الصمود الكاشف

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

إن الصمود البطولي والأسطوري لشعب غزة العزة، ومقاومته الباسلة، أظهر حقائق عديدة، وأزاح الغموض على كثير من الأمور، ما سوف يعيد ترتيب الكثير من الأوراق محلّيا وعالميا، إن آجلا أو عاجلا.

على الصعيد الفلسطيني

1) تبين للجميع – إلاّ من يريد أن يغمض عينيه أو يعطل عقله – أن إسرائيل لا تريد السلام، ولن تتراجع عن هدفها الثابت في احتلال كل فلسطين، وقضم الأرض تدريجيا بسرطان الاستيطان المتواصل في جو من التوتر الدائم، وإيجاد التبريرات الواهية لشن حرب من حين لآخر تبيد فيها البعض، وتهجر الآخر، وتدمر ما أقيم من مباني وبنى تحتية ما بين الحرب والأخرى.

إن كل العالم يعرف أنّ الذريعة التي شنّت من أجلها إسرائيل حربها الأخيرة على غزّة كاذبة، وأنّ حماس تبرأت من قتل المستوطنين الثلاثة “الذريعة”. كما يبدو أن قتلهم جناية ليس لها علاقة بالمقاومة.

أما السبب الفعلي لهذا العدوان، هو ما حصل من تقارب، وتفاهم بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس، وإقامة حكومة توافق وطني، الشيء الذي رفضته مباشرة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وهددتا السلطة بالاختيار بين “السلام” (استسلام المفاوضات) وحماس. ما يدل أن إسرائيل تخشى من وحدة الصف الفلسطيني الذي يوحي بخيبة الأمل واليأس من المفاوضات عند الجناح الذي وقع في فخ اتفاقيات “أوسلو”.

2) أكّدت هذه الحرب على أنّ غالبية الشعب الفلسطيني مع خيار المقاومة كسبيل وحيد للتحرر، وقد تجلى ذلك في تماسك جميع فصائل المقاومة، ووحدة كلمتها، وعزيمتها الفولاذية في التصدي للعدو مهما كان الثمن، وتوج ذلك بالوفد الموحد في القاهرة بين السلطة وكل الفصائل، وتبنيه شروط المقاومة كاملة. أيضا ظهر هذا الخيار في مواقف النشطاء السياسيين الأحرار، وفي تصريحات بعض قيادات فتح، وتوّجته الجماهير في الضفة، والقدس، وأراضي 1948 بهبتها لنصرة غزة – التي ضرب سكانها أروع المثل في الصبر والتحمل والشد على أيد أبطاله البواسل – . وإن التاريخ سيذكر للقيادات السياسية – وللسلطة بالذات – اصطفافها مع شعبها، ومقاومته وراء خيار المقاومة، أو سيلعنها ويشهد على خيانتها إن خذلته واغتالت – مرة أخرى – وحدته بالعودة الى مسار “أوسلو” الميت والذى أثبتت الأيام أنه لن يحقق شيئا للشعب الفلسطيني.

3) إنه لا ينكر إلا جاحدا أن العمود الفقري والقوة الضاربة لهذه المقاومة هم الإسلاميون – على رأسهم حماس الإخوانية والجهاد الإسلامي – الذين ضربوا لنا المثل في أن الإيمان بالله والتوكل عليه يصنع المعجزات، وأن القوة الفعلية تكمن في تحرير الإرادة، وصدق العزيمة، والإخلاص والمثابرة. فبالرغم من الحصار الخانق منذ سنين، وتخاذل ذوي القربى – بل ظلمهم في الداخل والخارج – تفاجأ العدو والصديق بقدرات المقاومة على تحقيق ما لم تحققه جيوشا بأكملها، بالصمود أمام رابع أكبر جيوش العالم لمدة 51 يوما، وتكبيده خسائر بشرية، ومادية فادحة، وإلحاق به هزيمة معنوية فاضحة، وإذاقة الشعب الإسرائيلي جرعة من الرعب – الذى كان يسلّطه على الفلسطينيين العُزّل منذ عقود – ولمدة لم يعهدها من قبل.

كما أظهرت المقاومة مقدرة أسطورية على التخطيط المحكم، والتحضير الجاد، وعلى الإبداعات الحربية، والإنجازات اللوجيستية الهائلة، حتى قال قادة في الجيش الإسرائيلي أنهم يواجهون جيشا منظما، وأصبحوا ينعتون عدوانهم بالحرب بدل عملية الجرف الصامد.

