صرخة غيور

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

بسم الله الرحمن الرحيم

يا سكان غرداية وما جاورها، أنتم يا شعانبة العِزّ أحفاد مجاهدي متليلي الأبطال، ويا أحفاد أبي اليقظان والشيخ بيوض ومفدي زكريا من المزابيين الأحرار، يا من كلاكما لا غبار على اعتزازه بلغة الضاد وتمسّكه بدينه ودفاعه عنه، يا من كنتم طيلة عقود، بل قرون، تمثّلون أسمى معاني التسامح المذهبي والتعايش العرقي في بلدنا الحبيب، حين كانت الكلمة للعقلاء والأعيان في فض أيّ نزاع عند نشوبه فينتهي الموضوع حول قصعة “كسكسي”.

لقد كثر اللغط والهرج والمرج في ولاية غرداية وسالت الدماء ودُمّرت البيوت والمتاجر وانطلقت الألسن والأقلام المشبوهة بالتحليل والتفسير و”التضليل” في البحث عن الأسباب والفاعلين الحقيقيين أو عمّن يحرّك من وراء ستار، وأكثرها يا للأسف صبّ الزيت على النار من أجل إذكاء نار الفتنة الطائفية النتنة. كما أنه لن تفيدكم الأحقاد وطلب الثأر الذي ينفخ فيه البعض إلا مزيدًا من الدمار والابتعاد عن الحل ولن يعيد من قُتل ظلمًا أو خطأً. فاعلموا أنّ قدركم أن تتعايشوا وأن يقبل بعضكم بعضًا فالأحرى بكم إذًا أن تتآخَوْا وأن تتغلّبوا على عواطفكم أوّلًا وأن تصُمُّوا آذانكم عن دعاة الفتنة المتربّصين بكم وبوطننا جميعًا والذين لم تتوان أقلامهم وأبواقهم الجهنمية عن كيل التهم هنا وهناك وشيطنة طائفة أو تحريض أخرى خدمةً لأجندات مشبوهة تحملها أقليات فكرية بعيدة كل البعد عن مرجعياتكم وتطلّعاِتكم.

وهذا الوئام والإخاء المنشود ممكن أن يتحقق إذا حكَّمتم عقولكم وسألتم أنفسكم من جديد من نحن؟ ألسنا كلّنا أبناء منطقة واحدة؟ ألسنا كلّنا جزائريين؟ ألسنا بالأخص نحن مَنْ لِسانُ حالنا ومقالنا يكرّر عدة مرَّات في اليوم وعن قناعة أننا مسلمون أهْلُ كتاب منزّل، فيه فلاحنا في دنيانا ونجاتنا يوم الحساب؟ فمتى نلجأ إلى هذا الكتاب إذا لم يكن في ساعة العُسْرة؟ وكما يفِرُّ المظلوم الخائف الضعيف الحائر إلى قوي يحميه فإلهكم القوي العزيز الرحيم الغفور يدعوكم للجوء إليه عندما تتقطّع بكم السبل ويفتح لكم أبوابه إذ يقول في كتابه العزيز: “فَفِرُّ‌وا إِلَى اللَّـهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ‌ مُّبِينٌ” (الذاريات:50). كما يأمرنا بالاعتصام بحبله المتين: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّ‌قُوا” (آل عمران:103).

فأنتم جميعًا وبدون أيّ ارتياب وباقي أبناء هذا الوطن المخلَصين تدركون أن إسمنت الوحدة فيه هو دينه كما أنه حصنه المانع من أعدائه والمحرك الأول للدفاع عنه مهما تقوَّل المبطلون أو ادّعى المرجفون من دعاة الحداثة المغشوشة والعولمة الزائفة. فتاريخنا القديم والحديث أكبر شاهد على ذلك. فأعظم وأشمل مقاومة للاحتلال قادها المجاهد العالم المتصوّف الأمير عبد القادر وتتالت الثورات ضد المستعمر باسم الجهاد في سبيل الله بقيادة المشايخ المقراني وبوعمامة والحداد وغيرهم… وشعار الثورة التحريرية كان الجهاد في سبيل الله ووقودها الشهداء الأبطال وأغلبهم من أبناء الجزائر العميقة الذين لا يفقهون كثيرًا في أدبيات الوطنية والقومية ولكن يعرفون جيّدًا أنهم يحاربون الكفار المغتصبين لأرضهم دار الإسلام وأنهم إن ماتوا يموتون شهداء بما تحمله الكلمة من معانٍ في ضمير المؤمن. وفى حاضرنا الأليم بما فيه من تشويه وتحريف للإسلام وارتكاب جرائم باسمه وتكالب أعدائه عليه، إلا أنه يبقى طوق النجاة الحصين وعامل الألفة المتين بين أفراد الأغلبية في مجتمعنا وسائر بلاد المسلمين الذي يُذكِّرُهُم في لقاءاتهم اليومية في بيوت الله أنهم أخوة ويمنعهم من الاعتداء أو السطو بعضهم على بعض، رغم غياب رادع مادي، أو قانوني، ففي كثير من الأحيان لا يمنع من ذلك سوى الخوف من الله الواحد القهار. فيا إخواننا في الدين والوطن في ولاية غرداية العزيزة علينا كما هو عزيز وغال كل شبر من وطننا الحبيب حاولوا أن تتجاوزوا مصيبتكم وتُجمِعوا قواكم وتسْتنْفِروا هِممكُم لإنقاذ منطِقتكُم من التمزق لأنكم بذلك ستُبطلون مخططات من تُساوِرُهُم نفوسُهم باتِّخاذِكم كبش فداء وفئران تجريب لتمزيق الجزائر.

