مالك بن نبي والربيع العربي

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

1 يناير 1966: مائة قتيل في إندونيسيا

“لقد زارني – عزُوزْ- (د. عبد العزيز خالدي رحمه الله) هذا المساء وأخبرني أن الصحافة الغربية تذكر وقائع تبين أن الخراب المتجسد في – سوكارنو – في حالة تحلل وذوبان. الخراب الساكن، المتعفن، الجامد، الذي كان يحكم إندونيسيا في شخص – سوكارنو – ولمتعته في طريقه إلى ترك المكان إلى خراب متحرك، نشط، متغير. إن هذا التحول خلف 100الف قتيل، يضيف – عزُوزْ-، وقد يكون السيد – سوكارنو- نفسه في إقامة جبرية وزوجته متهمة بالتخابر مع الشيوعية اليبانيَّة… أخيرًا أتنفس: لقد بدأ تحلل الخراب الساكن للعالم الإسلامي. إن سلسلة ردود الفعل متوقعة: سيمر بها العالم الإسلامي بأكمله. واني أتوقع أنّ الخراب الجديد سيعرف روحه الأكثر صلابة وتشنجه الصحي الأكبر في شمال إفريقيا أين سيختفي – البن بليون- وأعداء – البن بليين – المزيفين و- البورقيبيون- وأعداء – البورقبيين- المزيفين – و- البن بركيون- وأعداء – البن بركيين – المزيفين. سيأتي حكم الشعوب الإسلامية بعد تصفية كل النخب الزائفة. وسيغسل الدم الوحل المتراكم في العالم الإسلامي منذ أربعين سنة…”(1) (مالك بن نبي).

اعتقد انه ما قرأ عاقلُ هذا التنبؤ الواضح المبنَى والمضمون لمُفكِّر العصر، إلاَّ واقتنع أو اطمأنّ عن قناعته السابقة بأن ما نسميه بالربيع العربي آذان من الله في بدئ حركة تغيير كبيرة من اجل تهيئة المناخ المادي والمعنوي لتمكين الإسلام من جديد من إنقاذ البشرية.

وكأنَّ الأستاذ مالك يعيش بين ظهرانينا ويشاهد ما يحدث الآن ويسميه خراب ولكِنَّهُ يرى فيه خرابا متحركا، نشطا من اجل التغيير. يكتب الأستاذ هذا في نفس الفترة التي بشّر فيها وبإسهاب بدور المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين لإنقاذ نفسه أولا ثمّ إنقاذ الإنسانية جمعاء من طغيان المادة التي فقدت بسببه الحضارة الغربية “… المبررات الروحية وفقدت حتى المبررات التي نسميها المبررات الاجتماعية، المبررات الموضوعية…” اي “…كلمتي العلم والحضارة” (2) واللتان لم تكونا كافيتين للتعويض عن المبررات الروحية المفقودة، فحدثت “… الأزمة الخطيرة التي يعيشها العالم المتحضر اليوم…” والتي يلخصها كما يلي: “تضخم الإمكان الحضاري وتضائل الإرادة الحضارية ” (3) ما جعل الهوة تتسع بين فطرة الإنسان الغربي وواقعه المنفصم عنها… أي بين “… فكرة لا يستطيع التخلص منها تماما، لأنها مسجلة في طينته البشرية، تلك الطينة التي كرمها الله وبين واقع ثقافي لا يُقدِّم له مبررات ولا يعطيه بديلا عن مبرراته التقليدية المفقودة. ” (4)

ولكن هذا المسلم المطالب بالقيام بذلك الدور الإنقاذي الكبير يعيش هو نفسه في أزمة وبحاجة لأن يتخلص منها. إنه في مرحلة ما بعد الحضارة كما يصفها الأستاذ مالك رحمه الله وما تحمله من رواسب فكرية ومادية تعيق مساهمته من جديد في دورة الحضارة الإنسانية.

لقد خَطَتْ الشعوب الإسلامية خطوات معتبرة في القرن العشرين حيث تخلَّصتْ ولو ظاهريا من مذلَّةِ الاحتلال المباشر ولكنها لم تُشفى بعد من داءِ القابلية للاستعمار المتسبب الرئيسي فيه، والتي أخذت لونا جديدا وهو القابلية للاستحمار من قبل بعض النخب الحاكمة. فنشوة الاستقلال وخروج العدو المباشر جعلت الشعوب لا تفكر كثيرا في حقوقها التي أصلا نسيتها من طول ما عانت من الاضطهاد والتهميش من قبل المحتل كما لم تكن أيضا مدركة تماما لواجباتها. وفي هذا المناخ تضخمت السلطات الحاكمة في غفلة من الشعوب عن دورها ومصالحها، خاصة وان هذه الشعوب كانت متسامحة مع أخطاء أبنائها الحكام الجدد وتلتمس لهم الأعذار وتأمل في أنَّ تلك الأخطاء ستزول بحكم التجربة التي ستكتسب بالممارسة الميدانية. ولكن مع مرِّ الزمن خاب الأمل وتراكمت التجارب الفاشلة واكتشفت الشعوب الحقيقة المُرَّة: لقد أدركت انها لا تملك من أمرها الشيء الكثير وان مقدراتها مهدورة او مرهونة وانَّ حتى رِهان تحسين معيشتها الذي كان حِصان طروادة لدى السلطات لم يتحقق للجميع ولا كما كان مؤمَّلا. كما اكتشفت أَن عدُو الأمسْ الذي كان ظاهرًا للعيان قد تجسَّد بفكره ولغته ومشروعه في بعض ابناء البلد الذين يعاملونها في كثير من الأحيان مثل ما كان يفعلهُ هو بالأمس.

