة تعاني من قلة المعرفة باللغة العربية وقلة الكتب في الثقافة الكردية، وبعض مثقفيهم وخاصة من السنة يحرص على الحصول على المصادر الشرعية بالعربية ولا يجدونها، وبالتحديد كتب الشافعية، لأن غالبية سنة إيران شوافع أو أحناف وفي الجوار أكثرهم، وبعض السلفية تيسر أحيانا عليهم بعضها إلى جانب كتب الحنابلة. وفي حديث مع عدد من الشباب السني ذكروا أنهم يتمنون الدراسة في البلاد العربية لأسباب دينية ويقولون إن الطرق أمامهم مغلقة، وبعضهم يأتي للدول العربية بمنحة ثم يطرد لأوهام سياسية. ويؤكد أحدهم أن إيران قدمت منحا سخية حكومية أو عن طريق الآيات لأكثر من خمسمائة طالب من واحدة من دول الخليج ذات الأقلية الشيعية في الحوزات.

أما داء التعصب القومي الكردي لدى بعضهم، فكبير، ولا يختلف في إيران عنه في غيرها، بل يفتك بالأكراد ـ للأسف ـ فيروس القومية، أكثر من أي شعب أخر في العالم الإسلامي، ولعل أهم أسباب ذلك أنهم صحوا متأخرين على وجودهم في منطقة يسودها تطرف قومي من متطرفي البعث العربي في العراق خاصة ـ إذ لا يجدون المشكلة نفسها في سوريا حتى إنهم تسلموا القيادة السياسية في السابق والدينية كثيرا ـ ومتطرفي الطورانية التركية، ومتطرفي القومية الفارسية، فامتصوا هذا التطرف المحيط بهم ليصنعوا تطرفا أشد، حتى إنه لما يرد ذكر صلاح الدين الأيوبي ويمتدح وهو من أصل كردي فقيل لنا إن الكرد يلومونه ولا يرون امتداحه لأنه لم يصنع شيئا خاصا بالكرد! وتلك عقدة عند من يفكر بها وأرجو أن يكونوا قلة لأن صلاح الدين زعيم أمة لا زعيم قومية، ولم نهتم وما كنا نعلم أنه كردي من تكريت إلا بعد زمن طويل، واختزاله في قومية يقلل من قدره ومن دوره الإنساني العالمي.

ومنطقة كردستان منطقة من أجمل بقاع إيران وأوفرها ثمارا وخيرا، وهي الآن معبر للتهريب من وإلى العراق، وقد كثر فيها تهريب الخمور من العراق إلى إيران، ومرة سأل الرئيس الإيراني أحمدي نجاد غريمه الرئيس العراقي طالباني لماذا تسمحون بتهريب الخمور من بلدكم إلينا؟ قال العراقي طالباني ولماذا تشربونه أنتم؟ وتتوفر إحصاءات مرعبة عن استهلاك الإفيون في إيران يصل بعضها إلى القول بأنه خمس المنتج في العالم، وكثير منه يصدّر عن طريق الحدود التركية، إذ كان يصل للحدود الأفغانية الكيلو بنحو ألفين وخمسمائة دولار ولما يبلغ حدود تركيا يكون قد تجاوز الخمسة آلاف دولار إلى عشرة أضعاف السعر لما يبلغ أوربا الغربية.

أما المخدرات، فلعل إيران أكبر سوق يستهلك ويستورد المخدرات وخاصة الإفيون من أفغانستان فالسوق الأكبر والأٌقرب لأفغانستان هي إيران، وتمتلئ الأخبار حول العالم بأنباء هذا الداء المكتسح لإيران.

تبعد قم نحو ساعة ونصف بالسيارة جنوب طهران، وعندما تكون على مشارف المدينة ترى القباب الذهبية لقم، وتسير حتى تصل ما يسمونه بـ: "الحرم"، وفي قاعات حرم المعصومة أو المسجد الكبير في قم رأيت مشهدا لا يمكن تخيله إلا في كتب التاريخ والتراث، وكان أكبر ما تخيلته من حلقات العلم ـ لا الوعظ والخطابة ـ قديما حلقة الإمام الغزالي في بغداد كما وصفها تلميذه ابن العربي، إذ كان في حلقته أربعمائة عمامة، وهو يعني من العلماء أو المتقدمين في العلم، ولكنك في قم ترى مشهدا وافدا من وراء الدهور، حلقات بجانب حلقات، من طالبين أو ثلاثة أو عشرين وأكثر، على رؤوسهم العمائم وبأيديهم الأوراق والأقلام والدفاتر والكتب في نقاش وجدل وكتابة وآذان مصغية وأعناق ممدودة وأعين شاخصة في متحدث، وأخرى متوفزة للرد، وبحر من اللغة والعقيدة والجدل والمنطق والفقه والفلسفة. يمر بهم الزوار والسواح والمصلون ولا يلقون اهتماما لغير ما هم فيه. هذا في حرم المعصومة وعلى جوانب المسجد قاعات للمحاضرات أشبه بالفصول الدراسية المتوسطة بعضها يسع الثلاثين طالبا أو أكثر، وملاصق للقاعات من الخارج توجد المدرسة الفيضية الشهيرة التي كانت فيها أول شرارة لمعارضة الخميني وفيها قتل الطلاب المعتصمون عام 1964م.