4) لقد أحيت المقاومة المعنى الحقيقي للجهاد، والذي يريد الأعداء طمسه ومحوه من قاموس ثوابت قيمنا، ويجدون من يتآمر معهم من الحكام المسلمين إلى حد حذفه من كتب التربية، فالجهاد هو هذا الدفاع المشروع الذي تقوم به المقاومة من أجل استرجاع الأرض المسلوبة، والحرية المصادرة، والكرامة المُداسة، بتجرد وإخلاص، شعارها الله أكبر، ومُبتغاها النّصر أو الاستشهاد على أرضها وبين أحضان شعبها. وهذا ما يفضح المحاولات المغرضة لتشويه مفهوم الجهاد في الإسلام، ومساواته بالأعمال الإجرامية من قتل للأبرياء، وسلب للأموال بالباطل، وترويع الآمنين، والتي تقوم بها جماعات تدعي أنها اسلامية والإسلام منها براء. ومهما كانت نية هذه الجماعات ومن يقف وراءها فهي تخدم الأعداء. وقد صرح الصهيوني “عاموس بلين” رئيس الاستخبارات الإسرائيلية الأسبق، ورئيس معهد أبحاث الأمن القومي الصهيوني بأن “إسرائيل لم تحقق أهدافها وأن حماس خرجت قوية. وبعدم الخوف من قدوم تنظيم “داعش” إذا تمكنت من السيطرة على غزة” مما يعني أنهم يخططون لإحلال “داعش” مكان حماس للانقضاض على المقاومة كما حصل في سورية.

5) أسقطت هذه الحرب أسطورة جيش إسرائيل الذي لا يقهر. فقد تقهقر دون أن يحقق أهدافه في تحطيم قدرات المقاومة التي أظهرت أنها قادرة على إطلاق الصواريخ حتى الساعة الأخيرة قبل الهدنة، وتكبيده خسائر بشرية داخل العمق الإسرائيلي.

 كما تبين أيضا – وعلى المباشر – للعالم أجمع، همجية هذا الكيان الغاصب الذى يهدف لإبادة الشعب الفلسطيني، وارتكابه جرائم ضد الإنسانية بإمعانه في قتل الأطفال والشيوخ والنساء، وتدمير المنازل والعمارات على رؤوس ساكنيها، مكرسا بذلك حقيقة أنه فاقد لأبسط الأخلاق، وغير ملتزم بأي قانون ولا معاهدة دولية، وقد تجلى ذلك في قصفه لمدارس المفوضية العامة للاجئين.
 
على الصعيد العربي

1) أعادت الحرب الأخيرة القضية الفلسطينية إلى صدارة القضايا في المنطقة كونها أساس الاستقرار أو الاختلال داخل الدول العربية، وفي علاقاتها مع الخارج. ولن تستطيع سلطات تلك الدول نفض أيديها منها أو تجاهلها، وإيهام شعوبها أنها قضية تخص الفلسطينيين. فبالرغم من التعتيم الإعلامي وحصار الأنظمة لحركة تلك الشعوب، إلا ان الجميع يعلم أن الشارع العربي والإسلامي عموما يعتبرها أم القضايا، وأنه لن ينعم بالاستقرار والتطور إلا باستئصال ذلك الجسم السرطاني الغريب الذي يستنزف قواه، وينفث فيه سم الفرقة ويدنس مقدساته.

وفى هذه الأيام تنام الشعوب وتنهض على أخبار الحرب المفروضة على إخواننا في غزة، متفاعلة مع أفراحهم وأتراحهم بفضل الإعلام النزيه، والملتزم بإيصال المعلومة دون تشويه أو تحريف، كما كان يحصل حين كان الإعلام حكرا على اليهود وأذنابهم في الغرب.

2) أسقطت غزة ورقة التوت الأخيرة على سوءات الحكام العرب، وعرتهم على حقيقتهم “وُكلاء مسلّطين على شعوبهم منزوعي الإرادة”، ولم يعد يسمح لهم كما كان في الماضي حتى بالتمويه على شعوبهم بإبداء بعض الشهامة، والعنترية اللفظية، والتنديد، والشجب، والسماح بمظاهرات شعبية. في مصر مثلا وفي عهد مبارك الذي كانت تعتبره إسرائيل كنزا استراتيجيا، لم يكن الموقف الرسمي بهذا التخاذل، بل العمالة والتعاون المعنوي والدعم الإعلامي، حيث رأينا قنوات مصرية تشكر المجرم “نتنياهو” على قصفه غزة، وصحفيون، ومحللون مقربون من السلطة يحملون المقاومة مسؤولية المجازر، والدمار في غزة، ناهيك عن الغلق الكامل والمستمر لمعبر رفح على الفلسطينيين، والمساعدات، وطواقم الأطباء الاجانب الذين هبوا لإسعاف ضحايا العدوان. كلنا يذكر الجراح النرويجي “الدكتور مادس جيلبير” الذي منع في معبر رفح، ودخل غزة من معبر تشرف عليه اسرائيل.

أما ما سمي بالمبادرة المصرية، فقد كشف الإعلام الإسرائيلي انها كانت بالتنسيق مع إسرائيل، والسلطة الفلسطينية، والدليل على هذا الموافقة الفورية عليها من قبل إسرائيل، واستماتة “عبّاس” في الدفاع عنها.