وبالرغم من هذا الوضع البائس والقاتل للطاقات إلاَّ أن رصيد الماضي المشرق وحركة التاريخ وتفاعل الأُمم اكسب الشعوب الإسلامية قسطها من الوعي والشعور بواجب التغيير والتمرد على أوضاعها المزرية والتي أفقدتها ولفترة طويلة القدرة على الاضطلاع بالدور التاريخي الذي شرفها الله بِهِ كما جاء في الآية الكريمة: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً}.

استيقظت إذا الشعوب وعبرت عن رفضها للواقع البائس. ونستطيع الجزم بان ما تنبأ به الأُستاذ مالك بن نبي سنة 1966 وسجله في مذكراته يتطابق تما ما مع ما يعرف اليوم “بالربيع العربي ” والذي يندرج بالتأكيد في ما يراه هو من واجب المسلم في هذا العصر تجاه نفسه وتجاه الآخرين وأفاض في شرح مبرراته الموضوعية وسماه ” دور المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين”.(5)

بيد انَّ هناك تساؤلات قد يطرحها البعض في ما يخص الزمن الذي حدده لهذا الدور والذي تجاوزناه والربط بينه وبين صيغة ” الخراب” الواردة في مذكراته و النوع الظاهر للتغيير الذي يحدث الآن:

– أمَّا عن الزمن فإنه لم يتغير شيء فالحقبة التاريخية التي تمرُّ بها الحضارة لا تختلف معالمها وأخطائها عن أواخر القرن ألماض بل تزيد تعقيدا وإلحاحا في الحاجة إلى من يصلحها كما يرى مهندس الحضارة. وقد يكون التأخير في صالح التغيير اذ يقول بن نبي في هذا السياق وهو يتكلم عن سير الحضارة الحالية باكتشافاتها وأخطائها: “…إذ الآن يبدأ دور المسلم أمام هذه الظاهرة حتى لكأنّمَا أراد الله عز وجل تعطيل دور المسلم وتأجيله في هذا القرن حتى تنتهي كل تجارب الآخرين بالفشل، ويستطيع إصلاح أخطائهم، أو حتى تصل تجاربه إلى نهاية فشلها فتكون له الخبرة لتدارك أخطائه. “(6)

 أمَّا التساؤل عن الصيغة، أي كيف يساهم الخراب في التغيير؟

فما نراه الآن من دمار ومعاناة، “الخراب المتحرك، النشط، المتغير” الذي من شأنه أن يزيل ركام ورواسب انحطاط الماضي وتبعية الحاضر اي “الوحل المتراكم” بتعبير بن نبي. فهو بمثابة إزالة أنقاض عمارة خربة وتصفية أرضيتها من اجل إقامة بناء جديد على أرضية صلبة. او بصيغة أخرى انه يشبه الصدمة الكهربائية التي تستعمل اضطرارا وعلى وجه السرعة لعلاج خطر عدم انتظام دقات القلب على حياة الانسان. وهذا هو الحاصل الآن مع انه لم يتوقعه أحد من قبل غير بن نبي رحمه الله بحدسه الصادق وخبرته في قراءة التاريخ. وتجدر الإشارة إلى أن مسؤولية الشعوب في إحداث هذه الحالة تتمثل في وعيها بحقوقها والمطالبة بالتمتع التام بحرياتها المسلوبة، خاصة في اختيار من يحكمها ومراقبته، وهذا ما لم يعجب الحكام الذين استمرأوا الاستبداد بشعوبهم وإسكاتهم بقوة السياط وظنوا أنهم قادرون كعادتهم على إخماد وإسكات كل صوت ناقد. ولكن هذه المرة لم تكن كسابقاتها، صرخة في واد، بل كانت بداية ثورة حقيقية أرادتها الشعوب سلمية وحضارية واختار بعض الحكام، ومَنْ ورائَهم من الأعداء التقليديين لنهضة هذه الأمة، أن تكون دموية. والواقع يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الشعوب لا دخل لها في هذا الخيار المدمر بل هي ضحية له.