في زاوية من المسجد يوجد قبر المعصومة، حيث تسكب الدموع، وتبذل الأموال، وهو قبر يطاف به، وقد جاءوا بجنازة ونحن هناك فطافوا بها على القبر، ثم أخرجوها للساحة وصلوا عليها، وقال زميلنا إنهم أعطوا مالا للإمام بعد أن صلى على الجنازة.

في إيران تشاهد حضور قصة المال في المزارات والمساجد بشكل ينتقص المظهر الإيماني للمسجد ودوره، حتى يكاد الدين أن يكون تبادلا ماليا، يشبه ما يحدث في الكنائس أو أكثر.

على مسافة قريبة، تقع مكتبة مرعشي الشهيرة غير بعيد عن المسجد وكانت مغلقة وقت مرورنا وهي من أهم مخازن المخطوطات التراثية الإسلامية في العالم، للمرجع الشهير الذي كان يجلب إليه المال والكتب من كل مكان. وبجانبها مكتبة لبيع الكتب وجدنا فيها قليلا من المنشورات والمجلات بالعربية، بعضها مطبوع في لبنان و البقية في إيران، وكالعادة تتوفر كتب الخميني وتراثه بالعربية وغيرها في أغلب المكتبات. وملاصق للمكتبة مؤسسة "تبليغات" للدعوة الدينية عبر العالم، ولكل منطقة مكتب يشرف على عمل الدعوة في بلد ولوحة على الباب تحدد إدارة الموقع، وكان المكان نظيفا ويبدو أن عمّاره من العلماء والدعاة، وقد صلينا معهم في المسجد العصر والظهر حين أغلقوا المكتبة للصلاة وهم يجمعون صلاتي الظهر والعصر بين الوقتين تقريبا.

وقد انقسمنا ما بين من يرى صحة الصلاة خلفهم أو يرى متابعة الإمام ومفارقته بالنية ومن لا يرى الصلاة معهم نهائيا، وأصبح كل منا مفتيا ولو لصلاة واحدة وفي النهاية انتهى الأمر بأن صلى إثنان معهم وخالف اثنان، وحمدنا الله على الوحدة الإسلامية حتى بيننا!

وغير بعيد من مكتبة المرعشي هناك بيت الخميني، بيت متواضع سكنه مدة سبع سنين إلى عام 1964 العام الذي أخرج فيه من إيران، بيت صغير متواضع، ولكنهم يعملون على تجديده ربما ليكون مزارا أو معلما سياحيا،.وكان القيّم على المكان يتحدث العربية، لقد كانت زيارة قم من أطرف ما في الرحلة، وكنت قرأت في أكثر من مصدر أن أصل سكانها من العرب، وكانت تتحدث العربية دهرا طويلا. ولعلها شاقت العرب فسكنوها لأنها جرداء وبعيدة عن الماء والثلج والأشجار.

لا يليق أن يستهين أحد بنتائج المقاطعة الغربية الطويلة لإيران، وإلزام العالم بما فيه المسلمون بحصارها، ذلك الحصار الذي لم ينجح في كسر شوكتها القومية ولا الدينية، فقد ساعدتها العزلة على تطوير نفسها في عالمها الخاص في كل شيء، خسرت كثيرا من الحصار، ولكنها في الوقت نفسه وبخليط من الدين والروحانية والقومية والثقة في النفس، ترعى أو تصنع تيارا متعاليا غاضبا يتزايد، قد تكون نتائجه وخيمة على الجوار كله، فالذين غسلوا عار 1953 بثورة 1979، لا يستبعد الإنسان انتقاما أوسع مستقبلا من الجيران والبعداء بسبب هذا الحصار الطويل.

وبما أن الجوار لا سياسة له من بلدانه، فإنه يجب أن يكون صريحا مع نفسه دائما، ويعلم أن الأجانب مهما أقاموا وابتزوا واحتلوا واغتصبوا فإنهم راحلون، وتبقى شعوب هذه المنطقة لزمن أطول فلا يغرسوا بذورا للأحقاد وللتدمير الذاتي، وليخففوا من ثقافة المحتلين التي تقوم دائما على قاعدتهم "فرق تسد" وهي تعني للمغلوبين "ميز تتدمر"، وليلمس جيرانهم منهم أنهم ليسو مصدر شر عليهم، بل احترام متبادل ونزع لكل عناصر التضييق والحصار، أو على الأقل لا تزرعوا في عقول الفرس أنكم مصدر البؤس والضيق في حياتهم، لا مصلحة لكم أن تزرعوا الحقد لتحصدوا الحرب، ومن أغراكم بالحصار سيقلب لكم مستقبلا ظهر المجن، فيتحصن ويترككم في العراء.

عندما كان نابليون يدوس ألمانيا تحت قدميه، كان العقلاء يحذرون الفرنسيين من السموم المستقبلية التي يصنعها الفرنسيون لأنفسهم في قلوب الألمان، كانت فرنسا تجتاح المقاطعات الألمانية المتوحشة المتخلفة، بأن الألمان لن يبلعوا الضيم طويلا، ولكن الفرنسيين كرروا كل تلك المآسي، حتى صحوا على هتلر يغتصب فرنسا ويسير في شوارع باريس بكل جبروت كما فعل نابليون ويقول ها أنا أرد لكم ما أسلفتم.

