رحيل طه جابر العلواني، المهاجر الاصلاحي الذي اتخذ الفكر موطنا

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

في اليوم ذاته والشهر ذاته حيث رأى النور، لكن السنة وحدها هي التي تغيرت غادرنا العالم العلامة العلواني.. رحل المفكر الاصولي الراحل العراقي الأصل طه جابر العلواني الذي ولد في 4 مارس 1935، رحل الجمعة 4 مارس 2016، بعد أن استكمل أجله عن عمر 81 سنة محلقا في السماء على متن طائرة بين القاهرة والولايات المتحدة الامريكية، فاضت روحه إلى بارئها في سماء إيرلندا، بعد أن عاش محلقا في سماء الفكر والدعوة والإصلاح لا يعرف غيرها موطنا أو مستقرا كانت حافلة بالعلم والعطاء والتأليف..

ومن عجائب الأقدار.. و حياة العلماء ورجال الفكر عموما، أنه في الوقت الذي كان خبر وفاة الشيخ العلواني يتم تناوله سريعا بين وسائل الاعلام؛ كان إعلان آخر يتم تداوله عن محاضرة للمفكر ذاته كان ينتظر أن تعقد يوم 15 مارس الجاري حول “المنهجية الإسلامية للتعامل مع القرآن الكريم”..

العلواني شمعة تحترق لتضيء السبيل للسالكين

مارس العلواني التعليم الشرعي والوعظ والخطابة والكتابة منذ مطلع الخمسينيات من القرن الماضي. وكان ضابطا في السلك العسكري العراقي كما أخبرني بعض مشايخنا في الجزائر، ونظرًا لمعارضته الجريئة لنظام حزب البعث العراقي، اضطر عند الاكراه أن يهاجر بأفكاره ويغادر موطنه العراق عام 1969، إلى إيران فالعربية السعودية. حيث عين بعد حصوله على الدكتوراه مدرسًا في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض.

مكث مدرسا وباحثا في الرياض عشر سنوات، ثم قرر الهجرة ثانية  إلى الولايات المتحدة الأميركية للتفرغ مع مجموعة من زملائه للعمل الفكري ضمن برامج “المعهد العالمي للفكر الإسلامي”، وكان عضوا مؤسسًا لمجلس أمناء المعهد منذ نشأته، رفقة أبو سليمان كرئيس، والشهيد الفاروقي من فلسطين كسكرتير ورئيس صندوق، وعضوية كل من توتنجي وبارزينجي وأنور إبراهيم رئيس الوزراء الماليزي الاسبق وغيرهم .. كما ترأس المعهد، بعد اغتيال الفاروقي من عام 1988 إلى 1996، و صارت للمعهد فروعاً في بلدان عديدة، تنشر المجلات والمؤلفات المختلفة، وقام بتأسيس او المساعدة على تأسيس عدد من الجامعات العلمية في امريكا والعالم.

عضو مؤسس في رابطة العالم الإسلامي و مجامع دولية

مارس العلواني الكثير من النشاطات العلمية والفكرية الإسلامية، وعمل عضوًا في كثير من المجامع العلمية الدولية والمحلية، فكان عضوًا مؤسسًا في رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وعضوًا في المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في الأردن، وعضوًا في مجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدة

كما كان الرئيس المؤسس لمجلس الفقه الإسلامي في أميركا الشمالية، ورئيس التحرير المؤسس لمجلة “إسلامية المعرفة”، والرئيس المؤسس لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية في فيرجينيا، وشغل منصب أول أستاذ كرسي للبرنامج المشترك في الدراسات الإسلامية الذي تقدمه عشر جامعات أميركية في منطقة واشنطن العاصمة، وغير ذلك كثير..

حتى المضايقات الامنية الامريكية لم تثنيه عن الصدح بالحق

بعد تفجيرات 11 ايلول / سبتمبر 2001 الأسود في أمريكا، تعرض المرحوم العلواني لمضايقات امنية شديدة، اضطرته للاستقرار خارج الولايات المتحدة. لكنه استمر في اعماله ونشاطاته، رغم مصاعبه الصحية.. حيث تنقل و تجول كعادته كعارف ملهم في اهتماماته وكتاباته العلمية من التخصص الأكاديمي في أصول الفقه، إلى فقه الأقليات، والأديان المقارنة، والسنة النبوية، وقضايا الفكر الإسلامي المعاصر. وتفرغ بعدها في مصر في السنوات الأخيرة مع كوكبة من الباحثين لتدبر القرآن الكريم ونشر فيه حوالي عشرة كتب، وتحت الطبع ثمانية كتب أخرى، حسب ما صرح به في موقعه بعض طلابه.