ومن الأشياء العملية التي يمكن القيام بها على الفور أن يتكفَّل كلُّ فريق بردع الطائشين من أبنائه وكفّهم عن الأذى وهذا نصرة لهم كما جاء في الحديث الصحيح: “انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، فقال رجل، يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلومًا، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ تمنعه من الظلم وذلك نصره.” ولنستحضر أسمى معاني التضحية والخوف من الله والاحتساب من حادثة ابنَيْ أدم إذ يقول العبد الصالح لأخيه الذي يريد قتله غيرةً وحسدًا: “لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّـهَ رَ‌بَّ الْعَالَمِينَ” (المائدة:28). كما يجب أن نتذكّر ونذكّر من حولنا ممّن نسي أو جهل بحرمة الدماء عند الله وعند رسوله. يقول الله سبحانه في سورة النساء: “وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّـهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا” (النساء:93). كما صحّ عن النبي (صلعم) أنه قال: “والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا”. فكيف وصل الأمر بالمؤمن حتى ينسى هذه الأوامر والنواهي التي لو استحضرها ساعة الغضب لجنّبته الشطط والهلاك.

قد يقول قائل ما بك يا هذا؟ وما محلّ خطابك العاطفي من الإعراب والقتلى بالعشرات والخسائر المادية بالملايير؟ اعتقادي أن ذلك عين الصواب ومفتاح الحلّ إن كنا حقًا مخلصين في إيماننا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا ورسولًا وأن ما أصابنا ما كان ليخطئنا وما أخطأنا ما كان ليصيبنا وأنه مما كسبت أيدينا وحصاد ابتعادنا عن تعاليم ديننا الحنيف الذي يحرّم الاعتداء على الغير أو غمطه حقه فما بالك بقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق. أمّا غير ذلك فما هو إلا مزيد من الأحقاد والقتل والخسائر. كما اعتقد جازمًا أن الفرار إلى الله يرشدنا إلى الطريق الأمثل من أجل تسامح فعلي ودائم بين جميع طوائف المجتمع إذ يهدينا إلى التصارح مع الذات أوّلًا وإلى ما هو واجب على كل من الفريقين فعله من أجل تصالح وتعايش حقيقي ودائم يخدم مصلحة الجميع وتمليه عليه عقيدته ثم يفرضه الواقع على الأرض المشتركة لأنه من العبث والغباء أن يتصوّر أحد الفريقين أنه سيستيقظ يومًا ليجد نفسه بمفرده في الساحة وقد أُبيد الآخر أو تبخَّر. ومع كل هذا لا يُفهم أننا ندعو إلى تعطيل العدالة والدعوة إلى تسامح عاطفي كحلّ مؤقت تخمد فيه الفتنة ويبقى الجمر مستعرًا تحت الرماد تشعله حرارة الرغبة في الثأر إذا لم تطفأها وإلى الأبد يد العدالة الصارمة التي تأخذ بالثأر للمكلومين وتنصف المظلومين وتضرب بقوة على يد الظالمين ليكونوا عبرة لم تسوّل له نفسه بثّ الفرقة بين أبناء الوطن الواحد والعبث بوحدته أو الدعوة الى تمزيقه باسم طائفة أو عرق أو مذهب ديني أو وضعي.

والله ولي التوفيق والهادي إلى سواء السبيل.

محمد جاب الله
12 جويلية 2015

Share.

تعليق واحد

  1. RE: صرخة غيور
    مقال أتى في وقته كتب بعناية واضحة كي يجمع و لا يفرق و يطفئ نار الفتنة ولا يذكيها كما يفعل البعض من حيث لا يدرون أو ربما يدرون أسأل الله أن يجد آذان صاغية و صدورا رحبة و عقولا واعية تحرص على وحدة الوطن ومصلحته و تقطع الطريق أمام أصحاب الطموحات الفئوية المشبوهة و أساله كذلك أن يثقل به ميزان حسناتكم و يجزيكم خيرا .