ورأيتم من قريب كيف استخدموا صدام لصد الثورة، ثم اغتصبوا العراق ونهبوه ثم قتلوه، وأسلموه لخصومه، كتب الصحفي الإيراني "محمد صادق الحسيني"، حينما أستنكر بعضهم عدم تدخل إيران في أول حكومة عراقية، فقال إنه سأل مسؤولا إيرانيا عن السبب فقال له المسؤول: بالله عليك لو شكلت إيران الحكومة العراقية هل يمكن أن تعين أحسن لها من هؤلاء؟ وكان يتحدث عن حكومة الجعفري.

بالرغم مما أظهرته الثورة من أنها حركة عقلية واقعية وتحررية إلا أنه يوازي ذلك تراجع مضاد في تسييد الخرافة، والمبالغة في نفوذ أرواح التقاة والتعلق بالأولياء والعبّاد ومن قيل إنه من الخيّربن!

فهناك مساجد ومشاهد ومقابر تشيّد بشكل عظيم ومبالغ فيه، وكأن بعضهم يراها بديلا عن العتبات المقدسة وقبور الأئمة في العراق، وقد تكون بديلا مستقبليا عن الحرمين، وبديلا عن زيارة المراقد التي تزار في العراق،، ولا أستبعد سببا اقتصاديا لهذه التحولات في المواقع المقدسة.

عند دخولنا منطقة قبر الخميني توقعنا أنهم سيطالبون بمال، ولكنهم تركونا وأعطونا بطاقة "صلوات"، وهي تعني مجانا أو صدقة أو لتقوم بالدعاء لصاحب المقام، في مسجد الخميني ترى قبرا على ناحية المسجد اليسرى في المقدمة وتراه أشبه بالقبر النبوي ومعه قبر أحمد ابنه، وزوجته تحت صندوق على بضعة أمتار قليلة.

من الملاحظ أن السياسة والعنصرية والحصار الاقتصادي والسياسي والديني واللغوي، يبدو أنها تصنع كل يوم وحدة وتكوينا جديدا لدين جديد وثقافة خاصة، منها التمرد العقلاني ومنها الإغراق الخرافي، ومنها الخروج إلى التغرب ومنها الإلحاد، وهذا ليس نتاجا لمستجدات جديدة، وخاصة ما يتعلق بالخرافة، بل بعضه من زيادة الخيالات التي تضخمت عن آل البيت وعلاقات الهوية الخاصة التي تنشأ بقوة وتميز في إيران، وهذه بدورها تساعد على صناعة هذا التكوين الجديد، قد يسمح للحكومة بفوائد مركزية وتميز واستغلال للتابعين وانغلاق على اللغة والثقافة الفارسية والتميز العقدي الجديد.

لا شك أن المفارقة اللغوية، وضعف اللغة العربية لدى المتعلمين لعلوم الشريعة ـ وقد حذر من هذا كثيرا مطهري ـ وهذا الانفصام اللغوي والسياسي عن العربية، والبقاء داخل أسوار الفارسية والتشيع أضعف الدين واللغة، وساعد على بناء مشاعر تميز قومي وعقدي، فأصبح أشبه بدين خاص ينمو في مكان خاص ولغة خاصة.

قابلت الشيخ هاني فحص الشيعي اللبناني المعروف، في مؤتمر في القاهرة في نهاية شهر يونيو وذكرت مستغربا التشكل الجديد لملامح دين وهوية متميزة وجديدة في إيران، فقال هذه الظاهرة الجديدة بدأنا نسمع عنها وهي ما يسمونه بـ(الدين الشيعي). ولكم آمل أن تكون هذه الانطباعات مجرد أوهام لا حقيقة لها.

إن الثورة والحصار أنتج حالة مخيفة من العزلة إن لم يتم التغلب عليها بانفتاح وتذويب للأحقاد فسوف يزيد من اكتنازها باتجاه التدمير الداخلي أو الخارجي، ومؤشرات الغرب تلوح بالتمدد الخارجي في منطقة فارغة عقديا وسياسيا واحتلال غربي يعاني ولا يستبعد أن يبحث في إيران عن منقذ لسياسته هو لا لإيران، وقد تكون جاهزة لممارسة دور الوصي على من لا سياسة له ولا توجه.

وقد قرأت في أكثر من كتاب من كتب الكاتبة الأمريكية روبن رايت، التي تابعت الشأن الإيراني طويلا وعن قرب، وكانت تدخل قصر الحكم وتحاور الحكومة والمثقفين المناوئين لها، وتشيد أو تشير إلى دين البروتستانت الجديد في الإسلام، أو "المحتجين" وتشبه التحولات في إيران ـ وربما تغري عن قصد ـ بقصة نشوء البروتستانت الألمان الخارجين على الكاثوليكية، وتؤكد على دور "سروش" وتنفخ فيه وأنه يقوم بدور يشبه ما قام به مارتن لوثر، بل وتسميه لوثر الإسلام. وترى أنه كما كانت ألمانيا مهد البروتستانتية فسوف تقوم فارس بدور ألمانيا في صناعة الدين الجديد.

