الجزائر، مخاضٌ عسيرٌ وآمالٌ في الأفق

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

هل التعويل على ما يجري منذ أسابيع من حراك شعبي يطالب بالتغيير، في الجزائر وخارجها، مجرد تمني وسذاجة وتلهف حماسي إلى وضع أحسن، وتبسيط مفرط للوضع ليس إلا؟ ربما هذا ما تذهب إليه بعض القراءات الصادقة والمتأنية والرصينة، من فضلاء يتوجسون مما يحدث، ليس تفضيلا لبقاء العصابة الفاسدة ولا حرصا عليها، ولكن من شدة حرصهم على سلامة العباد والبلاد ومخاوفهم من تبعات السراب والوعود الكاذبة، لكن إلى جانب ذلك لا يمكننا أن ننفي أن ما يحدث اليوم، ولأول مرة، يشكل بصيص أمل نهضة حقيقية وشعاع فعلي للخروج من المستنقع الذي ورطتنا فيه عصابة حاكمة عثت في الأرض فساد. لكن لكي يكون هذا الأمل بناء وواقعيا ومثمرا، ويؤدي بالحراك الشعبي المبارك والمتعاظم إلى بر النجاة،  فلا بد من تسجيل الملاحظات التالية:

أولا، هناك محاولة من بعض الجهات المنظمة والأحزاب على وجه الخصوص، لِركب الموجة وتوظيف زخمها لتسجيل موقف وتصدر الصفوف، وجني ثمار تضحيات وجهود المواطنين، بعد أن شاركت هذه الجهات والأحزاب، (ولا يزالون) في كافة أجهزة ومؤسسات السلطة اللا شرعية، رغم علمها أنها سلطة منبثقة عن انقلاب، وظلوا جزء لا يتجزأ منها، طيلة فترة كانوا يعتقدون أنها لا تزال متماسكة، فأثاروا رغد العيش في دهاليزها وأداروا ظهرهم لمحنة الشعب ومآسيه، لكنهم اليوم بعد أن استشعروا لأول مرة أن عرى هذا النظام تتفكك وتوشك سفينته على الغرق، نشاهدهم يكتشفون فجأة “فساد” النظام ودكتاتوريته وقمعه للشعب، نسمعهم الآن “يباركون” انتفاضة الشعب وحضريتها، الأمر الذي لم يفعلوه ولم يفكروا فيه يوما عندما خذلوا على مر عقود فئات الشعب التي خرجت إلى الشارع للتعبير السلمي والحضاري عن مطالب مشروعة، سواء في وقفات أسر المختطفين، أو المعتقلين السياسيين الذين لا زال المئات منهم يقبعون في السجن منذ أكثر من 25 سنة، ومسيرة الأطباء المقيمين ولا البطالين ولا مسيرات أهالينا في الجنوب المناهضين لاستخراج الغاز الصخري المنذر بهلاك أسرهم، لم نسمع لهؤلاء صوتا حينذاك، ولا مساندة، بل في كثير من الأحيان كالوا لهم التهم، وطعنوهم في الظهر. إذا كان هذا موقفنا من هذه الكيانات الوظيفية، فإن الموقف من الأفراد الذين ينتمون إليها مختلفٌ، ومرحبٌ بهم كأفراد ليشاركوا إخوانهم هذا الحراك الشعبي لتعزيز الصفوف ورفع صوت المستضعفين، لنصرة الجزائر، بلدا وشعبا؛

ثانيا، لم يعد الأمر يتعلق بالعهدة الخامسة ولا حتى بالانتخابات المزمع عقدها يوم 18 أبريل، هذا ملف طوي إلى غير رجعة، ومن ثم فمن العبث حصر الوضع في هذه النقطة، ومن السذاجة أن يخرج علينا النظام ليبدي وكأنه تفهم مطالب الشعب ويستجيب لها، بما يذكرنا باستفاقة واستجابة بن علي، بخطابه الشهير “افهمتكم”، ثم يعلن لنا سلال أو أويحيى أو غيرهما من طيور الظلام، عن “إلغاء العهدة الخامسة بعد أن تقرر من الناحية الصحية أنه يتعذر على السيد الرئيس مواصلة مهامه…” وإعادة تنظيم انتخابات في موعدها بمرشح آخر أو في وقت لاحق، ليخرج هذا النظام من الباب ليعود من النافذة بعصابات أخرى، ويمدد من عمره ويستنسخ ممارساته الفاسدة لعقود قادمة؛

ثالثا، بعد أن عبر الشعب عن رفضه لمهزلة العهدة الخامسة وكرنفال انتخابات 18 أبريل، لا بد من أن يوّضح ما يريده، ويسمع صوته، وبأنه لا يقبل بأقل من تغيير جذري للنظام السائد من 62، وبضرورة عودة سيادة الدولة ومكانتها، واسترجاع الشعب كلمته وممارسة حقوقه المكفولة له دستوريا، لا مناً من أي جهة كانت، وتشكيل في مرحلة أولى، حكومة انتقالية يشارك فيها من لم تلطخ يداه لا بدماء الجزائريين ولا بنهب أموالهم، وإقامة مجلس تأسيسي يُعِد للمرحلة القادمة بمشاركة كافة أطياف الشعب دون إقصاء؛

