لم يشهد تاريخ الأمم نضالا تغييريا على فراش من الورود

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

كتبتُ في منشور سابق أن “عودة الأمل والثقة في النفوس، هي من ثمار هذا الحراك المبارك، ولو تحقق ذلك فقط لكفانا، لأنه حررنا من الشعور بقيود العجز والجمود”، قلتُ ذلك وأنا أدرك أن الأمل وحده لا يكفي والثقة في النفس بداية المشوار وليست مآله، وهي بمثابة شعلة تستوجب تغذيتها بوقود الحكمة والواقعية والأخذ بالأسباب، لإيصال مشعل الحرية والكرامة إلى شاطئ الآمان، وأدرك أيضا أن البعض سيرى في مثل هذا القول نوعا من التمني الساذج بل والخطير لِما قد يترتب عنه من عواقب وخيمة، كتعريض الناس للخطر أو وقوعهم في فخ التوظيف من جهات تتربص بهم وتعمل على استغلال حراكهم واستثماره لتحقيق مصالح وغايات ليس للمتظاهرين فيها ناقة ولا جمل. أتفهم كل من يشعر بمثل هذه المخاوف ويحذر منها، لكن بالمقابل هلْ من الحكمة أو حتى من حقنا أن نسفه أحلام الشعب ونكسر جناحه وهبته، بدل من أن نعزز ثقته في النفس، ونبارك هذه الأجواء التي سمحت له بالتعبير عن آماله وطموحاته بعد أن دب إلى نفسه اليأس على مدى عقود، إلى درجة كدنا نفقد الأمل ونعتقد أن الشعب قد تلاشى إلى غير رجعة؟

وهل من الحكمة أن نُدخِل الشك والتردد في حراكه حتى مع علمنا أن المسلك وعرٌ ومحفوف بالمخاطر؟ أليس الجمود والتنحي جانبا أكثر خطورة من خوض معركة التغيير رغم تكلفتها؟ ألم ننتظر طويلا هذه الهبة التي حفزت عليها جهات عديدة من الشعب بكل ما في وسعنا لإحياء الأمل في التغيير وتعزيز ثقة المواطن في قدراته، بعد أن أفلحت السلطة المستبدة في كسر هذا الأمل وتيئيس الشعب من كل إمكانية للنهوض؟ ألم يحذو الصادقين طيلة سنين، عودة الأمل إلى الشعب من اجل استرداد حقوقه وسيادته وكرامته؟؟؟ ومثلما قلتُ في فاتحة هذه المقالة، لو اقتصرت ثمار هذا الحراك في عودة الأمل والثقة فحسب لكفنا، لأنها أفشلت أكبر مخطط فساد حاكته هذه السلطة عندما عملت على زرع اليأس في نفوس المواطنين لتدفعهم نحو الانطواء الإرادي والخروج من التاريخ.

وقلت منذ الأول أنه لو عاد الأمل واستعدنا الثقة في أنفسنا لكان هذا كافيا، لكن حتى لا نترك نشوة الفرح تعبث بنا وبعقولنا، أقول أن الحراك ما هو إلا خطوة على مسار طويل وشاق، ستعترضه الكثير من العقبات والمزالق والمتربصين والانتهازيين، ومن ثم وجب الحذر والتدبير. أجل محقٌ من يعتبر هذا السبيل خطير وحري بنا تجنبه، وهو موقف وجيه، لكنه موقف يحمل أيضا خطرا ربما أكبر، لأنه يثبط هبة شعبية ورغبة في التغيير طال انتظارها وقد لن تتكرر بهذا الزخم قبل عقود، والأخطر من ذلك كله، أنه في حالة انسحاب الشرفاء الصادقين من مسار التغير الجذري السلمي، سيفسح المجال مُشَرعا إما لخفافيش الظلام التي تعمل على حرف المسار والدفع به نحو العنف لتبرير توقيفه بحجة الحرص على الأمن والاستقرار، أو إلى شتى أصناف الانتهازيين، لتصدر الحراك رغم عدم إيمانهم أصلا بالتغيير الفعلي ولا بعودة سيادة الشعب، وكل ما يصبون إليه هو أخذ مكان الرئيس المريض، من خلال تسلق رقاب المواطنين، لاستنساخ نفس النظام الذي تعمل الجماهير على إنهائه. وفي هذه الحالة، سيجد الشعب المستضعف نفسه لا قدر الله من جديد مكبلا وخاضعا لوضع أسوء، ولن يكون من اليسير عليه استعادة مثل هذا الزخم الشعبي. إن الوضع الراهن يستحق المحاولة والسعي حتى مع دفع الثمن، والانخراط في المخاض العسير، طالما لا زلنا نقف على قدمينا، أفضل لنا من أن نشاهد ما يجري من حولنا، مكبلين بفعل انسحابنا في اللحظة الحاسمة.