المتدينون الجدد أكثر تعصبا من أصحاب المذهب أو الدين الأقدم، وهذا ما تجده لدى اللاحقين الجدد بأي دين وثقافة، أو مذهب جديد، أو من يحبون أن يثبتوا أنهم في قلب تلك الديانة أو المذهب، هذه ملاحظة صاحبنا الكردي على المعتنقين الأكراد الجدد للتشيع، وكذا ملاحظة هاني فحص وهو يتحدث عن "المستبصرين".

المستبصر عندهم هو المغير من المذهب السني إلى المذهب الشيعي، قال الشيخ هاني قابلت شيخا كرديا في إيران فقدم نفسه لي بأنه "مستبصر"، قال قلت له وهل كنت أعمى؟ وقد لاحظت عند شيعة العرب في لبنان وبين بعض شيعة العراق انتقادا شديدا للتشيع الجديد المشبع بالخرافة، ولكن الشيخ هاني نفسه قال كنت أناقش لاريجاني عن قصة الخرافات المضافة للتشيع الإيراني فقال نتخلى عن الخرافة ونرسلها إليكم، ومن رأى عامة من شيعة العراق في عتبات قم لاحظ هذه الظاهرة حيث العرب بالثياب العربية والغتر العراقية وملابس عرب إيران يتمسحون ويقبلون الجدران والأبواب والحوائط لرأى عجبا لا يعقله عاقل، فما الذي جعل هؤلاء يتمسحون بالصخور وبالأخشاب.

وقد لا يكون الشيخ هاني أفضل من يمثل رؤية عقدية ولا سياسية للتعريف بما يدور ولكن ليس كل قوله باطلا، وبخاصة إذا أيدته الملاحظات والشواهد الحقيقية. ويقابل ذلك موجة أخرى أكثر عقلانية ـ ربما إلى حد التطرف ـ ضد هذه الخرافات، تجد تطرفها في شخصيات ثقافية وسياسية عديدة منهم ومن الطائفة نفسها في الخارج كالكاتب الأحسائي فؤاد إبراهيم الذي يستنكر هذه الظواهر الخرافية.

يرى فؤاد سبب تصاعد هذه الخرافات حرمان العراق من الطقوس الشيعية لأكثر من عقدين من الزمان، فأقبلوا عليها بشغف، ثم استغلال السياسيين الذين لا قواعد شعبية لهم للبحث عن جماهيرية بين عامة الشيعة، ولهذا نرى بعض السياسيين الشيعة ممن لا يعتقد في هذه الزيارات ولا المواسم يمشي وربما حافيا ما بين البصرة والكوفة بحثا عن جماهيرية دينية، وعن أنصار حزبيين.

ثم يخشى الكاتب من تسرب هذا التشيع إلى الشيعة خارج العراق، يقول: "هذا التشيع الذي نجده اليوم، هو في ظني وأعتقد بأنني أدين الله به سواء في الدنيا والآخرة، فإنّ هذا التشيع الذي قرأته في الكتب ليس هو التشيع الذي نراه اليوم.. هذا التشيع الذي نراه اليوم هو ما حاربه أئمتنا في حياتهم.. ونحن لا نتحدث عموماً ولكن أتحدث وفي مخيلتي بعض النماذج الحاضرة، ومنها النموذج العراقي، وقد أعذر ربما من يمارسون هذا التشيع، باعتبار أنّ العراق انقطع عن العالم وعن حركة التحولات الفكرية الشيعية لعقدين من الزمن (من 1980 إلى 2003).. وبالتالي أنا أعذر ظهور هذا التشيع ولكنني ألوم الذين جاؤوا من الخارج وتبنوا واعتنقوا ولو جزئياً هذا التشيع الشعبي.. ثم هذا التصدير الذي حصل بعد عام 2003 إلى مناطق أخرى" (كل الوطن،4\5\2010م، عن محاضرة في بيروت)، وهنا يبدو أن لاريجاني أدرك ماذا يصّدرون، وقد ينفع سياسيا.

في تلك الأيام كان هناك احتفالات بالعشرة أيام الفاطمية ولأن عندهم خلاف في وقت موتها بين قولين والفرق بين القولين عشرة أيام فقد أصبحوا يحتفلون بالعشرة أيام الفاطمية كما قرروا، وقال دليلنا إنه منذ سنوات قليلة لم يكونوا يحتفلون بهذه الأيام العشرة ولا يعطونها قدرا كبيرا، ولكن الآن أصبحت هذه الشعارات والشعائر الجديدة ذات أهمية كبيرة.

وهكذا نلاحظ التعديلات والتحولات في عقد واحد فقط، ولكن يقابل ذلك تيار دنيوي علماني قوي جدا يعيد قراءة كل شيء قراءة دنيوية مادية باسم العقل وتطوير قراءة لغة الدين، قراءة تستمد فكرتها من رجل الدين البريطاني "هك" وقد دعي هناك للمحاضرة، ومن كارل بوبر، ومن هابرماس ولهذه الموجات مفسرون محليون من أمثال سروش وشبستري.