الفقيه المفكر العلواني مكتبة متنقلة

وللعلواني رصيد مميز من المؤلفات الإسلامية الفكرية والفقهية، جاوزت 30 كتاباً و45 دراسة وبحثاً، حظي عدد منها بإعجاب القراء وتناولها النقاد وشغلت حيزاً من النقاش العام، كان أبرزها كتاباه “لا إكراه في الدين: إشكالية الردة والمرتدين من صدر الإسلام إلى اليوم”، و”أدب الاختلاف في الإسلام”. وصدر للعلواني أيضاً “الاجتهاد والتقليد في الإسلام”، “أصول الفقه الإسلامي: منهج بحث ومعرفة”، “إسلامية المعرفة بين الأمس واليوم”، “التعددية: أصول ومراجعات بين الاستتباع والإبداع”، “حاكمية القرآن”، “الأزمة الفكرية ومناهج التغيير”، “الجمع بين القراءتين”، وغيرها.

في ندوة “اسلامية المعرفة ” بقسنطينة

شغل العلواني الذي كان يتقن الإنجليزية ويلم باللغة الفارسية، منصب رئيس التحرير المؤسس لمجلة “إسلامية المعرفة”، التي كانت بحق أول وسيلة تواصل بين طلبة العلم من أبناء جيلي  وبين فكر العلواني ومدرسته والمعهد العالمي للفكر الاسلامي عموما، وكنت يومها مشتركا في المجلة، باسم أحد أفراد عائلتي مع مجلات فرنسية أخرى، فاستفسرت الشرطة الجزائرية في عهد الاشتراكية بن خالتي، عن سبب اشتراكه في هذه المجلة السلامية الاصولية وهو المعروف عنه أنه لا يصلي حتى الصلاة، ففهمت حينها أن كل ما  له علاقة بالاسلام و العربية مراقب وتحت مجاهر ثقافة التغريب.

عندها حرصت أن التقي بكتاب المجلة، وحتى لما نزل الشيخ العلواني ضيفا مدرسا زائرا لجامعة قسنطينة كنت أرغب في ملاقاته، خاصة لما سمعت ممن تعرفوا عليه عن قرب أنه كان موسوعة في فنون شتى، وقد حرصت أخيرا أن أزوره في ندوة “اسلامية المعرفة ” التي انعقدت في قسنطينة في ثمانينات القرن الماضي فلم أحظى بملاقاته، لأن الدكتور جمال الدين عطية حضر نيابة عنه من فرع المعهد العالمي بالقاهرة، لكني عوضت هذه الخسارة بحضور شخصيات مهمة جزائرية وعربية منهم خاصة الدكتور الموسوعة محمد عمارة حفظه الله وسجلت معه تلفزيا 5 او 6 حصص غاية في الاهمية حول مواضيع شتى مدة يومين كاملين رفقة المصور الطالب حسان سالم، لست أدري هل لازالت الاشرطة موجودة أم ضاعت مع العشرية السوداء في الجزائر، ولست أدري أيضا هل الدكتور عمارة سلمت له النسخة التي طلبها أو ارسلت له أم لا ، و هل استغلها في كتاباته أم لا.. لأنه أثناء التسجيل كان حريص على ذلك رفقة الدكتور أمزيان صاحب مجلة ” المنعطف”  المغربية الذي حضر هو بدوره يرغب في نشر بعض مادتها و لو في سلسلة مقالات في مجلته الفصلية ..