إذًا فما يحدث الآن لا يخرج عن السير الطبيعي لمجرى التاريخ والذي يشبهه الأُستاذ مالك في هذه الحقبة….”كأنه النهر قرب شاطئ البحر، وقد بلغ المصب بعد أن تجمعت فيه جميع روافده… كل روافد التاريخ، بكل نتائجها النفسية والاجتماعية والسياسية والعلمية، وكل التغيرات المُترتِّبة على هذه النتائج…” (7). وفى هذا المناخ لقد بات ماثلا للعيان حالة الخطر التي أصبحت عليها الإنسانية وهي تعيش في وضع حرب دائمة وحالة التوحش الذي يسود علاقات بني البشر من أنانية مفرطة وجشع واستغلال القوي للضعيف، كل هذا رغم التقدم العلمي الذي حققه الإنسان والكم الهائل من الوسائل التي يمتلكها. والسبب في ذلك هو فقدان المبررات الروحية لأنّ “…حضارة القرن العشرين أفقدت أو أتلفت قداسة الوجود، في النفوس وفي الثقافة وفي الضمائر، لقد أتلفت القداسة لأنها اعتبرتها شيئا تافها لا حاجة لنا به ” (8).

وهذا ما يجعل الإنسانية في حاجة ملحة إلى قيم أخلاقية تنقذها من سطوة القيم المادية التي تسيطر على كل مناحي حياتها والتي تنذر بتدميرها إذا لم تُكبَح جماحُها بقيم روحية ثابتة ممتدة من الوحي الإلهي والتي لم تعد متوفرة نقية خالصة إلاّ في المعجزة الخالدة معجزة الإسلام: القرآن الكريم.

إذًا نستطيع القول أن الوقت حان والظروف سانحة للمسلم بان يضطلع بدوره الرِّسالى. ولكنه مطالب بان يغير من حاله هو أولا وان يخرج من حالة التخلف السياسي والثقافي والاجتماعي والتدني الأخلاقي كي يستطيع أن يتطلع لدور- الشَّاهِد – ثم – – النَّاصِح – لغيره. كما يجب عليه أن يرتفع إلى مستوى الرسالة التي يريد تبليغها حيث يطبقها في نفسه ومع الآخرين ثم يرتفع إلى مستوى الإنسان المتحضر الذي يريد إنقاذه ويتعرف عليه في أدق خصائصه ليكون قادرا على إسماعه كلمة الحق الخالدة.

تجدر الإشارة الى ان الارتفاع الى مستوى الإنسان المتحضر لا يعني حتما ان يصل المسلم الى ما وصل اليه هو من اختراعات وإبداع مادي وعلمي، وإن كان هذا واجب ملح على المسلم الآن، ولكنه ليس ضروري لتبليغ رسالته. فقد يصل مجتمع ما الى هذا المستوى المادي ولا يضيف للحضارة الحالية ما هي في حاجة اليه من اجل أنْسنتِها. ولنا في اليابان وكورية وغدا الصين التي اصبحت مجتمعاتها متحضرة ومتقدمة ولكنها لا تختلف في شيء عن العالم الأورو- امركي في نمط عيشها وثقافتها خاصة في أوساط شباب الذي أصبحت أُمنيته ان يتشبه بأقرانه الغربيين. الضروري إذًا هو ان يرقى المسلم الى التنظيم الاجتماعي والإداري الذي وصل اليه الغرب حيث يعرف فيه كل فرد حقوقه وواجباته في حدود قانون يطبق بالتساوي على الجميع. فإذا بلغ درجة التساوي معه في فهم وتطبيق عن طواعية واقتناع وبآليات ثابتة، ما يسمى في لغة العصر بالمواطنة، فإنه حتما سوف يكون متميزا عليه بما يمتلك من رصيد أخلاقي خاص لا يمنحه لصاحبه إلاَّ الإسلام الذي يستمد منه المسلم شخصيته وتكوينه عبر التاريخ.

لهذا وجب على المسلم أن يسعى بكل جد ومسؤولية أمام الله أولا ثم تجاه إخوانه لإزالة ما يحول بينه وبين عيشة كريمة في مجتمع يتمتع بالحرية والعدل والمساواة تتفتق فيه كل الطاقات وتتضافر وتتكافل فيه كل الجهود الخيِّرة. وبعدها يستعيد المسلم شخصيته المتوازنة ويزيل عنها ذلك التناقض المشين لدى كثير من ضعاف النفوس، ويؤاخذ به الجميع، بين المستوى البارز في التدين والمتدني في الأخلاق والذي يبرره البعض خطئا، بالخلل المجتمعي الحاصل وغياب العدل وما ينتج عن ذلك من مظالم وهذا وضع غير طبيعي يجب تغييره.

محمد جاب الله
19 جوان 2017

الهوامش:

(1) ص 515 من مذكرات شاهذد القرن لمالك بن نبي بالفرنسية 2006
(2) من كتاب مجالس دمشق مالك بن نبي ص 164
(3) نفس المصدر، ص 166
(4) نفس المصدر، ص 166
(5) نفس المصدر، ص 157
(6) نفس المصدر، ص 171، 172
(7) نفس المصدر، ص 160
(8) نفس المصدر، ص 177

Share.

Comments are closed.