ونحن عائدون من قم وقفنا عند قرية أو ضاحية لها تدعى جمكران، وفيها ما لا يخطر ببال عاقل أنه المكان المتوقع أن يخرج منه إمام الزمان، بناء على رؤيا رآها أحدهم فقامت أخيرا صناعة وتجارة ودين ومزار بناء على تلك الأوهام، التي نسيت لعشرة قرون بعد خبر المنام، اتجهنا إلى القرية الصغيرة التي لا تكاد ترى ولكن يشيد في المكان أبنية ضخمة لم تتم بعد، وقد انتهى منها المسجد.

عندما اقتربنا من المكان وكان السائق عاميا خفيف الظل ويعرف قليلا من العربية وقليلا من الانجليزية يكفي للضروري من القول، ولما أردنا أن ندخل المنطقة فكان الدخول بمبلغ مالي قال السائق: "حتى إمام الزمان يأخذ منا المال؟" نعم مزارات تجارية وبيع للدين وللمزارات على أشده وأبنية من أفخم ما يمكن أن ترى عينك وأجمل ساحات مزروعة ومبان في غاية الضخامة والفخامة، وهناك المال يصب بل يُكبّ على تلك البقاع بسرف لا نظير له وكم البلاد وفقراؤها بحاجة لتلك المليارات, كنا مرهقين فجلسنا في ناحية المسجد بالغ الزينة.

عند خروجنا وجدنا قرب الباب من الداخل طاولة على يمين الخارج من المسجد يجلس إليها إثنان ومكتوب فوقهما لوحة تقول: "ثبت كرامات وخاطرات" حيث يمر ويسجل حلمه من رأى مناما عن إمام الزمان!

أمام قبلة المسجد من الخارج كشك يبيع أوراق بمبلغ قليل وتلك الورقة مكتوب فيها رسالة لإمام الزمان أولها دعاء وتمجيد ثم وسطها فارغ ثم خاتمة، حيث يكتب الطالبون رغباتهم في وسط الورقة النموذج، ثم يذهبون إلى سلة كبيرة بجانب ما يشبه الغرفة ويسقطون الرسالة من السلة إلى حفرة يأملون أن الرسالة تصل إلى إمام الزمان ويجيب الدعاء، وقد أخذنا هذه الورقة ورأينا مكان إسقاط الورقة، وحول المكان كتابات في كل مكان والجدران مغطاة بما ينقشه الزورا من الأدعية، وقد رأينا غالب زوار هذه الخرافات من النساء.

وأخبرنا أحدهم بأن هناك مزار آخر لقاتل عمر بن الخطاب، يبعد حوالي ساعة من المكان نفسه، وأخبرونا أنه أغلق أو منعت زيارته بسبب تشنيع الشيخ القرضاوي عليهم، ولم نذهب إلى ذلك المكان.

إيران القادمة إن لم تكن علمانية، فستكون أقل تدينا عما هي عليه الآن، وأكثر ما يبعد الناس عن التدين أن الدين أصبح حكومة وربط بها، وحكام إيران هم الآيات ومن لفّ بهم، وكان معهم ولهم عون كبير من القوة العسكرية التي عانت من مواجهة مع العراق، فأصبح الجيش مندمجا في الرسالة الدينية والقضايا الوطنية، وترى معسكرات الجيش ومراكزه في كل مكان ربما أقل من ظهوره في مصر، ولكنه حاضر في المشهد.

من مشاهد التحول عن التدين وكراهية حكومة الملالي، ما حدثنا به دليلنا من قصة سمعها من أحد الآيات يرويها لوسيلة إعلامية قال إن هذا الآية وقف على الشارع ينتظر سيارة أجره لتنقله لمكان آخر، فتمر السيارات تحمل من يقف في الطريق من النساء ومن بقية الناس ولا تقف له، ثم أخيرا وقفت له سيارة ففرح بها وشكر السائق، وحدثه عن انتظاره الطويل للسيارة مقارنة بغيره، غير أن السائق وقف بعد قليل وطلب من الشيخ أن ينزل فاستنكر وسأله لم حملتني إلى هنا؟ قال قد كنت هناك في ظل شجرة وأردت أن أنزلك هنا حيث لا تجد ظلا يقيك الشمس! هذه نكتة أو مشهد من الكراهية للطبقة الحاكمة في إيران.

تميز بسهولة بين لباس المرأة المتدينة وغيرها في إيران، والغالب بين الإيرانيات الخروج على التدين واختراع الحيل المتنوعة على الحجاب، فمظاهر كشف مقدمة الرأس واللباس الضيق ظاهر، ولكن الجاكيت وستر الجسم كله هو غالب اللباس، وقليلا أو نادرا ما ترى لباسا لعله للأكثر تفسخا وانحلالا ويزيد التكشف بمقدار قلة المروءة، أما الزائرات للبلاد من الشرقيات والغربيات ومن غير المسلمات فإنهن يلتزمن لباسا محتشما، ويحترمن دين ولباس الإيرانيات، ويضعن مناديل وشيال على رؤسهن، وفي لباس بعضهن حشمة وأدب أكثر من متفسخات البلاد المجبرات على زي الثورة.