تعلمت منه”فقه الأقليات” و أزمة الهوية في الغرب بين ” الاتش” H و “الاش” H Hache

تعلمت من الدكتور وهو أصولي المنهج مادة أفادتني كثيرا في حياتي الدعوية في الغرب، هي مادة “فقه الأقليات”، من خلال كتابه (مدخل إلى فقه الأقليات)، مؤكدا في بعض فصوله نظريات غاية في الموضوعية، بحيث يركز على أن مفهوم “فقه الأقليات” لم يأت من فراغ وليس مجرد ذكاء فردي من باحث أو كاتب، بل هو فكرة وقضية تمثل حصيلة عشرات اللقاءات والحوارات والمناقشات المستفيضة حول أسئلة لم تعرفها البيئات المسلمة التي ارتحل المسلمون المقيمون في الغرب عنها إلى هذه البيئات الغريبة في أمريكا وأوروبا.

قائلا :” لقد كان الجيل الأول من المسلمين القادمين إلى هذه الديار قد شغل بقضيتين أعطاهما من الحجم ما كان ملائماً لهموم واهتمامات أولئك المسلمين الذين يمثلون بقايا “العالمية الإسلامية الأولى” هما “الحلال” و”الهلال” و كلاهما يبدأ بحرف “الاتش”.  فالاتش الأول الحلال يراد به اللحم الحلال، وهل للمسلم أن يطعم لحوم أهل الكتاب فيسمي ويأكل أو لا بد من أن يذبح بنفسه فلا يأكل إلا ما ذبحه مسلمون بوسائلهم وبأساليبهم وشروطهم. أما قضية الهلال، او “الاتش” الثاني فتتعلق بثبوت دخول شهر رمضان وخروجه وتحديد يومي الفطر والأضحى، وهل يجب على المسلمين أن لا يصوموا ولا يفطروا حتى يرى نفر منهم – واحداً أو أكثر- الهلال بالعين المجردة، أو يمكن الأخذ بالحساب الفلكي أو متابعة البلدان المسلمة ؟ و عند ترجمته لحروف الأش يقول ، إن هذه المسائل تقع علينا كل سنة كالفأس في الرأس، و أنا ترجمته بالمعنى الفرنسي أي الفأس أو القادوم أو البليطة القاطعة .  

ويقول بعدها جازما “وإذا كانت الشريعة وضعاً إلهياً ثابتاً لا يقبل التغيير فإن الفقه في الشريعة فهم بشري قابل للتأثر بكل ما يؤثر على الفكر البشري من مؤثرات زمانية أو مكانية أو ثقافية أو بيئية”..

وإذا كانت أيضا هذه الشريعة الآلهية تتسم بالإطلاق على الجملة فإن “الفقه” نسبي، ولذلك تحول “الفقه المذهبي” إلى مدارس تأثرت بنفس الأقاليم التي انتشرت فيها المذاهب والمناطق التي استقر بها العمل فيها – حتى اتخذ الفقه طابعاً إقليمياً خاصاً في تلك البلدان والأمصار

اجتهاد فريد في الحدود .. حد الردة مثلا

كما تحدى الشيخ العلواني الكثير من الأعراف والفتاوى التقليدية حين غايرها. وقد (نقل) وشَهِدَ للشيخ محمد الغزالي (1917م – 1996م) أنه لم يفتِ بقتل المفكر العلماني المصري فرج فودة (1945م – 1992م) حتى مع موقفه المعروف في المحكمة حين استدعته بعد اغتيال فودة، بل إنه (أي الغزالي) قال ما قال كي يحمي دم المتهمين، أما حقيقة رأيه فهو أنه لا يؤمن أن للردّة حَداً لأن الحدود مُكفِّرات، فبماذا تُكفِّر بالنسبة للمرتد؟! وكان هذا الرأي هو ذاته رأي الدكتور العلواني

آخر ما كتبه حول حلم بن نبي “محور طنجة ـ جاكارتا”

أما عن نشاطه في الشأن العام، فـعلى الرغم من تفرغه التام للتدريس والعلوم الشرعية وأيضاً غربته عن بلده العراق، إلَّا أنه كان يكتب عن همّه السياسي وإن بشكل مقتضب، سواء مساعيه لإيقاف الحرب العراقية الإيرانية سنة 1982م أو كتاباته عن الأمة ومشاغلها. وقد كان آخر ما كتبه العلواني في هذا المجال عن الوحدة العربية. حيث كتب عن حلم محور طنجة جاكارتا لشيخ مفكري عصره ” مالك بن نبي”، رحمه الله الذي كان معجبا بأفكاره و أطروحاته حسب ما ذكر لنا المفكر الجزائري الطيب برغوث الذي لازمه أثناء زياراته لجامعة الامير عبد القادر بقسنطينة، حيث كتب العلواني عن حاجة الأمة لعودة: «المواصلات البريَّة لتربط بين العرب في آسيا وشمال إفريقيا والبلدان المغاربيَّة؛ لتبدأ عمليَّات الألفة بين شعوبنا والتهيؤ للتداخل تمهيداً للوحدة وإيجاد فرص التكامل، والتعاون الاقتصادي بصفة خاصَّة».