رابعا، لا يجب أن يخدعونا بالوعود الكاذبة ولا أن يخيفونا بالتضليل الذي مارسوه طيلة عقود للإبقاء على الشعب مكبلا، من قبيل تخويفنا من مخاطر الانزلاق والعنف والتذكير محليا بالعشرية الدموية التي كانوا هم أصلا المسبب الأول فيها واستثمروها لإحكام قبضتهم على الشعب بحجة أمن واستقرار القبور والسجون والمحتشدات، ولا ينفعهم اليوم ترهيبنا بالفتنة، من خلال الترويج لمأساة ومشاهد الدمار في سوريا وليبيا واليمن، ويوظفون منابر المساجد وأئمة الزور والخنوع، لأن الشعب أصبح يدرك أن أكبر فتنة تكمن في بقاء الظلم الذي مارسوه على الشعوب منذ أن نالت هذه الدول استقلالها من المستعمر الأجنبي الغاشم، لتقع ضحية احتلال محلي لا يقل جرما، والكل يدرك بأن المتسبب الأول فيما يجري في هذه البلدان التي تنزف دما، هم الأنظمة التي لا ترى في سواها بديلا ولو تلاشت الدولة بكاملها؛

خامسا، لا ينبغي أن نسقط في تلاعب السلطة وأجهزتها في تقسيم صفوف الشعب ونعت مسراته بأنها تارة “إسلامية” وتارة أخرى “مُسيسة” وكأنه محرمٌ على المواطن ممارسة حقه في السياسة وإدارة شؤون بلده، في محاولة منهم دق أسفين بين مكوّنات الشعب. إن هذه المسيرات شعبية، تشمل كافة أطيافه، يجمع بينها الآمال في غد مشرق وطموحات وقيم إنسانية ووطنية لا حزبية ولا لغوية ولا إيديولوجية، بل تقوم على قاسم مشترك، يُجمع على ضرورة وضع حد أولا للنظام المتهالك وتعبيد الطريق لدولة الحق والقانون، ليختار المواطن بعد ذلك  بحرية وشفافية مشروعه وممثليه في انتخابات تعددية نزيهة، تعود الكلمة الأخيرة فيها له وحده. وإن خروج الشعب يوم الجمعة، فذلك لأنه يوم عيد وعطلة للشعب الجزائري برمته وليس لفئة دون سواها وانطلاقه من المساجد، لان هذه بيوت الله وملك للشعب قاطبة وليس لفئة بعينها.

سادسا، كعادة الانتهازيين، عندما توشك السفينة على الغرق، تفر منها الجرذان، هذا ما شهدناه من بعض الفئات المهنية والحزبية والإعلامية، الذين اكتشفوا فجأة أن مطالب الشعب مشروعة، بعد أن كانت هذه الفئات والمنابر تنشر على مر الأيام الأكاذيب والبهتان والتضليل بحق الشعب، وتسفه أحلامه وتأتمر بأوامر مخابر التوفيق وأزلامه، بدلا من القيام بواجبهم المهني والأخلاقي في تنوير الشعب، فلا ثقة إذن في “استفاقتهم” الحالية، لأن التحاقهم المفاجئ بالحراك، لا يقوم على أسس أخلاقية أو مبدئية، على الأقل بالنسبة للجزء الأكبر منهم، وإنما ينم عن إدراك منهم أن سفينتهم تغرق، وآن الأوان للانتقال إلى شاطئ آمن، وكلنا يتذكر تلك الشجاعة المصطنعة التي أبان عنها صحفيو عهد مبارك، عندما أفل نجمه وأوشك على السقوط، كيف أن هذه الأقلام والأبواق تحوّلت بقدرة قادر إلى انتقاد سيد الأمس بأشد الألفاظ  بعد أن كانوا يكادون يركعون له من شدة تبجيلهم له. نقول هذا ليس من باب الحكم على النوايا ولا لتجريم أي طرف، وإنما حرصا على عدم السقوط في الوهم وترك المتربصين يوظفون جهود المواطن وتضحياته ويستثمرونها من خلال واجهات أخرى.

إن الجزائر اليوم تصنع تاريخها وهي الآن في مفترق الطرق وتعيش مخاضا عسيرا، وسيسجل التاريخ موقف كل الأطراف، سواء كانت أحزاب أو سياسيين أو علماء أو مثقفين أو رجال إعلام أو مواطنين بسطاء، مما يجري اليوم، ولا ينفع أحدا بعد ذلك، القول لم أكن أعلم.

Share.

Leave A Reply