لا أريد أيضا أن انشر الأوهام وأدغدغ العواطف وأصوّر الوضع وكأنه نزهة مفروشة بالورود، أو حالة واضحة المعالم، كلا التحدي كبير والمشهد جد معقد، لكن الانسحاب ليس الحل وحتى انتظار ما تتمخض عنه الساحة وترك المعركة تحتدم بين أطراف العصابة، مغامرة غير محسومة أبدا، وليست في صالح الشعب، ولا نملك ترف انتظار تجلي الصورة لعزم أمرنا، التاريخ لا يُبنى على هذا النحو، لأن ما نفرط فيه في لحظة الحسم، قد لن نستطيع تداركه بعد فوات الأوان، لذا حري بكل شريف محب لوطنه أن يسهم بما يستطيع لإحداث التأثير، بقدر ما يملك، بدلا من النكوص في وجه تلاعبات البعض وتوظيف البعض الأخر وتحريف طرف ثالث، لأن الانسحاب ببساطة سيسهل مخططات هذه الجهات ويمكنها من تحقيق ما تصبون إليه. ولتوضيح أكثر، اطرح خريطة الأطراف المتواجدة على الساحة، ويمكن تلخيصها في طرفين أساسيين، يتشكل كل منهما من فئات متباينة تجمع بينها أهداف ومصالح، طرفٌ حريص على ما يسميه استمرارية الأمن والاستقرار، وطرف يدعو إلى التغيير ويرفض استمرار الوضع الراهن.

أولا، الطرف الذي يناهض الحراك ويرفض التظاهرات بحجة الحفاظ على استقرار البلاد وأمنه، ويصر على العهدة الخامسة، يتشكل من:

– أ) صناع القرار الذين يتحدثون باسم بوتفليقة ويمارسون الحكم نيابة عنه ويعلمون أن مصيرهم مرتبط ارتباطا وثيقا ببقائه من خلال “صورته” في الحكم، ليس فقط لجني ثمار استيلائهم على دواليب الحكم بل أيضا بدافع الخوف من المساءلة على عقود من النهب والفساد وما أحدثوه من كوارث على كافة الأصعدة، وهم مستميتون إلى الآخر لبقاء الوضع على حاله، وهو ما يفسر ترشيحهم له حتى وهو في وضع حرج بمستشفى جنيف، بعد أن فشلوا على ما يبدو في الوصول إلى توافق حول مرشح بديل عنه، مما يفسر أيضا ما جاء في “الرسالة” التي قرأها مدير حملته نيابة عنه، يتعهد فيها الرئيس الغائب في حالة انتخابه لعهدة خامسة، بإجراء انتخابات مسبقة، وكل ذلك، لكسب سنة أخرى، ربما تسمح لهم بترتيب الأوراق وتكريس استمرارية الوضع بهيئة جديدة، وتصوير ذلك بأنه تنازل لمطالب الشعب.

– ب) الدائرة الضيقة من المنتفعين، من أحزاب ومنظمات وشخصيات سياسة ومالية وإعلامية وقضائية، الذين راهنوا ولا زالوا على بقاء هذا الحكم لاستدامة امتيازاتهم ويعلمون انه ليس لهم مستقبل خارج هذه السلطة.

– ج) فئات منتفعة بدرجة أدنى، وتخشى انقطاع هذه الامتيازات، وتظل ملتصقة بهذا النظام طالما رجح عندها استمراره، ولن تترد في النأي بنفسها عنه والالتحاق بحراك الشارع أو بأي طرف يضمن لها استمرار الريع، في حال تطور الوضع على غير ما تتوقعه، وهو ما نشاهده بالفعل من التحاق متواصل للحراك، لأطراف متعددة معروفة بدعمها المطلق قبل حين، لبوتفليقة والنظام القائم،  وتشمل هذه الفئة كوكبة من المنظمات الجماهرية ورجال السياسية والمال وكبار ضباط الجيش والأمن والمخابرات والوجوه الإعلامية.

– د) فئة من المواطنين تخشى عواقب التغيير، إما تهاونا منها أو استذكارا لمآسي العشرية الدامية، تفضل الوضع القائم من باب “الوالفة خير من التالفة”، وعدم ركب المخاطر، وهي ليست بالضرورة من المؤيدين لا لبوتفليقة ولا للعهدة الخامسة ولا حتى لهذا النظام برمته.