من آخر صيحاته للعرب” الوحدة العربية ضرورة حتمية ” ضد إسرائيل وأعوانها

في آخر ما كتب حول “الوحدة العربية ضرورة حتمية” ختم موضوعه بالقول “يا قومنا إنَّ القرن الذي بدأ بتفريقنا في الحرب العالميَّة الأولى وجعلنا اثنتين وعشرين دولة عربيَّة يوشك على الانتهاء، وتجري الإعدادات لجعلنا الآن مائة، أو أكثر في ظل التجزئة والشرذمة التي تريدها لنا إسرائيل وحلفاؤها والمتضامنون معها، وما لم يبادر أهل الرأي والقادة ويسارعوا إلى العمل على توحيد العرب وجمع كلمتهم وإيجاد نوع من التكامل بين غنيهم وفقيرهم؛ فإنَّنا مقبلون على مزيد من التشرذم والتفرق”

من آخر اعترافاته البشرية، ” أنا مسلم والموت جسر لا بد منه”

في مقال له بعنوان ” أنا المسلم ” يعترف و يقر بتواضع العالم العارف العابد الناسك المبتهل، قائلا: ” أقدِّس العدلَ، وأمجِّدُ الحريَّة، وأكرِّمُ الإنسانَ… وأرفق بالضعيف، وأُذَكِّرُ القويَّ بالذي هو أقوى منه. أنصح الأغنياء بأنّ يؤدوا حقوق الفقراء في الأموال، وأدعو الفقراء أن يعرفوا أن أغنياءَهم مستخلَفون بمال الله فيهم. أحب الخير، وأدعو إلى البرّ، وأرفض الشرَّ، وأرفض العنف، وأحب الرفق، واتشبثُ بالهدى، وأصون الحق. أحارب الباطل، وأنهي عن الفساد، وأريد الإصلاح ما استطعت، أبغض الحروب، وأعشق السلام، أحب الحياء، وأسعى لجعلها حياة طيبة ..”

ثم يضيف “أنا المسلم .. اهاب الموت، لكنني اؤمن بانه جسر لابد ان امشيه، لأصل الى دار البقاء من دار الفناء. وارجو حسن الخاتمة، واستعيذ بالله من سوئها. احب الجنة، وابغض النار، احب الامن وابغض القلق، واكره الكراهية ولست بفاحش ولا بسباب ولا بمهلك”.

قال عنه زميله المفكر عبد الفتاح ملكاوي، من أبرز ما عرفه منه حرصه على التعليم والتعلم

يقول عنه زميله في المعهد العالمي للفكر الاسلامي، عبد الفتاح ملكاوي، أحد أبرز القيادات المنظرة في المعهد العالمي للفكر الإسلامي ورئيس مكتب الأردن، أن العلواني عاش حياة فكرية غنية تزاحمت فيها الكثير من الأنشطة”، و”من أبرز ما عرفه منه حرصه على التعليم والتعلم، ففي مجال التعليم لم ينقطع عن تقديم الدروس والحلقات والدورات التدريبية الشرعية في منزله، على الرغم من مرضه المقعد في السنوات الأخيرة. وفي مجال التعلم، فإنه يحب أن يعرِّف نفسه بأنه طالب علم، يرغب ألا يقف في علمه وفكره على تخصص محدد، ويحرص على أية مناسبة تتاح له ليزداد علمًا، سواءً في قراءاته أو مناقشاته أو زياراته أو في مجالس العلم التي يعقدها