ونسبة المتعلمات من الإيرانيات عالية، إذ تقول الإحصاءات بأن 65% من طلاب الجامعات من النساء، وهن أغلب أساتذة الجامعات.

عند السؤال عن قصة المتعة، كان الجواب من أكثر من شخص بأنه نادر جدا، لموقف النساء الشديد منه، فقد أجرت الثورة استفتاء في أول عهدها وكان موقف الأغلبية ضد تيسيره للناس، إذ يكاد أن يكون معدوما، وقال لنا أحدهم أن بعض المتدينين أحيانا يعقد عقد متعة في مرحلة الخطوبة للشباب ، ليسهل التعارف والحديث دون علاقات جنسية، ثم يكون عقد زواج فيما بعد في حال الاتفاق.

تقول الإحصاءات في تلك الأيام بأن 10% من الأطفال قبل الخامسة عشرة يكونو قد مارسوا الجنس، وأن 20% قبل الثامنة عشرة لهم علاقات جنسية، وأن مرضى الأيدز يقارب عددهم عشرين ألف مريض.

أما حفلات الزواج عندهم فتتم على طريقتين، إما في قاعات عامة يؤجرها الزوجان أو أسرتيهما وفي تلك القاعات يمنعون الموسيقى، ويفصل فيها الرجال عن النساء، لأنها قاعات عامة وحكومية، أما إن كان الزوجان يصران على حفلة موسيقية فلا تسمح القاعات العامة بذلك، ولهذا يستأجرون بيتا كبيرا من أهله ويقيمون فيه احتفالاتهم على الطريقة التي يرون وبخاصة موضوعي الاختلاط والموسيقى. ويقول أحدهم وقد أقام زواجه على الطريقة الخاصة في بيت إن الثلث تقريبا من السكان يقيمون حفلاتهم بطريقة مختلطة بوجود فرقة موسيقية، وأن تكاليف ذلك قد تزيد عن أربعة آلاف دولار مع طعام لعدد قليل من الناس.

أما المساكن فأجرة الشقة نحو خمسمائة دولار شهريا، في مناطق وسطى أما المناطق الغنية فالأسعار فيها غالية جدا، يكفي أن تعرف أن ثمن شراء المتر المربع في شقق غالية يزيد عن خمسة آلاف دولار للمتر المربع الواحد في العمارات الراقية جدا في شمال طهران.

في وقت تبلغ نسبة البطالة 30% والمرتب لصغار الموظفين يقارب الثلاثمائة دولار شهريا وهو دخل زهيد مقارنه بارتفاع مستوى المعيشة، إذ يصل ثمن كيلو اللحم ما بين 15 إلى 16 دولار.

أما عيد النوروز، فهو عيد بداية الربيع، يحتفل به الفرس والكرد والأذريون، ويضعه الكرد أول يوم في تقويمهم السنوي، بين 20-22 مارس، ويرون أنه ليس عيدا دينيا –كما يحب أحدهم أن يجادل- فهو مرتبط بموسم الربيع لا بثقافة روحية ولا دينية ويدللون عليه بأنه منتشر بين كافة الديانات في المنطقة، وقد كان هذا الاحتفال مجال صراع ديني علماني، لأن كثيرين يرونه من ميراث الإمبراطوريات الفارسية الوثنية، وقد حسم الأمر غالبا لمن يرى بقاءه فلكلورا محليا وليس بديلا عن أعياد الإسلام، وقد جعلته حكومة كردستان عيدا وطنيا تتعطل فيه حكومتهم في شمال العراق عدة أيام.

الإقبال على الانترنت في إيران من أعلى المعدلات في العالم النامي واللغة الفارسية من أكثر اللغات استخداما على الانترنت مقارنة بعدد الناطقين بها، فمستخدمو الانترنت حوالي ثلث السكان 33% وعدد المدونات نحو مائة ألف مدونة، وفي خريطة استخدام الانترنت التي نشرتها جامعة هارفرد يتبين أن السياسة بين المحافظين والمعارضين تحوز على الأغلبية من النصوص المتداولة، يليها الشعر الفارسي ثم المدونات الدينية. وعموم مدونات الإصلاحيين والعلمانيين المغتربين تزيد عن ثلث المحتوى. وهذه نسبة ضخمة إذا ما قورنت بالجوار العربي وغير العربي، فالعراق فيه أقل من 1% متصل بالانترنت وفي أفغانستان أقل من 2% وفي مصر 17% وفي باكستان 11% والسعودية 31% كما نلاحظ أن من أعلى المعدلات في السويد 88% وهذا عال جدا مقارنة ببقية أوربا والنسبة في أمريكا 77%.

كان للمواقف التي أثارها الشيخ البرقعي أتباع ومتأثرون قليلون عندما هاجم الخرافة وقادته محاربته للخرافة إلى التسنن، ومن هؤلاء الذين تأثروا به شيخ كبير مؤثر هو الشيخ مصطفى طبطبائي، الذي كما نقل لنا يعاني من التضييق والحصار وقال من تحدث عنه أو روى أخباره أن من الصعب على الناس زيارته أو الحديث معه، وانه يعاني من التضييق بالرغم من تجاوزه الثمانين، وذكر أحدهم قصة له من معاناته من المعترضين على تسننه أن عددا منهم كانوا يزعجونه ودخلوا منزله ينهرونه ويسخرون به فاتصل بالأمن أمامهم فخرجوا، ولما خرجوا قال لصاحبه إنه في الواقع لم يتصل بالأمن بل برقم صديق له ولم يرد الصديق على المكالمة ولكن الشيخ تظاهر بأن هناك من يرد عليه فيشتكي الزوار.