ثانيا: الطرف المنادي بالتغيير والذي نزل إلى الشارع، يتألف هو أيضا من فئات مختلفة. نركز فيها على ثلاثة فئات أساسية:

– أ) أخطرها، أقلية مضخمة إعلاميا وأيديولوجيا، مغتربة وجدانيا وحضاريا عن كل ما يؤمن به الشعب في أغلبيته، وكانت على الدوام جزء لا يتجزأ من السلطة، وركناً ركينا في أجهزتها، مما مكن لها من تمرير مشروعها دون المرور عبر صناديق الاقتراع وخيار الشعب، والآن تركب موجة انتفاضة الشعب، لتتصدر الحراك وتمرير أجندتها، مع التعويل على دعم خارجي فرنسي بالأساس وآليته الإعلامية لتضخيم حضورها وتركيز عدستها على هذه الفئة دون سواها من فئات الشعب المتعاظمة. هذه الفئة المصطلح على تسميتها “بالأقلية الساحقة” لها مشروع حضاري على نقيض مشروع الأغلبية وتدرك أنها لن تتمكن من فرضه بطرق شرعية وهو ما جعلها تقف ضد الشعب وطموحاته على مر التاريخ، على غرار موقفها الداعم والمحرض على انقلاب يناير 92 ولا تشكل في واقع سوى فلول الأقدام السود لمواصلة تنفيذ مشروع ماسنوين، وحتى إن ادعوا اليوم معارضتهم السلطة فقد شاركوا هذه السلطة مشاركة فعلية في سفك دماء الجزائريين وحرمان الشعب من تحقيق طموحاته، وتضم في صفوفها سياسيين وعسكريين وإعلاميين وقضاة ورجال أعمال يجمع بينهم محاربتهم الشرسة لثوابت وقيم الشعب الجزائري برمته، ولا يعارضون فساد النظام  بمؤسساته وآلياته وسلوكياته، وإنما يعترضون فقط على العهدة الخامسة، لأنهم أصبحوا خارج دائرة النفوذ ويسعون إلى العودة على ظهر الحراك الشعبي ليحلوا محل السلطة الحاكمة الحالية.

ب) فئة أخرى، تسيرها المصالح فحسب، تتشكل هي أيضا من أحزاب وسياسيين وعسكريين وإعلاميين وقضاة، لا يجمع بينهم سوى إقصائهم في العهدة الأخيرة واستبعادهم عن موائد العلف والنفوذ، فأصبحوا من “معارضي” ربع الساعة الأخير، بعد أن دعموا النظام الفاسد على مر عقود لفاء حصولهم على امتيازات، ولم “ينتفضوا” عليه، إلا بعد أن أصبحوا خارج المربع المفيد. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينخدع المواطن، ليستبدل عصابة متحكمة فاسدة بعصابة متربصة تريد أن تنتقم وتسترد موقعها، فهم كمن يأكل الثوم بأضراس الشعب.

ج) فئة عريضة من المواطنين، وهم الذين يعوّل عليهم، ممن ضاقوا ذرعا بفساد هذه السلطة ويتوقون إلى يوم أفضل وجزائر راقية ذات سيادة وكرامة يمكن فيها للمواطن أن يعبر عن نفسه ويختار بكل حرية من يمثله في مؤسسات الدولة لتسيير شؤونه نحو الأحسن، بكل شفافية ونزاهة دون إقصاء أو تهميش، إنها أغلبية تتأرجح بين كم هائل من الهم الذي تجرعته طيلة عقود حتى كادت تبلغ القلوب الحناجر وآمال واعدة تنتظر تحقيها، وهي مستعدة لتحمل كل الصعاب وركب كل المخاطر من أجل الجزائر، لا يحركهم سوى حبهم لبلدهم، وهؤلاء هم أمل هذا الحراك، ومن واجبنا دعم حراكهم، بما استطعنا وإسنادهم،  فلا يحق للشرفاء التخلي عنهم أو التهوين من مسعاهم حتى وإن كان الطريق صعبا ومحفوفا بالمخاطر، وهل بُني تاريخ الأمم يوما على درب من الورود؟؟؟

وأخيرها هناك بطبيعة الحال فئات هامشية، لا تلتحق كعادتها في كل كان وزمان، بالمسار إلا عندما يتعاظم الحراك ويفرض نفسه على الجميع.

لا يدعي أحد أنه بهذه المظهرات والمسيرات، سنبني الدولة أو ستُطهر البلاد كليا مما علق بها من درن، أو أننا سنحدد مشروعا حضاريا أو سنقضي على كل مخلفات سنوات الفساد ما بعد استقلال جيل نوفمبر، لكن، بالتأكيد، ما سيتمخض عنه هذا الحراك كفيل بتعبيد الطريق وتحرير الهمم والإرادات، وتحفيز النفوس وعودة الثقة والأمل، لرسم خريطة طريق بمشاركة الجميع، من أجل الجزائر فقط، لكن إذا انسحب أشراف هذه الأمة بأي حجة كانت أو قراءة مهما بلغت وجهتها، سيكون الخطر أكبر من المحاولة، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

Share.

Comments are closed.