مردفا بقوله “كان  العلواني دائم النمو والتطوير في صياغة أفكاره وتوضيحها وإعادة النظر فيها، من خلال مرجعية ثابتة تنهل من القرآن الكريم بوصفه المصدر المنشئ للعلم والفكر، ومن السنة النبوية الشريفة بوصفها المصدر المبين للقرآن الكريم. تنقل في اهتماماته وكتاباته العلمية من التخصص الأكاديمي في أصول الفقه، إلى فقه الأقليات، والأديان المقارنة، والسنة النبوية، وقضايا الفكر الإسلامي المعاصر. وتفرغ في السنوات الأخيرة لتدبر القرآن الكريم “

قال عنه المفكر العراقي عبدالجبار الرفاعي صديق العلواني

قال الرفاعي ربطتني صداقة بالمرحوم الشيخ العلواني تمتد إلى مايقارب الثلاثين عاماً، عبر مراسلات ولقاءات آخرها في القاهرة، واضاف الرفاعي “المرحوم د. طه العلواني (فقيه سنة العراق) الجريء الجسور المستنير، ضيّعه سنة العراق، كنبي ضيّعه قومه، كما نساه شيعة السلطة في العراق، رغم انه كان على صلة عضوية بهم، وبمرجعية آية الله السيد محسن الحكيم، وهو المنسق بين هذه المرجعية وسنة العراق، قبل أكثر من نصف قرن، مضيفا بقوله ” لا أعرف فقيهاً معاصراً تجرأ كما هو، فكتب كتاباً هاماً نفى فيه حد الردة، وشدد على أن عقوبة المرتد أخروية لا دنيوية، كذلك نفى الحدود والعقوبات البدنية، بأدلة فقيه خبير، يتوكأ على القرآن الكريم كمرجعية في استدلاله، بوصفه قيماً ومهيمناً وشارحاً للحديث الشريف”

كتب عنه الباحث المصري رضوان، أحد تلاميذه.. للقرآن لغته

كتب عنه المصري محمد طلبة رضوان تحت العنوان : ” عن العلواني”،لا تقرأوا التفاسير، للقرآن لغته، ومعجمه، افهموها وفسروا أنتم، من سبقكم كتب لزمانه، افهموا زمانكم واكتبوا له، لا تتهيبوا لغة التراثيين، كلام عادي، يمكنكم فهمه من كتب أكثر بساطة، وأقل تعقيدا، ليست علوم شرعية، إنما معارف شرعية، ثمة فارق، لقد بالغ التراثيون كثيرا في التصنيف، أو لعلنا نحن من بالغنا في تقدير “المهم” من أعمالهم، يمكنني أن أحصر ما يلزمكم من هذا التراث في “وحدة” واحدة من هذه المكتبة الضخمة، لم أترك سطرا خطه الأقدمون في أصول إلا وأحطت به في طريقي لتحقيق “المحصول”، أحد أهم كتب التراث في علم الأصول، لا مذاهب عقدية، ولا فقهية، لا سنة، ولا شيعة، لا أشاعرة ولا معتزلة، ولا ما تريدية، ولا خوارج، لا أحناف، ولا مالكية، ولا شافعية، ولا حنابلة، لا أهل فقه، ولا أهل كلام، ولا أهل أثر وحديث، كلها تجارب، وكلها قابلة للأخذ والرد، والنقد، والتصحيح، بل والتجاوز، التراث مهم، كنزنا، لكن واقعنا أثرى وأهم، يا الله… هل مات العلواني حقا؟، وهل لمثله أن يموت في قلوب من عرفوه؟

” كان منفتحًا دومًا على الأفكار الجديدة”

قال عنه عبد الرحمان ناصر أحد طلابه الجدد ..كان الدكتور طه قد أسَّسَ فكرًا ومسارًا جديدًا، لكنَّه ومع ذلك لم يكن يتمسَّكُ تمسُّكَا مهووسًا بما وصل إليه، بل كان منفتحًا دومًا على الأفكار الجديدة، والإضافات التي نضيفها نحنُ الباحثون الصغار على منهاجيته وأفكاره، لم يكن يخاف من طرح الأسئلة، ولا أن نناقشهُ في أشدّ أفكارهِ وأعمقها، كان يتقبَّلُ هذا النقاش ويتقبل أن يرجع عن رأيه أيضًا إن وجد حقًّا في الرأي المخالف..

“إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”

كتب عنه أخيرا الهادي بريك ـ الكاتب التونسي في مرثيته “ظل العلواني يؤسس المؤسسات ويستكتب الأقلام ويجمع الهمم ويحشد إلى التجديد ويقاوم بلسانه وقلمه حتى وافته المنية مجاهدا عريقا عنيدا نبراسه الحديث النبوي الصحيح عند الحاكم وبعض أهل السنن ( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ). وظني الأكبر أن الراحل الكبير عليه الرحمة والرضوان أحد أعضاء قافلة التجديد الماضية سنة مسنونة وإرادة رحمانية مرادة.

الجامعات ومهابط العلم فقدت بموته أبرز ركائزها

بموت الدكتور العلواني تكون الجامعات ومهابط العلم قد فقدت واحداً من أبرز أعمدتها (أو طلابها كما كان يُحب أن يُقال عنه). بل تكون المكتبة الاسلامية حقا قد فقدت رفوفا كبيرة من كتبها و مجلاتها ، لكن عزاؤنا فيما قاله شيخنا العلامة البشير الإبراهيمي – رحمه الله – ، حيث كتب يقول في ذكرى وفاة الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية ، الشيخ الرئيس عبد الحميد بن باديس- رحمه الله-:” يموت العظماء فلا يندثر منهم إلا العنصر الترابي الذي يرجع إلى أصله، وتبقى معانيهم الحية في الأرض، قوة تحرك، ورابطة تجمع، و نورا يهدي، وعطرا ينعش، وهذا هو معنى العظمة ، وهذا هو معنى كون العظمة خلودا، فإن كل ما يخلف العظماء من ميراث، هو أعمال يحتذيها من بعدهم ، وأفكار يهتدون بها في الحياة، وآثار مشهودة ينتفعون بها ، وأمجاد يعتزون بها ويفخرون
و رحم الله الشاعر الحكيم القائل:

المرء بعد الموت أحدوثة … يفنى و تبقى منه آثاره
فأحسن الحالات حال امرئ … تطيب بعد الموت أخباره.

موت العظماء حياة أممهم

لا لشيء إلا لأن موت العظماء حياة أممهم، فإن في الغربة زادت جلالا، فإن كانت نتيجة للظلم زادت جمالا، فإن كانت في سبيل الوطن كانت جلالا و جمالا، فإن صحبها سلب العز والملك حلية و كمالا. عزاء للوطن الاسلامي المفجوع فيك يا علامة الفكر و الفقه، وسلوى للقلوب المكلومة بموتك ! وجزاء تلقاه في هذه الدنيا طيب ذكر، و عند ربنا ثمين ذخر..

في انتظار ذلك نقول لفقيدنا الغالي، نم هادئا، قرير العين .. بل حسبك قول الشّاعر الجزائري الفحل محمد العيد آل خليفة، الذي أنشد يقول يوم رحيل إمامنا، العلّامة عبد الحميد بن باديس

نم هـادئا فالشّعب بعـدك راشــــد *** يختـط نهجـك في الهـدى ويسير

لا تخش ضيعة ما تركت لنا سـدى *** فالـوارثـون لمــا تركـــت كثير

بدورك أيضا أستاذنا الكريم نم قرير العين، وسلام عليك في الشهداء والصّدّيقين، وسلام عليك في الأوّلين والآخرين، وسلام عليك في المؤمنين العاملين، وسلام عليك في الدّعاة الربّانيّين، وسلام عليك إلى يوم الدّين..

هنيئا لك أستاذنا ، ذخرك عند الله مما قدّمت يداك من باقيات صالحات، وعزاء لك فيمن كنت تعلّمهم وتواسيهم .. وإلى لقاء في جنّة عرضها السّماوات والأرض أُعدّت للمتقين .. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين والعاقبة للمتّقين ولا عدوان إلّا على الظّالمين، و”إنّا لله وإنّا إليه راجعون”. وصدق محيي الموتى القائل:” الّذين تتوفّاهم الملائكة طيّبين، يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنّة بما كنتم تعلمون”

محمد مصطفى حابس
17 مارس 2016

Share.

About Author

مصطفى حابس Mustapha Habes

Comments are closed.