أما كتب البرقعي، فقد قرأت بعض ما ترجم له من كتابات، وقد ألف كتبا ورسائل كثيرة جدا ويبدو أنه شيخ متوسط المعارف ولكن فيه صدق وصفاء ونزاهة، وبعض القصص التي رواها طريفة؛ ومنها أنه كان مسافرا في حافلة مع عدد من المسافرين فمر بقرية في الطريق فنزل في مسجد وتحدث بعد الصلاة للناس ثم خرج مسرعا ليلحق بالحافلة، وكان أهل المسجد قد تأثروا بخطبته، قال ثم سمع من بعد أهل تلك القرية أنهم يتناقلون أن المهدي أو إمام الزمان قد مر بتلك القرية وتحدث في مسجدها ثم اختفى، ولهذا فتجد خبر إمام العصر ورؤيته وأخباره تملأ المكان، حتى إنك تقرأ على السيارات وعلى لوحات عريضة في الشوارع نصوصا تدعو بخروج الولي (عج) أي عجل الله فرجه.

وليس لدى السنة علماء كثيرون بسبب الحصار المذهبي، وسوء العلاقات، والخوف، و وضع غير الأكفاء من السنة في مناصب قيادية تعليمية وتوجيهية وعزل القادرين، وجلب موالين للحكومة ومتشيعة للوعظ وغيره، ولا يقام إلا جمعة شيعية واحدة في طهران، لعدد يقارب ثلاثة عشر مليونا مسجد لا يبلغ مصلوه عشرة آلاف، وصلاة الجمعة في طهران هي من بدع أو منتجات الثورة إذ لا يرى الشيعة إقامة صلاة الجمعة إلا بعد قيام الإمام، ولذا يرى كثيرون أن صلاة الجمعة هذه "صلاة سياسية"، إذ يخطب الجمعة أقدر القيادات السياسية الدينية والعلمية الحكومية، أو القريبة جدا منها، وهي أشبه بخطاب حال الأمة الذي يقدمه سنويا الرئيس الأمريكي، أو حديث المدفأة الذي كان يقدمه روزفلت أسبوعيا أثناء الحرب العالمية الثانية. وفي طهران ما يقارب المليونين من السنة لا مسجد ولا خطبة جمعة خاصة بهم. وكان من جدلهم مع السنة: إنكم في بلادكم لا تسمحون بمساجد للشيعة، وتقولون للشيعة صلوا مع الناس فلتفعلوا أنتم هنا كما نفعل نحن عندكم!

البازار هو سوق طهران الكبير، من أوسع الأسواق القديمة التي يمكن لك أن تراها، قديم وقليل النظافة والترتيب، يعج بالفوضى والزحام بين العربات التي يدفعها الحمالون وبين المشاة، وبحكم الكبر وكثر التجار فيه تدرك المقولات التي تنتشر كثيرا عن دور البازار الحاسم في الثورة وفي سياسة الحكومات في إيران، وفيه بضائع أغلبها من الصين، وقليل أو نادر أن تجد بضاعة الغرب، يجتمع فيه أصحاب المهن والوكالات من شتى الأنواع حتى تلك التي أصبحت في بلدان كثيرة خبرا من أخبار الماضي، كالأختام وأدوات قديمة، وما أشبه، طلب أحدنا أن يشتري هدايا فكانت المكسرات خير هدايا وأخفها حملا وتوقعنا توفرها، فذهب بنا الدليل إلى آخر السوق ـ أو نتوقعه آخره ـ على مسافة بعيدة، وجدنا بضاعة جيدة ولكن الكثير منها كان مستوردا، فبعض اللوز مستورد من أمريكا، وقليل من البلد، واحتجوا بأن الموسم لم يحل بعد، وقد أشرت إلى نوع فلمست عمليا ما قيل لي قبل عن أمانة البيع؛ إذ قال البائع وهو عراقي يعمل في المحل ويترجم لصاحبه إن هذه البضاعة شكلها جميل ولكنها أقل نوعية ولا أنصحك بها.

والغريب أن أحد الوهابية حمل معه كمية من تربة الحسين هدايا لزملاء في الرياض. وتربة الحسين عبارة عن مربعات أو دوائر مصنوعة من الطين يعالج ثم يجفف وينحت عليه عبارات وآيات ودعاء، يلزم الشيعة أنفسهم بالسجود عليها، وتجدها في رفوف أو صناديق عند مداخل المساجد والمصليات ترتب بطرق مختلفة منها الصغير جدا ومنها ما هو على مقدار الكف.

وتقوم في إيران صناعات كثيرة منها صناعة السيارات التي تنتشر في شوارعهم، وصناعة السجاد والزراعة، ويصنعون ويبيعون أسلحة عديدة، ولديهم صناعة للطائرات الحربية، وقليل من الصناعة النفطية لا تتناسب مع إنتاجهم ولا مخزونهم منه.