هكذا حال أغلب الدول العربية، منها من تخاذل، ومنها من هو متهم أصلا بالتآمر على غزة باعتراف الصهاينة أنفسهم. يقول الدبلوماسي الإسرائيلي “مائير كوهين” في حوار لقناة الــ “بي.بي.سي” أثناء الحرب على غزة: “لقد تكون محور بين إسرائيل ومصر والسعودية والتحقت بهم الأردن أخيرا”. وهذا ما أكده “نيتنياهو” في ندوته الصحفية يوم 26 أغسطس 2014 بقوله: “يجب تعميق التحالف الاستراتيجي بين إسرائيل ودول الجوار في المنطقة”. وتكشف وزيرة القضاء الإسرائيلي – المكلّفة بملف المفاوضات مع الفلسطينيين – “تسيبي ليفني” عن توافق إسرائيلي-مصري لخنق قطاع غزة، إذ تناقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية قولها: “إن الحكومة الإسرائيلية تؤيد المصريين، وكل الذين لا يريدون دفع أي مبلغ لحماس، ويضيقون الخناق عليها”. وعن المظاهرات المؤيدة لغزة، يقول مفتي السعودية، وكبير هيئة العلماء، أنها مجرد أعمال غوغائية لا خير فيها ولا رجاء منها، ووصفها بالتهريج. أما دولة الإمارات، فهي متهمة بدعم إسرائيل، حسبما ورد في وسائل الإعلام، وقد كتب كبير الشرطة فيها “جهشان” على صفحته في الفايس بوك، أن لا طائل من وراء المقاومة.

على الصعيد الدولي

لا يزال الموقف الرسمي الغربي عاجزا عن الانفلات من قبضة اللوبي الصهيوني العالمي، منحازا لإسرائيل، مبررا لكل ما تقوم به من عدوان على الفلسطينيين، وعلى القيم الإنسانية التي يتشدقون بها، وعلى القانون الدولي.

لكن الجديد، هو الوعي المتزايد لدى الشعوب الغربية بزيف الأطروحة الصهيونية التي تقدم إسرائيل على أنها واحة ديمقراطية مسالمة، نموذج للحضارة وسط محيط عدواني متوحش يستهدفها على الدوام، وأن كل ما تقوم به دفاع عن النفس. كما بدأ ينكشف ابتزاز إسرائيل للغرب، بتذكيره بما عاناه اليهود على يد النازيين، وبالمحرقة – المشكوك فيها أصلا – وجعلها “المقدس الوحيد” في الدول الغربية الذي يعاقب القانون كل من يشكك فيه، أو يقلل من قيمته بدعوى معاداة السامية، أما ما سوى ذلك من دين، أو تاريخ، أو مؤسسات فهو مباح باسم حرية الرأي، والتعبير، ذروة ما أتت به الديمقراطية عندهم.

لقد تجلى هذا الوعي لدى الجماهير في المظاهرات الحاشدة، والمتكررة في جميع العواصم الغربية، وفى الشعارات المرفوعة، المنددة بالعدوان.

كما توسّعت دائرة الأحرار في العالم من رجال العلم والسياسة والكتاب والحقوقيين ورجال الفن والإعلام، المؤيدين للحق الفلسطيني، والمنددين بالعدوان، والرافضين لمواقف حكومات دولهم.

كذلك ازداد عدد المنادين بمقاطعة إسرائيل اقتصاديا، وثقافيا، وبمحاكمة قادتها على جرائم الحرب التي ارتكبوها – ولا يزالون – في حق الفلسطينيين منذ نشأة هذا الكيان الغاصب.

وما نراه من تطرف مفرط من قبل الإسرائيليين هو نذير شؤم عليهم – إن شاء الله – كما بشرنا بذلك الأستاذ مالك بن نبي – رحمه الله – في إحدى الحلقات بعد حرب 1967 إذ قال: “إن إسرائيل ستُأخذُ من تطرّفها، لأن اليهودي لا يكتفي بالتغلب على عدوه، ولكن يحاول سحقه”. وهذا ما لن يتحقق لهم، وإنهم لمندحرون بإذن الله.

محمد جاب الله  
1 سبتمبر 2014

Share.

تعليق واحد

  1. RE: الصمود الكاشف
    نعم يا حكيم: إنّه الصمود الكاشف
    على جميع المستويات ولو أغمض كلّ جبان أو متخاذل أو عميل في أيّ موقع كان، سياسيا أو غعلاميا أو عسكريا، فإنّ غزّة والمقاومة المسلحة والوحدة العملية انتصرت، ولفحت وجوههم أشعتها، وأحرقت قلوبهم الجافة وقلوبهم الجامدة.
    شكرا حكيم.