على سفوح الجبال الشمالية لطهران مطاعم كثيرة جدا على جنبات الطريق الصاعد للجبال، حيث الثلج يذوب من تحت الأقدام والمياه تخر في المجرى الصخري الكبير في الوسط، وبين ضجة المياه ودعايات المطاعم ودعوات المطالبين بالدخول لمطاعمهم ورائحة الشواء، وأنواع الفاكهة والخضروات والأسماك واللحوم وباعة الزهور تتسلق شبكة لا تكاد تنتهي وفيها المطاعم طبقات متنوعة منها الفخمة جدا والكبيرة النظيفة وحيث النور والخدمة الجيدة وعندما جلسنا في أحدها أحسسنا الدفء عند أرجلنا، فرفعنا غلاف الطاولة لنجد دفاية غاز بين الأرجل، وكذا أخريات بين الممرات وعلى المصاطب، ففي منطقة "توشال" شمال طهران ترى منطقة هي الأجمل في المدينة، وذهبنا ليلة أخرى لمنطقة أخرى كانت أرقى خدمة وأرتب نظاما، وأجمل أشجارا وزينة مرتبة على شكل غرف مدفأة، تحت خيام بيضاء صغيرة في غاية الأناقة. أما ملامح الناس ففي فارس جمال أخاذ، ولو رأين نجمات هوليوود كنّاس الفندق بغزارة شعره الأسود وتناسق ملامحه وقامته لتناتفنه.

كان الجو في المجمل باردا، ولكن حواراتنا كانت ساخنة، تقييما لعزلة إيران، فمنا من يرى أن العزلة صنعت لها قوة وإصرارا على ما تريد، ولقراراتها استقلالا، ولدينها خصوية، ولدنياها شظفا، وهل الدين أم القومية سبب ما يحدث من عزلة، هل نزعة الاستقلال عن الاحتلال الغربي سببت لها كل هذه القطيعة، هل يساوي الدين والكرامة كل هذا الثمن، لا نكاد نهدأ ونرى موقعا أو خبرا طريفا، حتى نحمل الفكرة وهمّ الإصلاح، كل منا على طريقته، وكنت مع الدكتور عبد العزيز أقذف عليه حجة ويرد بأخرى، وعندما تتوتر الحجج والمواقف نجد في الدكتور المعيلي وسيطا يهدئ الحوار، أو يصرفه بحكمة أو تعليق أو رد إلى واد من الحوار آمن، وبعد أقل من خمسة أيام انطلق كل منا إلى طائرته، بعد صحبة ممتعة، وجولة طريفة، والمشوّق أن كلا منا كان لديه الكثير مما لم يقله.

محمد الأحمري
27 جويلية 2010


المصدر: مجلة العصر (www.alasr.ws)
 

Commentaires  

 
0 #1 Abdelkader DEHBI 01-08-2010 19:20
لـيـت "الـدكـتـور" الأحـمـري يـطـلـعـنـا ذات يـوم – مـشـكـورا – وبـنـفـس الأسـلـوب مـن الـتـفـاصـيـل ومـراعـاة الـدقـة، عـلـى مـا آلـت إلـيـه مـسـتـويـات الانـحـطـاط الاجـتـمـاعـي مـن خـلال الـتـرف والـبـذخ والإبـاحـيـة والـفـسـاد والانـحـرافـات الـجـنـسـيـة الـسـائـدة فـي مـا يـسـمـى ب "الـسـعـوديـة" والإمـارات.

وسـيـكـون مـشـكـورا مـمـنـونـا أيـضـا، إن تـفـضـل عـلـيـنـا، وفـي نـفـس الـسـيـاق، بـقـصٌـة الـمـجـمـوعـات الـفـضـائـيـة – مـن روتانا وغـرهـا – ذوات الـعـشـرات مـن قـنـوات الـدٌعـارة الـمـدعـومـة، بـل الـمٌـمـوٌلـة مـن طـرف "الـسـمـووٌات" و "الـمـعـالـي"، والـهـادفـة صـراحـة، إلـى تحـطـيـم مـا تـبـقـى مـن أخـلاق الـشـعـوب الـعـربـيـة الإسـلامـيـة.

لـكـن، وحـتـى نـكـون مـنـصـفـيـن "للـدكـتـور"، فـلا بـدٌ لـنـا مـن الـقـول أنْ لـيـس لـه أيٌ ذنـب إنْ لـم يـتـأتٌ لـه – كـعـربـي – أن يـجـعـلـنـا عـلـى الـصـورة، مـمٌـا تـوصٌـلـت إلـيـه الـجـمـهـوريـة الإسـلامـيـة الإيـرانـيـة مـن نـمـوٌ ثـقـافـي وعـلـمـي وتـمـكـنـهـا مـن الـتـكـنـولـوجـيـات الـعـالـيـة فـي شـتـى الـمـيـاديـن، بـدءً بـقـدراتـهـا الـنـوويـة والـبـالـسـتـيـة الـرادعـة.
Citer | Signaler à l’administrateur